March 05, 2012

الخبر والتعليق بشار الأسد طاغية، فماذا بعده؟

عند خروجي من صلاة الجمعة من مسجد في توتينهام شمال لندن قابلت أحد الإخوة الذي أعرفه من سنين. وكان نقاشنا عن الأخبار الكثيرة التي وردت عن نظام الأسد الذي يقتل المتظاهرين في سوريا. كانت وجهة نظر الأخ هي أن "بشار الأسد طاغية لكن هل علينا أن نثور ضد نظام قد يأتي بعد سقوطه نظام أسوأ؟" وأن ما يحدث اليوم كله "لاستهداف إيران". وبعد أيام قليلة قابلت أخا آخر عرفته لعدة سنوات أيضا. مع إخلاص هذا الأخ إلا أن موقفه تجاه الثورة في سوريا كان غريبا جدا. حيث قد ذكّرني أولا أنه سني، لكنه في الوقت نفسه يدعم النظام الإيراني عن وعي وإدراك. وكانت حجته أن بشار الأسد هو طاغية والأصل أن يسقط ومباشرة. ولكن من قد سيأتي بعد بشار قد يكون أخلص في خدمته لمصالح الكيان الصهيوني. وأن الحكم الإسلامي والخلافة هي الحل للوضع في سوريا، لكن هذا في المستقبل البعيد وليس الآن. وأنه ضد الطائفية، وعلى المسلمين أن لا يتجاهلوا النظرة الشمولية حيث أن تحركات الغرب وتركيا والسعودية هي في الحقيقة تستهدف إيران.

فمن أين نبدأ في نقاش هذه الحجج؟ ولماذا يرى الأخ الأمور بهذا الشكل؟


هل هذه النظرة هي السائدة لدى عامة الناس في بريطانيا؟ لا، لا أعتقد ذلك. فمعظم المسلمين الذين قابلتهم يدعمون ثورة إخوتنا وأخواتنا في سوريا. والبعض أثير بسبب دعم النظام الإيراني لبشار الأسد، مما أدى لتأجيج المشاعر الطائفية. إنه بالطبع من الخطأ القول أن كل الشيعة مُمَثلون بالنظام الإيراني، أو أنهم يقفون مع السفاح في دمشق. ولكن البعض قد رأو المسألة على أساس طائفي، وهذا أيضا خطأ.


لقد طرحت هذه الأمور على صفحتي في الفيسبوك وسألت عن كيفية الإجابة على ما سبق. وقد وردت الكثير من الردود، ألخصها بالتالي:

هل ستسوء الأمور بعد سقوط الأسد؟


لن يكون هناك أسوأ من الطغاة الدكتاتوريين كمثل الأسد والقذافي ومبارك وغيرهم. أوليس كافيا ما يحدث اليوم، ونحن نرى أمهاتنا وأخواتنا وإخواننا وأطفالنا يقتلون؟ أفهل ننتظر حتى يقتل الجميع؟ إن كان المسلمون يقفون ضد الظلم اليوم، فلماذا نظن أنهم سيقبلون بالظلم غدا؟ إن العالم الإسلامي لن يعود أبدا كما كان، والناس الآن لن تقبل بحكام يظلمونهم، ونحن الآن، أمة مستعدة للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الحق. فعلينا أن لا نقلل من التغيير الحقيقي الذي حصل لعقلية الأمة والذي هو أساس الثورات في العالم العربي الآن: أن الأمة قد صحت من نومها الطويل وتؤمن أن الدكتاتوريين المجرمين لن يُوقفوا زحفها أبدا تجاه مستقبل مشرق يعم فيه العدل. فتخطي "حاجز الخوف" كان الخطوة الصحيحة في الطريق لإعادة إقامة الخلافة.

إننا مأمورون أن نقف ضد الحاكم الظالم


يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله". فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ على يد الظالم ومدح أولئك الذين يقومون على هذا الأمر. وهذا ما يفعله الناس الأبطال الآن في سوريا. فهنا لا نستطيع أن نحلل ونحسب المصلحة ونستخلص أن على المسلمين أن لا يثوروا لأنه قد يأتي من بعد هذا التغيير الأسوأ! فالله سبحانه وتعالى يعلم ما سيحصل غدا، وعملنا فقط هو إزالة طغاة اليوم وإبدالهم بالخلافة الإسلامية. فالحل لوقف الفتنة ومنع الطائفية من بعد سقوط طاغية الشام هو بتطبيق نظام الخلافة الإسلامية الذي يعطي الناس حقوقهم بغض النظر عن طائفتهم أو دينهم.

النصر بيد الله ينزله متى شاء، وما علينا إلا العمل بجد


إننا نؤمن أن النصر بيد الله سبحانه وتعالى وحده، ولذلك هو وحده الذي يستطيع أن يغير حالنا في أي وقت. أما واجبنا فهو أن نثبت في صراعنا ضد بشار الأسد وعصابته، ونثبت على ندائنا للخلافة الإسلامية كمخرج وحيد، ونثبت على اعتمادنا على الله وحده. فإن تأخر النصر، فهذا لا يبرر معصية الله سبحانه وتعالى بالدفاع عن أفعال بشار أو إيران. ولا يعني أن نلتجأ لغير ما أمرنا الإسلام به، كنداء البعض لقوى الغرب المستعمر أو الأمم المتحدة ليتدخلوا، مع العلم أن كلا منهم له أجندته الخاصة في أي تدخل في بلادنا. وأخيرا لا يعني أن نستيئس من قرب نصر الله.

الحكم على الأمور يجب أن يكون من منظور إسلامي، وليس من منظور الدولة القومية


لقد أدركت أن النقطة المحورية في نظرة الأخ الكريم هي الرغبة في تجنب حرب على إيران، حيث يراها حربا ضد بلد مسلم آخر كالحروب السابقة على العراق وأفغانستان. إن الإسلام من يقرر مع من نقف. وهنا نقف مع المظلومين في سوريا الذين ينتفضون بشجاعة ضد الطاغية الذي لا يحكم بشرع الله. فهذا هو الموقف الذي كان على إيران أن تتخده، وليس موقفا وطنيا لأجل مصلحة وطنية. ولذلك، كيف لنا أن نقف مع إيران التي تدعم نظام الأسد المجرم؟ إننا إن أصبحنا ننظر إلى الأحداث السياسية من زاوية غير إسلامية، فلا بد أن نقع في كل أنواع التناقضات كنظرة الأخ هذه لما يحدث في سوريا.

إضافة إلى ما سبق، من الخطأ أن نقول أن علينا أن نقف مع بشار "لأن سوريا جزء من دول الممانعة ضد الكيان الصهيوني". فبالرغم من أن الكيان الصهيوني قام بضرب سوريا مرات عدة بصواريخ، وبالرغم من احتلاله لمرتفعات الجولان، فما الذي فعله الأسد مهددا وبشكل مباشر الكيان الصهيوني؟ لقد رأينا أن باستطاعة الأسد أن يرسل دباباته إلى حمص وحماة، أفلا يكون قادرا على بعثها إلى الجولان؟

إن المؤمنين سائرون في انتفاضتهم، وقد جعلوها خالصة لله سبحانه وتعالى، فرفعوا اسمه ودعوه وحده. فعلى باقي المسلمين الآن أن يدعموا هذه الثورات المباركة، مؤمنين بالله متوكلين عليه، لينصرنا الله في إقامة الخلافة الإسلامية التي ستحقق العدل لكل الناس، وهذا بغض النظر متى سيتنزل نصر الله، وبغض النظر عن خطط القوى الغربية وعملائهم.

تاجي مصطفى
الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار