الإسراء والمعراج
April 06, 2019

الإسراء والمعراج

الإسراء والمعراج

قال الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]

سبحان الله تنزيها لله تبارك وتعالى وتعظيما لشأنه، فهو القادر على ما لا يقدر عليه أحد غيره، إنما أمره كن فيكون، سبحانه جل شأنه وتبارك اسمه، وهو الذي جلت قدرته أسرى بعبده محمد ﷺ، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ وحوله بلاد الشام، ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، ومن آياتنا هذا القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، إن الإسراء والمعراج معجزة بحد ذاته، لكن الإسلام لم يتحد به أحد، وحين ضج الكفار برسول الله ﷺ حين أخبرهم به ووصف لهم بيت المقدس وعِيرَهم وهي تحمل تجارتهم ومتى تصلهم.

ذهب الكفار إلى أبي بكر الصديق، لعله يتعجب كعجبهم ويواطئهم برأيهم فقالوا له: (هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، حيث قال: أوَقال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أوَتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة)، وخبر السماء القرآن الكريم معجزة رسول الله ﷺ، التي تحدى بها الله تبارك وتعالى جميع خلقه، من أول يوم بعث به رسول الله ﷺ إلى أن تقوم الساعة، فأين الذين يحتفلون بالإسراء والمعراج وهم يعطلون كتاب الله فلا يحكمون به، ولا ينزلون لحكم الله ولا يحلون حلاله ولا يحرمون حرامه؟! هؤلاء ينطبق عليهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: 30].

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء: 9-11]

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، في تنظيم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية التي أنزلها على رسوله ﷺ، ينظم علاقات الناس ببعضهم على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي ولا بالهوى، ولا تميل مع المودة والمصالح والقربى، يقيم حياة الناس على أساس لا إله إلا الله محمد رسول الله، على الأنظمة والقوانين والأعراف والأفكار والعادات، المنبثقة من العقيدة الإسلامية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والله أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلحهم، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والتجارة والقضاء والتعليم، وحتى في العلوم والزراعة، وقد عاش المسلمون لأكثر من عشرة قرون وهم قادة البشرية بغير منازع، ويشهد لهم الداني والقاصي، واتساع بلادهم وآثارهم وأثرهم في حياة البشرية.

﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾، فهذه هي قاعدته الأصيلة في العمل والجزاء، فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، وبهما معا تسير الحياة على التي هي أقوم، وبهما معا تتحقق الهداية بهذا القرآن، فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان الجاهل الذي لا يعلم ما ينفعه وما يضره، ولا يتبع رسول الله ﷺ، ويكون هواه تبعا لما جاء به رسول الله ﷺ،

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: 73-75]

لقد حاول مشركو قريش كل وسيلة، لثني رسول الله ﷺ عن الإسلام، ساوموه أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، وساوموه أن يجعلوه ملكا عليهم، ويجمعوا له مالاً ليصبح أكثرهم مالا، وساوموه أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، وغير ذلك من مغريات الدنيا، لكن فضل الله على رسوله ﷺ في تثبيته على الحق وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوه خليلا، وللقي عاقبة الركون إلى المشركين وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات دون أن يجد له نصيرا منهم يعصمه من الله.

هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله ﷺ، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات، محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلا - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها مقابل وعود، ومن يفتن بهذا الوعود عن دعوته، لأنه يرى الأمر هينا بسيطا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته، إنما يطلبون تعديلات طفيفة هنا وهناك، ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق ويدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها، ولو بالتنازل عن جانب منها، لكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهايتها، وصاحب الدعوة الذي يقبل التنازل في جزء منها ولو يسير، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتنازل يتزايد مع كل خطوة، والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي ينزل عن جزء منها، مهما كان صغيرا في عينه أو ضئيلاً، لا يمكن أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان، فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، ليس فيها ضروري ونافلة، وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه.

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء الذي يظن أنه بسيط لا قيمة له، فقدوا وضوح الرؤيا وفقدوا جديتهم وإخلاصهم، وعرف المتسلطون أن باب المساومات قد فتح، وتتبعه لا محالة تنازلات تفضي إلى التسليم، والانطواء تحت سقف السلطان الغاشم، والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هزيمة لا نصر بعده...

والتمكين والنصر لا يكون، إلا بإخلاص الطاعة والعمل لله ولرسوله ﷺ، باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبتنفيذ شرعه وتطبيقه، بتحليل حلاله وتحريم حرامه، حقا وصدقا لا قولا باللسان، قولا لا يتجاوز الشفاه، لذلك امتن الله على رسوله ﷺ، أن ثبته على ما أوحى الله إليه وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون إليهم - ولو قليلا - ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا وفقدان المعين والنصير...

الإسراء والمعراج دعوة للالتزام بطاعة الله والثبات على دعوته والعمل لتنفيذ شرعه وإقامة دينه باستئناف الحياة الإسلامية، وبإقامة الدولة الإسلامية على منهاج رسول الله ﷺ، التي تطبق شرع الله كما طبقه ونفذه رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، وما ذلك على الله ببعيد، والمطلوب من المسلمين الطاعة المطلقة لله ولرسوله ﷺ، والالتزام بدين الله بإخلاص العمل وصدق التوجه ونصرة دينه تبارك وتعالى. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون...

ربنا اغفر لنا إسرافنا في أمرنا وتولنا وتب علينا واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو