الخبر والتعليق   ثورة مصر حقيقية ولكن ينقص المخلصين والوعي التام والشجاعة السياسية الكاملة
November 27, 2011

الخبر والتعليق ثورة مصر حقيقية ولكن ينقص المخلصين والوعي التام والشجاعة السياسية الكاملة

الخبر :

في جمعة 18/11/2011 وفي الأيام التي تلت إلى أن وصلت إلى مليونية الثلاثاء في 22/11/2011 قام أهل مصر الثائرين على النظام الذي يقوده العسكر بمواصلة ثورتهم في ميدان التحرير وغيره من ميادين التحرير والتغيير في المدن الأخرى للاحتجاج على حكم العسكر ومطالبته بالرحيل حيث دعوا إلى إسقاط المشير قائد الجيش ومجلسه العسكري. فقام الجيش وقوات الأمن بقمعهم وقتل العشرات منهم وجرح المئات. حتى أن العنف الذي استخدمه حكم العسكر لقمع المحتجين شابه عنف لعهد حسني مبارك الساقط وعصابته مما يدل على أن الحكم العسكري هو امتداد للعهد الساقط. وقام المشير طنطاوي الذي طالبه الناس بالرحيل هو وحكمه ومجلسه العسكري بمحاولة تهدئة الناس بقوله أن الانتخابات ستجري في موعدها.


التعليق:

نريد أن نبرز الحقائق التالية الهامة في تعليقنا هذا:


1. الثورة التي تنبع من إحساس الشعب الصادق عما يعانيه وما يكابده بسبب الظلم المخيم عليه، وبرغبته الصادقة باستعادة كرامته وبالتغيير الحقيقي، فيقوم ويكسر حاجز الخوف ويقدم التضحيات، فثورته تعتبر ثورة طبيعية صادقة ولا تتوقف حتى تستقر على نظام يقبل به الشعب ويغير أوضاعه بصورة تامة أو جذرية. وليست كالثورات الاصطناعية التي توجدها دول كبرى كالثورات البرتقالية في أوكرانيا وجورجيا لإيصال شخصيات سياسية عميلة إلى الحكم تقوم بخداع الشعب وذلك بدغدغة مشاعره وتلبية بعض طلباته الآنية، وهي تكون تلك الشخصيات العميلة الانتهازية قد ركزت نفوذ تلك الدولة الكبرى الذي دعمتها على حساب الشعب. ومن ثـَم يلاحظ الشعب أنه قد خدع والأمر لا يتعدى سوى تغيير وجوه.


2. حاولت أمريكا أن تفعل مثل ذلك في مصر عندما اضطرت لإخراج عميلها الساقط حسني مبارك من الحكم وجعلت قادة المجلس العسكري وحكومتهم وهم عملاء لها وامتداد للحكم الساقط يعملون على خداع الشعب بأساليب شتى، وقد لاحظ الشعب ذلك وأدركه فقام بمواصلة ثورته ابتداء من هذه الجمعة وطالب بإسقاط حكم المجلس العسكري ورحيله عن المسرح السياسي وإسقاط الحكومة والإصرار على مطالبه، فيدل ذلك على أن الثورة نابعة من صميم الشعب وليست اصطناعية من قبل أمريكا أو غيرها من الدول الكبرى، فهي ثورة حقيقية مباركة نابعة من إحساس الشعب بضرورة التغيير.


3. دلت هذه الحركة من قبل أهلنا في مصر على مدى وعيهم؛ وأنهم يدركون أنه تجري عليهم مؤامرات لإجهاض الثورة والإتيان بنظام أسوأ من النظام البائد على شاكلة النظام في تركيا وفي الباكستان، حيث يلاحظون كيف تعمل أمريكا على صياغة مثل ذلك في مصر بحيث يتحكم العسكر في الحياة السياسية ويصبح المجلس العسكري الأعلى وصياً على الدستور وعلى الحكومة وعلى البرلمان ويضع مواد حاكمة على الدستور وعلى الحياة السياسية تضمن له التحكم في السياسيين وفي النظام، ومن ثـَم يقوم بالتحرك بانقلاب أبيض أو أحمر كما يحصل في تركيا والباكستان بأوامر الدول الاستعمارية الكبرى كلما ادّعى المجلس العسكري الأعلى أن هناك انتهاكاً للدستور أو تهديداً للجمهورية أو لمبادئها من علمانية وديمقراطية.


4. هناك في مصر بعض الذين يعرفون بأنهم إسلاميون ولديهم قاعدة شعبية لا بأس بها بمحاولة الاتفاق مع العسكر ومع الأمريكيين بعملية انتهازية خاطئة ظانيين بأنهم يحسنون صنعا ولكنهم لا يدرون أنهم يقدمون على عملية سياسية انتحارية. فلو كان لديهم الوعي السياسي التام والشجاعة السياسية الكاملة لما فعلوا ذلك ولأدركوا أن هذه فرصتهم لاستلام الحكم عن طريق الشعب وإقامة حكم الإسلام عندما يقودوا الشعب نحو ذلك ويجبروا العسكر على التنحي جانبا والعودة إلى ثكناته والعمل على جعله محكوما للقيادة السياسية لا أن يحكم القيادة السياسية.


5. إنه بمقدور المخلصين الذين لديهم قاعدة شعبية عريضة الذهاب إلى ميدان التحرير وغيره من الميادين في المدن الأخرى والقيام بالإعلان عن تشكيل حكومة لهم مخلصة تقود الشعب، ويبدأوا بتسيير أمور الشعب من هناك حتى يزحفوا إلى مؤسسات الدولة فيحرروها من براثن النظام الساقط ويبدأوا بعملهم الفعلي من هناك ويرغموا الجيش على الخروج من المدن والذهاب إلى الثغور مع يهود والاستعداد لتحرير أرض الإسلام من براثنهم، فيخضعوه لإرادتهم ويسيروه حسب أوامرهم. فإن الشعب بأغلبيته الساحقة سيؤيدهم لأن ذلك هو مطلبه، لا أن ينخدعوا بوعود العسكر وبوعود أمريكا بالانتخابات وأنهم سيحصلون على أغلبية في الانتخابات ومن ثم يقوموا بالتغيير بواسطة ذلك كما يتوهمون. بل إن ثورة الشعب المباركة هي فرصتهم الذهبية للتغيير الجذري حتى إذا ما أمسكوا بزمام الأمور واستلموا السلطة من الشعب وهو صاحبها الأصلي وأخضعوا الجيش لهذه السلطة وسلموها للمخلصين الواعيين أصحاب الإرادة الصادقة من أبنائه حتى يبدأوا بتطبيق الدستور الإسلامي فورا بإعلان خليفتهم ومبايعته على تطبيق القرآن والسنة وتطبيق الدستور الذي استمدت كافة مواده من هذين المصدرين الشريفين لا من تشريع بشري يشقي الانسان المصري المسلم الأبي زيادة على شقاوته بسبب تطبيق التشريعات البشرية المستوردة من الغرب منذ سيطرة الفرنسيين ومن بعدهم الانكليز وفيما بعد الأمريكيين منذ عهد عبد الناصر حتى اليوم على البلاد وإبعاد الحكم الإسلامي. وقد صاغ حزب التحرير دستورا إسلاميا حيث استنبط كافة مواده من القرآن والسنة وصاغه صياغة دستورية دقيقة وبين الأسباب الموجبة لكل مادة ورسم آليات التطبيق لها حتى أصبح جاهزا للتطبيق بكل أريحية ويسر ومن دون تعقيد ولا تناقض، وهو يعرضه على الناس في كل مكان. وإذا ما أقدم المخلصون على إقامة النظام الإسلامي فيكون الدستور حاضرا وجاهزا للتطبيق بوعي تام من دون تخبط.

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار