الجنسنة الرقمية: السبب المتجاهَل للعنف ضد المرأة
الجنسنة الرقمية: السبب المتجاهَل للعنف ضد المرأة

لقد أدّى نمط التفاعل الرقمي، الذي تتحكم فيه الشركات الرأسمالية والأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، إلى كسر جدار شرف البلاد الإسلامية، ودمّر الأجيال القادمة، وشوّه شرف النساء المسلمات. لا يقف العنف الجنسي ضد المرأة وحده فقط بسبب الثقافة الأبوية مثل السرد النسوي، بل تقوده عوامل متعددة الأبعاد، فقد أدّى التفاعل المنهجي بين الثقافة الليبرالية للحريّة الفردية وصناعة الإعلام الرأسمالي وهيمنة الشركات الرقمية ونشاط الجماعات النسوية إلى تسريع الجنسنة في البلاد الإسلامية ما أدّى إلى اندلاع العنف الجنسي ضد المرأة.

0:00 0:00
السرعة:
February 14, 2022

الجنسنة الرقمية: السبب المتجاهَل للعنف ضد المرأة

الجنسنة الرقمية: السبب المتجاهَل للعنف ضد المرأة

(مترجم)

لقد أدّى نمط التفاعل الرقمي، الذي تتحكم فيه الشركات الرأسمالية والأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، إلى كسر جدار شرف البلاد الإسلامية، ودمّر الأجيال القادمة، وشوّه شرف النساء المسلمات. لا يقف العنف الجنسي ضد المرأة وحده فقط بسبب الثقافة الأبوية مثل السرد النسوي، بل تقوده عوامل متعددة الأبعاد، فقد أدّى التفاعل المنهجي بين الثقافة الليبرالية للحريّة الفردية وصناعة الإعلام الرأسمالي وهيمنة الشركات الرقمية ونشاط الجماعات النسوية إلى تسريع الجنسنة في البلاد الإسلامية ما أدّى إلى اندلاع العنف الجنسي ضد المرأة.

سيركز هذا المقال على عرض كيف يتمتع الإسلام بالقدرة على تقديم رؤية بديلة لسياسات المعلومات الرقمية لتأمين شرف المرأة فضلاً عن توفير الاستقلال عن هيمنة الرأسمالية الرقمية.

تحتاج النساء إلى درع إعلامي قادر على كبح جماح الطابع الجنسي العام للبلاد الإسلامية، ولهذا السبب هناك حاجة إلى خطوات عدة حتّى يتمّ تشكيل هذا الدّرع للمرأة المسلمة والمجتمع في بلاد المسلمين بالطبع مأخوذة من وجهة نظر الشريعة الإسلامية وهي:

1- ضرورة الحفاظ على شرف الحياة الخاصة

في مجتمع مسلم سليم ومحترم، يجب احترام الحياة الخاصة وحمايتها من الانتهاك والتدخل العام. يحافظ الإسلام على الحياة الخاصة في المنزل من الدّخلاء غير المهذبين الذين يريدون التطفل، كما يحافظ الإسلام على عورات النساء المسلمات في غرفهنّ المنزلية التي تخضع للحراسة. وهو ما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث التالي: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» (رواه البخاري ومسلم).

ومع ذلك، ينتمي الفضاء الرقمي أو الفضاء الإلكتروني إلى فئة المناطق المفتوحة العامة، بما في ذلك وسائل التواصل مثل تويتر وفيسبوك وما شابه. يُعرف المجال العام أيضاً بمصطلحه الإسلامي باسم الحياة العامة وهو واقع التفاعل البشري في العلاقات المجتمعية بشكل عام، وخاصة في العلاقات بين الذكور والإناث. جعلت طبيعة الحياة البشرية الإنسان يعيش حياة عامة، حيث يعيش بين عدد من الأفراد في المجتمع، مثل القبيلة أو القرية أو المدينة.

تولي الشريعة اهتماماً جاداً للعلاقات الإنسانية القائمة على تقسيم واضح في العلاقات بين الرجل والمرأة. يفصل المنظور الإسلامي بوضوح العلاقة بين الاثنين في مجموعة قواعد محددة وواضحة للغاية. لذلك، في الإسلام تفاعل الرجال والنساء في الفضاء الإلكتروني صارم كما هو الحال في العالم الحقيقي.

وبالمثل، نظم الإسلام الحياة الخاصة، وفصلها عن المجال العام، حفاظاً على شرف الأسرة المسلمة وقدسيتها. قال الله تعالى في سورة النور الآية 31: ﴿وَقُلْ لِّلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوْجَهُنَّ وَلَا يُبْدِيْنَ زِيْنَتَهُنَّ اِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.

لذلك، لا يُسمح بنشر محتوى خاص بطبيعته إلى الفضاء الرقمي تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة النسوية باسم النضال من أجل حقوق المرأة، خاصة وأن القضية معروفة بأنها غير مناسبة للنشر على الجمهور. يتمّ حلّ العنف ضد المرأة من خلال المحاكم الخاصة، عندما يحدث ظلم منزلي.

يحظر تسييس قضايا المرأة الخاصة في الحياة العامة، حتى لو كان ذلك لأسباب تتعلق بكشف السلطات. تُظهر هذه الظاهرة في الواقع أيضاً ضعف سيادة القانون العلماني في ضمان الأمن للمرأة، بحيث تشعر النسويات بالحاجة إلى فضح وصمة عار الأسر المسلمة للجمهور من أجل تمرير أجندتها.

2- الحاجة الماسّة لرؤية سياسة إعلامية تحافظ على شرف المجتمع وسيادة الدولة

إن وجود الوعي الفردي والمجتمعي مهم للغاية، لكنه ليس كافياً. يجب أن يكون الوعي العام أيضاً مصحوباً بدور الدولة، من خلال تصفية المعلومات الفاسدة التي تعرض مبدأ الدولة للخطر. لا تترك الأمر لوسائل الإعلام الخاصة، ناهيك عن الشركات الأجنبية. وفي الإسلام، إنه لظلم كبير أن تترك الدّولة يدها وتسمح للمؤسسات الإعلامية بمواجهة الأمّة بمفردها دون حماية.

لن يسمح الاقتصاد السياسي للإسلام باحتكار عدد قليل من النخب للمعلومات، لذلك على الرغم من أن وجود وسائل الإعلام المحلية الخاصة مسموح به، إلاّ أنه لا يمكن أن يكون أكبر من سيادة الدولة، كما هو الحال اليوم. ونتيجة لذلك، ومن منظور سياسة الإعلام الإسلامية، فإن الدولة تعمل كالتالي:

1- درع يحمي الفكر الإسلامي من السخرية والسب والتشويه.

2- تصفية المعلومات من المعلومات غير المهمة أو حتى المدمرة.

3- توجيه المعلومات الإسلامية للعالم في الداخل والخارج: لوسائل الإعلام الضخمة للدولة الإسلامية وظيفة استراتيجية، وهي خدمة الفكر الإسلامي في الداخل والخارج. لذلك، فإن الوظيفة المناسبة للدولة هي الحفاظ على سيادة معلوماتها وبياناتها، من أجل تجنب هيمنة القوى الأجنبية كما هي اليوم. يجب ألا تعتمد الدولة على جوجل وجميع منصات التكنولوجيا الأجنبية الأخرى، وفي الوقت نفسه لن تسمح للمنصات الإعلامية التي تبث أفلام الفاحشة مثل نتفليكس في البلدان الإسلامية.

كما يجب على الدولة أن تتبنى استراتيجية إعلامية محددة في عرض الإسلام بعرض قوي لا يُنسى من المتوقع أن يكون قادراً على تحريك العقل البشري لتوجيه آرائه حول الإسلام ودراسة محتويات الإسلام والتفكير فيها. "في الداخل: لبناء مجتمع إسلامي قوي متماسك، وفي الخارج: لعرض الإسلام في السلم والحرب عرضاً يبين عظمة الإسلام وعدله وقوة جنده، ويبين فساد النظام الوضعي...". (من المادة 103 من مشروع دستور دولة الخلافة).

3- الحاجة لدرع المعلومات الرقمية للأمة

الأهم من ذلك كله أنه يجب أن يكون هناك مسلمون قادرون على إنشاء نظام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع ضمانات أمنية في الفضاء الرقمي بأعلى مستوى من الأمان، لحماية مصالح الإسلام، وشرف المرأة وأمن معطيات المجتمع المسلم ككل. إنّ الطريقة الصحيحة والصالحة لمواجهة تأثير شبكات المراقبة الرأسمالية هذه هي ما ستفعله دولة الخلافة عند قيامها، إن شاء الله:

أولاً: هندسة وتصنيع الشبكات والتطبيقات والبرمجيات بشكل مستقل بحيث لا تصبح الاتصالات الإلكترونية حكراً محصوراً على الشركات الأجنبية. لكنها مفتوحة للمسلمين بأدوات صنعها الناس أنفسهم حيث يتم توحيد نمط التفاعل الرقمي على الحلال والحرام، وليس فقط من أجل خوارزميات الأعمال مثل اليوم. يتم تسهيل تطوير كل هذه الأجهزة باستقلال تام وسيادة على السلطات الإسلامية.

ثانياً: استخدام كل هذه الوسائل التكنولوجية في سبيل الدعوة ولدعوة البشرية إلى الإسلام كرسالة رحمة للعالمين والتخلص من الرأسمالية التي تجعل الإنسان يعيش في البؤس والظلام.

ثالثاً: يجب أن تكون الخلافة ذات سيادة وخالية من أدوات المراقبة اليدوية والرقمية. وبالمثل، لا ينبغي للخلافة أن تتجسس على شعبها كما يفعل حكام المسلمين اليوم ضد الحركات الإسلامية أو نشطاء الدعوة، فمن الواضح أن حكمه حرام. علاوة على ذلك، إذا قامت شركة رقمية بمراقبة مستخدميها، حيث من المعروف أن هذه الشركة تابعة للكفار، فهذا ليس حراماً فحسب، بل حتى إنه ظلم بحيث يمكن تصنيفها على أنها استعمار رقمي لدول أجنبية للمسلمين. حرم الله تعالى أن يسيطر الكفار على المؤمنين، حيث قال: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً.

ونتيجة لذلك، فإن معاملة الخلافة لرعاياها لن تكون مثل الأنظمة الحالية التي تستخدم كل هذه الشبكات للتجسس على شعوبها، ولكنها في الوقت نفسه تسمح بإضفاء الطابع الجنسي على المجتمع لتأجيج العنف ضد المرأة الذي يشوه الشرف، من الجالية المسلمة بشكل جماعي. بدلاً من ذلك، ستعمل الخلافة كدرع رقمي للأمة وشرف المرأة المسلمة، وتحافظ على كرامة المجتمع الإسلامي، وتوحدهم مع نبل العقيدة الإسلامية، وتسريع الدعوة الإسلامية في جميع أنحاء العالم بسيادة كاملة ضمن تقنيتها المستقلة.

#أقيموا_الخلافة           #الخلافة_101            #ReturnTheKhilafah#YenidenHilafet

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو