الإسلام هو النظام الوحيد الذي صهر الأمم والشعوب ووحّدها  وهو وحده القادر على صهرها وتوحيدها اليوم
August 28, 2020

الإسلام هو النظام الوحيد الذي صهر الأمم والشعوب ووحّدها وهو وحده القادر على صهرها وتوحيدها اليوم

ورقة في منتدى الصراعات القبلية 2020/8/22م بعنوان:

الإسلام هو النظام الوحيد الذي صهر الأمم والشعوب ووحّدها

وهو وحده القادر على صهرها وتوحيدها اليوم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا وقائدنا ونبينا محمد ﷺ...

لقد جمعت أحكام الإسلام الشعوب والقبائل المختلفة بل والمتناحرة، ووحدت كلمتهم وساوت صفوفهم، فصنعت منهم أمة راقية يعبدون رباً واحداً ويتجهون لقبلة واحدة ويحمون بعضهم بعضاً ويهب الواحد منهم روحه رخيصة فداءً لأخيه، نعم، هكذا كانت دولة الإسلام الخلافة التي امتدت لأكثر من ألف وثلاثمائة عام تحكم العالم وتفتح البلدان وتطبق أحكام الله رب العالمين... والسؤال هنا:

1/ كيف صهر الإسلام هذه الشعوب والأمم والقبائل التي كانت تتناحر فأصبحوا إخوة متحابين؟

لقد أنزل الله تعالى الإسلام وجعله نظاماً راقياً يوافق فطرة الإنسان ويقنع عقله ويملأ قلبه طمأنينة، فكان من الطبيعي أن تجمع أحكام الإسلام الأمم والشعوب باختلاف الألوان والأوطان، وتوحدهم وتؤاخي بينهم، وتزيل النعرات القبلية والجهوية والإثنية، فأصبح بلال الحبشي أخاً لأبي بكر القرشي، وصهيب الرومي أخاً لسلمان الفارسي، وهكذا...، وأصبح الترك وأهل باكستان والهند والعرب وأهل أفريقيا ... وغيرهم يتجهون لقبلة واحدة ويدينون بهذا الدين العظيم دون أي اعتبار لأي اختلاف عنصري أو جهوي...

2/ الإسلام شرع أحكاما أوجبت الوحدة وحرمت التمزق على أي أساس أو أي رابط، سواء أكان رابطاً وطنياً أو قبلياً أو عرقياً:

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عِمران]. وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». متفق عليه. وعن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن ﷺ قال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» متفق عليه. وعَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى قَالَ وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» مسند الإمام أحمد.

فقد سمى النبي ﷺ هذه النعرات جاهلية أي ليست من الإسلام في شيء.

3/ ثم جعل الإسلام مقياس التفاضل بين الناس هو التقوى، ومدى التزام الشخص بأحكام الإسلام، وليس هو القبيلة أو العرق.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

4/ فالإسلام الذي صهر الأمم الشعوب سابقاً قادر على صهرها اليوم بتطبيق شرع الله تعالى وبسط سلطان أحكامه على الناس:

قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

5/ ولكن من الآفات التي ضربت وحدة الأمة ومزقت نسيجها المجتمعي، والتي تمنع الوحدة وتصنع الكوارث: هي فكرة الوطنية.

الوطنية: حسب ما جاء في الوثيقة الدستورية من تركيز للجهوية والوطنية:

إن أكبر جريمة ارتكبها المستعمرون في حق المسلمين وتمزيق وحدتهم، هي الرابطة الوطنية؛ حيث قسمتهم إلى كيانات ضعيفة عليها حكام عملاء رويبضات استهزأوا بالشرع وحاربوا أحكامه، وجعلوا الأمة مزقاً يقاتل بعضها بعضاً...، ثم تركيز الناحية الوطنية؛ لتكون هي الرابطة التي تربط بين المسلمين، وهي رابطة صنعها الاستعمار لتمزيق بلاد المسلمين عبر اتفاقية سايكس بيكو، تنفيذاً لسياسة فرِّق تسد.

إن الوطنية هي جريمة نكراء جعلت المسلم يعادي أخاه المسلم؛ فجعلت هذه الرابطة القبيحة أهل السودان ومصر في حالة عداء بسبب حلايب، ولكنهم للأسف لا يثورون ويغضبون بالوتيرة نفسها على اغتصاب المسجد الأقصى، وهكذا... ثم ها هو ذا المستعمر يريد أن يقسم المقسم بتمزيق قذر جديد كما وصف المجرم برنارد لويس التمزيق بحدود الدم أي تقسيم المقسم. كما قسم الاستعمار بلاد المسلمين كما بيَّنا سابقاً.

وهذه العنصريات هي أصيلة في المجتمعات الغربية التي تعيش جاهلية قذرة كاملة الأركان، فصدرتها إلى بلاد المسلمين، والدليل الاحتجاجات التي انتشرت في أمريكا وغيرها بسبب التمييز العنصري بعد مقتل جورج فلويد على يد رجل شرطة أبيض بسبب تمييز عنصري، وقد تواترت مثل هذه الأحداث.

6/ بعد هدم الخلافة الإسلامية، وتعطيل تطبيق أحكام الشرع، قامت الدول الوطنية الوظيفية بمنع وتحريم إنشاء وقيام الأحزاب على أساس الإسلام،

بالرغم من أن الإسلام أمر المسلمين بإنشاء الأحزاب السياسية على أساس الإسلام لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام المجرمين، وتكشف مخططات الكافرين المستعمرين، وتسهر على حماية الأمة وتحرص على أمنها وراحتها، وتكون محيطة بثقافة الأمة وحضارتها، قائمة على فكرها ومفاهيمها، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران].

في دستور 2005م يمنع تكوين أحزاب على أساس ديني وإنما على الأساس الديمقراطي العلماني، والفقرة نفسها موجودة في الوثيقة الدستورية. جاء في دستور السودان 2005م تحت عنوان: حرية التجمع والتنظيم ما نصه: 40- (2) ينظم القانون تكوين وتسجيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي.

(3) لا يحق لأي تنظيم أن يعمل كحزب سياسي... ما لم يكن لديه:

أ- عضوية مفتوحة لأي سوداني بغض النظر عن الدين أو الأصل العرقي أو مكان الميلاد.

ب- برنامج لا يتعارض مع نصوص هذا الدستور. تقريباً المادة نفسها موجودة في الوثيقة الدستورية مع بعض التصرف في المادة رقم 58 صفحة 20. فهذه الحكومات ترفض تكوين تنظيمات سياسية على أساس الإسلام، وفي الوقت نفسه تعيِّن الشخص في مؤسسات الحكم على أساس محاصصات جهوية ومناطقية وهكذا...

7/ في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريباً بإذن الله لن تكون هناك محاصصات جهوية أو عنصرية أو مناطقية:

أولاً: لأن ذلك محرم حسب النصوص الشرعية وهو مخالفة تستوجب محاسبة الدولة.

ثانياً: التوظيف للمناصب إنما يكون على أساس الكفاءة والقدرة على تولي المسؤولية، فالناس سواسية فلا ولاءات قبلية ولا عنصرية...

8/ الحكم في دولة الخلافة الراشدة هو تطبيق أحكام الشرع ورعاية الناس بالإسلام فليس هو هبة لقبيلة ولا وجاهة لفئة، إنما هو أمانة لا يتولاها «إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» بعد أن تنطبق عليه شروط الحكم والولاية على الناس.

فقد جعل النبي ﷺ المناصب العامة أمانة وخزياً وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الواجب الذي عليه فيها، لذلك حرَّم الإسلام المحاصصة الجهوية أو المناطقية وجعل تولي المناصب إنما يكون بحسب الكفاءة والأهلية، وهذا ما وضحه النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه لما سأله أن يوليه أحد المناصب مسؤولاً على أحد العمالات، عن أبي ذر قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟) وفي رواية (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنِي) قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» مسلم وغيره.

9/ إن تواتر هذه الصراعات هذه الأيام وانتشارها بهذه السرعة في كل أطراف البلاد أمر غير طبيعي:

هذا إذا أخذنا في الحسبان المفاوضات التي تجري بخصوص السلام، التي في الأصل أن تبشر بالسلام والأمان وتُوقف هذه الصراعات، إذا كانت مفاوضات نزيهة ومقاصدها حسنة.

وهذا التواتر والانتشار للصراعات يدل على فشل المعالجات المقدمة من توقيع اتفاقيات صلح قد تكون بلغت مئات اتفاقات الصلح إلا أن الناس يرجعون للصراع والقتال وسفك الدماء قبل أن يجف حبر هذه الاتفاقات! وهذا يؤكد الآتي:

أ- أن هذه الأنظمة الرأسمالية الديمقراطية العلمانية ليست حريصة على تقديم الحلول الجذرية لهذه المشاكل بل هي فاقدة للمعالجات الجذرية، وفاقد الشيء لا يعطيه.

ب- إن الدول الاستعمارية البغيضة وعلى رأسها أمريكا وأوروبا يتكسبون من هذا الفراغ الأمني، ويهيئون أجواءه بواسطة عملائهم، فلا تتحقق أجندتهم إلا في ظل الانقسامات والصراعات.

ج- والحكومات المتعاقبة ومنها الحكومة الانتقالية القائمة اليوم بغض طرفها عن القضاء على هذه الأحداث بل ربما يكون لها أو لأطراف منها ضلع في هذه الأحداث تنفيذاً لأجندة الكافر المستعمر في بلادنا، فهي إذن غير جديرة بأن تحكم هذه البلاد.

د- ترتكب في حق الناس جريمتين عظيمتين:

أما الجريمة الأولى فهي التفريط في أمن الناس، الذي هو واجب على الحاكم وبفقده يكون الحاكم غير مؤهل لتولي أمور الناس، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». ابن حبان والترمذي وغيرهم.


والجريمة الثانية: هي تهيئة البلاد للانقسام والتشظي كما حدث في انفصال الجنوب، وتمزيق بلاد المسلمين محرم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».

لقد ثبت للناس جلياً أن هذه الحكومات العميلة (عسكرية كانت أو مدنية) ما هي إلا أبواق للمستعمر، تخضع لمؤامراته، وتنفذ أجندته... فإنه من العار والشنار أن أمة تقية غنية ثرية بالرجال والخيرات، أمة، قائد ركبها الطاهر محمد ﷺ، ومن أركان حكمها أبو بكر وعمر، ومن زعمائها خالد والمقداد وجعفر، ثم بعد هذا يعتلي على سُدة حكمها سفهاء الناس ورويبضاتهم، عملاء الكافرين والمستعمرين، إنه والله لأمر عجيب...!

أما آن لأهل السودان أن ينفضوا أياديهم عن هذه الأنظمة والحكومات العميلة؟!

لقد شُلت وعجزت فسقطت كل الأنظمة الوضعية ومجالسها التشريعية، وافتُضحت كل الحكومات التابعة للغرب من ديمقراطية وماركسية، وسقطت أصنام موظفي المنظمات الدولية (ناس شكراً فلان وشكراً علان) نعم سقطت هذه الأصنام، وفشلت خطط وتنظيرات التنظيمات الديمقراطية العلمانية، وبطلت شرعاً وعقلاً وواقعاً كل الدعاوي والنعرات الوطنية والجهوية والقبلية وبان سُوؤها، ونتنها وقذاراتها. ولم يبقَ إلا أن يُنجز الله وعده، وينصر جنده العاملين لإقامة دولة الإسلام الخلافة، فهي المنقذ الوحيد من هذا التخريب الذي ينفذه المستعمرون في بلادنا من سفك دماء وتطاير أشلاء ومما عم به البلاء.

فعلى الرجال والنساء العمل مع أبنائهم في حزب التحرير العاملين لإقامة دولة الإسلام العظيم، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها المخرج، فالتفريط فيها جرم كبير، والإثم على القعود عن إقامتها عظيم عظيم، قال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رواه مسلم، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. والبيعة شرعاً لا تكون إلا لخليفة المسلمين، فلا تكون لحاكم جمهورية ولا ديمقراطية.

ختاماً: إن الخلافة هي النظام السياسي الوحيد الذي يحقق العدل والاستقرار للإنسان على وجه الكرة الأرضية، فدولة الخلافة فريضة شرعية وضرورة دنيوية بل هي وعد الله تعالى وبشرى رسوله ﷺ؛ فهي نعم البشرى، فطوبى للعاملين لها، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. [النور: 55].

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

محمد جامع (أبو أيمن)

مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

السبت 2020/8/22م

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو