December 13, 2010

الكارثة الإقتصادية التي حلت في الأرض ح2

خيرات الأرض ومقدراتها وأموالها ومجهودات الإنسان تُستبدل بورق ملون اسمه : الدولار

قلنا إخوتنا الكرام في الحلقة السابقة أن الحرب العالمية الثانية انتهت عام 1945 م . بظهور دول واندثار دول وغياب دول، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية في حلبة الصراع الدولي .

فقد دُمرت ألمانيا واليابان، وأُحرقت الصين وتهدمت الجزيرة البريطانية وروسيا، وجنازير الدبابات الألمانية حرثت كل فرنسا وجاست بها خراباً، ونهبت خيرات الشرق وثرواته لتأجيج نار الحرب، ولم تسلم إلا بلاد العم سام (أمريكا).


وكان لدخول أمريكا الحرب بشروط فرضوها على بريطانيا وفرنسا الأثر الكبير في تزعم أمريكا قيادة العالم وتسهيل دخولها إلى المستعمرات الأوروبية في آسيا وإفريقيا . فبدأت أمريكا طبع الدولار وإغداقه على دول الأرض وإقراضه للدول المحتاجة للمال المنهكة من الحروب وخاصة الأوروبية، فتبيع بالذهب وتشتري بالدولار وتُقرض بالدولار، والكل بحاجة لها وهي الوحيدة التي تملك المال وما هي إلا سنوات وإذ بالدولار عملة الأرض، وخاصة أنه أثناء الحرب العالمية الثانية كانت الدول المتحاربة تشتري كثيرا من العتاد ومن المواد الخام ومن المنتجات الزراعية والصناعية من أمريكا حيث الاستقرار والبعد عن الحرب، فهي تصنع وتزرع وتنتج والعالم يتحارب ويُدَمِر ويُدَمَّر، وهي في منأى عن كل ذلك ولا تقبل من الدول إلا ذهباً، فتقرضهم دولارات وتشتري منهم بالدولار وتبيعهم بالذهب الخالص لغاية تريدها .


وكانت اتفاقية ( بريتون وودز ) بين أمريكا والدول الأوروبية، وفيها تمكنت أمريكا من وضع الدولار ندّاً قوياً للذهب حيث تعهدت أمريكا بهذه الاتفاقية باستبدال الأونصة الذهبية بـ" 35 " دولاراً أمريكياً .


وإذا علمنا أن الأو نصة تساو ي (31.1 ) غراما من الذهب أي بما معناه أن الدولار الأمريكي يساوي غراماً من الذهب تقريبا، وفي هذه الاتفاقية التي وقعتها أوروبا رغماً عنها تسيّدت أمريكا اقتصاد الأرض، فألمانيا واليابان مستسلمات، وبريطانيا وفرنسا مدمرات والدولة الإسلامية أصبحت مزقا لا تقوى على فعل شيء، والاتحاد السوفييتي منشغل بالعمال وصراعهم مع أصحاب رؤوس الأموال، والصينيون أغلقوا أبواب سورهم العظيم عليهم، وشبه الجزيرة الهندية متخلفة من وطأة البسطار الانجليزي، وأمريكا اللاتينية غائبة عن الأرض، وإفريقيا كلها مستعمرات ممزقة وإقطاعيات لعصابات أو روبية .

ومن جراء بريتون وودز، التزمت أمريكا التزاماً حقيقياً باستبدال الذهب بالدولار التي طبعته، واستبدلت لمن جاء بالدولار قِطعاً من الذهب حقيقية، ولكن كانت النتيجة عكسية لهذه الاتفاقية .


فسحبت أمريكا ذهب الأرض، فكل ثلاث وريقات من فئة المائة دولار تساو ي سبيكة ذهبية، فالسبيكة تساو ي ثلاثمائة دولار لأن وزنها ثلاثمائة غراماً، وكل عشرة وريقات من فئة المائة دولار تشتري فيها كيلوغراما من الذهب . فهذه الاتفاقية المخادعة الماكرة التي قبلتها أوروبا إما رغما عنها وإما عجزاً منها أو غباءً فيها في ذلك الوقت أو لأنه لا يمكن لها إلا ذلك لحاجتها للمال المتوفر في الولايات المتحدة الأمريكية وهنا تحقق لأمريكا ما تريد، ( الدولار يعني الذهب ) ومن امتلك الدولار يعني أنه امتلك الذهب، وأمريكا تسحب الذهب وتطبع الدولارات .


بدأت أمريكا بتوريد المنتجات والصناعات الأمريكية وبها تسحب الذهب، ثم بعد ذلك تضخ الدولارات بالمليارات لكل أنحاء المعمورة، إلى أن أشبعت الدنيا بالورق الملون الذي تعهدت حقيقياً باستبداله بالذهب لمن أراد، وكان يتم ذلك ولكن بشكل محدود جداً، وكان يُلاحظ في تلك الفترة أن خزائن الدول والأفراد والبنوك أصبحت تُملأ دولارات ورقية بعد أن كانت تُملأ ذهباً، وحاو لت بريطانيا وقف ذلك ولكنها قد كُسرت مجاديفها وأوشكت على الغرق وحاو ل ديغول التخلص من هذه التبعية للأمريكان ولكنه فشل في ذلك، وباقي دول الأرض سائرة نحو الهاوية وهي لا تدري، وعندما بدأت الدول تتململ وتحاول أن تستفيق من سكرتها وأصبح الأمر لا يخفى على أي مدقق ومتتبع أن أمريكا قد سلبت الدول أموالها ومقدراتها وسحبت مخزوناتهم الذهبية وربطت عملاتهم بدولارها وسعرت نفطهم بدولارها واستحوذت في خزائنها على أكثر من ثلثي ذهب الأرض، حاو لت الدول استبدال الورق الملون (الدولارات) التي في حوزتهم، وقبلت أمريكا ذلك بعض الشيء وعندما أصبح الأمر خطيراً عليها وخاصة عندما كثُر استرجاع الذهب واستبداله بالورق الملون وخوفاً من الانهيار وفقدان المخزون الذهبي الذي لا يساو ي جزءاً بسيطا من ما طبَعته أمريكا من دولارات، باغت نيكسون كل دول الأرض في خطابه الشهير بتاريخ 15/7/1971 بإنهاء ربط الدولار بالذهب وإنهاء اتفاقية بريتون وودز ورفض استبدال الدولارات بالذهب مطلقاً وإلغاء الذهب كنقد أو عملة وإبقاؤه كسلعة تباع وتشترى كأي سلعة أخرى، ووقف تداو ل الذهب في الولايات المتحدة الأمريكية سواء بيعاً أو شراءً وسحبه من الأسواق، حتى الذهب الذي على شكل حلي وزينة، ووضعت أمريكا قيودا على حركة استيراد وتوريد ه .


وهنا تجرع العالم الخنجر المسموم الذي طعنه إياه سياسيو الولايات المتحدة الأمريكية، فكل مقدرات الأرض وجهود البشر وعملات الدول وبترولهم يُسعّر بالدولار ويُقايض بالدولار، الذي تطبعه أمريكيا بدون حسيب ولا رقيب.
فما هوى الحل ؟..... وما هو الخلاص .... وأين يكمن ...؟


أيها الإخوة الكرام :
إن الخلاص من هذا وإعادة التوازن للأرض، يكمن في ظهور دولة ذات اقتصاد قوي ومقدرات من مواد خام وأيدي عاملة وطاقة تستطيع بها بناء قاعدة اقتصادية متينة ثم تتبع خطوات جادة لإعادة الذهب والفضة ليكونا هما العملة والنقد العالمي للتخلص من الدولار، وهذا الأمر لا يكون إلا بقيام الدولة الإسلامية التي توحد الأمصار والبلاد وتضم كل أرجاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، فتلك القوى البشرية الهائلة وكل الثروات الزراعية والحيوانية وكذلك المعادن والثروات الكامنة في بلاد المسلمين وعناصر الطاقة من بترول وغاز ويورانيوم وفوسفور وعناصر مشعة وغيرها، ثم تفرض الذهب كأساس للتعامل والتقايض الداخلي والخارجي ثم تسير بخطوات هي:


1- وقف طبع النقود الورقية
2- إعادة النقود الذهبية وضربها وسكها من جديد
3- إعادة الذهب لما كان عليه من حرية البيع والشراء والتداول وإزالة كل الحواجز والقيود من أمامه في الاستيراد والتصدير
4- إزالة القيود عن تملك الذهب وحيازته وبيعه وشراؤه والتعامل به في العقود
5- جعل التنافس بين كل العملات الموجودة في الأرض حراً حتى تأخذ سعراً ثابتاً بالنسبة لبعضها وبالنسبة للذهب من غير تدخل الدول.


وهكذا فإن الذهب قادر على السيادة على كل العملات الورقية إذا رُفعت القيود، وهكذا فإن الدول الأخرى ستحذو حذونا في ذلك ويعود نظام الذهب للعالم مرة أخرى ويزول النظام النقدي الورقي .


وختاماً أسأل الله تعالى أن يكون ذلك على أيدينا وأن يعزنا بعز الإسلام وأن يستظلنا بظل الخلافة الراشدة ... آمين
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو مهند

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.