اللهمّ اجعل الآخرة همّنا
May 24, 2019

اللهمّ اجعل الآخرة همّنا

اللهمّ اجعل الآخرة همّنا

يعيش المسلم في هذه الحياة الدنيا بين أمواجها العاتية التي تتقاذفه بين مدّها وجزرها: بين الصحة والمرض، بين الضيق والفرج، بين الغنى والفقر، بين الانشغال والفراغ، بين المنشط والمكره...

وهو عليه في كل تلك الوضعيات والتقلبات أن يكون مدركا تمام الإدراك غايته في هذه الحياة والواجبات التي في عنقه حتّى يتسنّى له الوصول بسفينته إلى برّ الأمان، إلى مغفرة الله ورضوانه عند لقائه عزّ وجلّ.

إنّ المسلم الذي أخذت العقيدة الإسلامية بألباب عقله وقلبه ليعي جيّدا أن النجاة كل النجاة في إدراكه أنه ليس كغيره من بني البشر والعيش وفقا لذلك، فهو الذي اختصه الله بالهدى والنور العظيم، أمانة يحتضنها يعيش ليرعاها ويؤديها إلى أهلها ويكون شاهدا على ذلك.

إنّ إدراك المسلم أنّ دينه هو دين الحقّ والعدل والرحمة للعالم أجمع يدفعه دفعا ليعيش به مبدأً يستقي منه أفكاره ويبني عليه أفعاله فيسعى جاهدا لإيجاده في معترك الحياة؛ إذ إنّ المبادئ لا تطيق مطلقا أن تكون حبيسة النفس والذات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ﴾.

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره للآية: "إنه نداء للذين آمنوا، نداء لهم بصفتهم الجديدة، وهي صفتهم الفريدة، صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى، وولدوا ميلادا آخر. ولدت أرواحهم، وولدت تصوراتهم، وولدت مبادئهم وأهدافهم، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم.. أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل.. ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه: يا أيها الذين آمنوا فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى، وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى.. وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم تسبق التكليف الشاق الثقيل كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين... إنها أمانة القيام بالقسط.. بالقسط على إطلاقه، في كل حال وفي كل مجال، القسط الذي يمنع البغي والظلم - في الأرض - والذي يكفل العدل بين الناس - والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين..."

فالأمر عظيم والهدف راقٍ، وهمّة المسلم عليها أن تتناسب مع عظم الأمانة ومشقة الدرب طبعا.

كما قلنا سابقا قد يمرض المسلم وينشغل وتضيق به الحال وتتبدّل عليه الأحوال وقد يبسط الله له في الرزق وقد تكثر المشاغل وغير ذلك، ولكنّ حامل الإسلام النقيّ يتعثر في السير ولا ينقطع عن المسير، لا يمكن له أن يرضى أن تكون حياته كغيره من بني البشر حياة عادية رتيبة منغمسة في الدنيا وملذاتها، فهو الذي وعى أنّ الدار الآخرة هي الدار الباقية وأنّ عمله عمل الأنبياء، لا يمكن للمسلم أن يرتضي السير في هذه الحياة دون مخطط يوصله للغاية التي ينشدها ألا وهي رضوان الله، ودون إدراك الأعمال التي توصله لتلك الغاية والقيام بها وإلا فحياته ستكون عبثية لا تخول له النجاج في الاختبار.

حمل همّ العالم بأسره والسعي لإخراجه من جاهلية هذا القرن أمر لا مناص منه لزام للمسلم، وإلا انحشر في زاوية الأنا المقيتة التي تحبسه بين جدران الأنانية وحب الذات وهذا لا يرضي الله.

إنّ السبيل التي تمكنّ المسلم من التزود بالزاد الكافي الذي يؤمن حطّ رحاله بأمان من هذه الحياة القصيرة الفانية هي:

1- اكتسابه المفاهيم الصحيحة عن الحياة والمآل وتذكير نفسه بها عند تغيّر حاله والحالات التي يمّر بها.

2- جعل رضوان الله هو أسمى الغايات عنده، فلا تكون عنده غاية أخرى تزاحمها المرتبة والبذل فيشكل حياته ويكرسها لتحقيقها فيجعل كل أموره تصبّ في تلك الغاية، وبالتالي يزن أعماله بالحلال والحرام في كل آن ويعيش بحس متيقظ ينبهه حين الغفلة ويذكره بميزانه وبالعدّاد الذي يشتغل في عدّ ما اكتسب من حسنات وسيئات.

3- أن يجعل الآخرة همّه ويزهد في الدنيا، ولا نقصد بالزهد هنا التقشف والامتناع عمّا أحلّ الله بل عدم الركض وراء الأمور الدنيوية والانغماس في الركض خلفها بحيث تشغلنا وتثبطنا عن المهمة الأساسية إذ يقول النبي e: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ».

وعَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى». رواه أحمد وصححه المنذري والهيثمي والألباني.

4- تعهدّ النفسية بقراءة القرآن وكل ما من شأنه أن يجعل الصلة بالله حيّة قوية، فانقطاع ذلك الحبل لا تحمد عواقبه.

إنّ الفلاح كل الفلاح لمن عاش حياته مستمسكا بالعروة الوثقى عاضا بنواجذه على أوامر الله ونواهيه محددا الغاية ومدركا للطريقة والوسائل: وها هي نماذج مشرقة للصحابة والتابعين رضوان الله عليهم الذين قد تبوؤوا الدار والإيمان بفضل نجاحهم في حلّ المعادلة بطريقة صحيحة نذكرها لتكون لنا نبراسا وتذكرة.

فها هو الصحابي الجليل البراء بن مالك الذي كان يعيش لغاية هي "الله والجنةفلم يتخلف عن غزوة من الغزوات.. حرصا على الشهادة، جرح بضعة وثمانين جرحا في معركة اليمامة حتى ظل شهرا كاملا يشرف خالد بن الوليد قائد معركة اليمامة بنفسه على تمريضه. احترقت كفاه حتى بان العظم منها في حرب العراق، ورغم ذلك لم يثنه شيء عن مواصلة المسير حتى استجاب الله له وتحققت دعوته فاستشهد في الحرب ضد تحالف الأهواز والفرس على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن صرع وحده في بداية المعركة التي افتتحت بالمبارزة مائة مبارز من الفرس...!! فهنيئا له نوال مبتغاه

يقول الحسن البصري رحمه الله، يصف حال أخيار زمانه رضي الله عنهم: "أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ حَلَالَهَا، فَيَدَعُهَا، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي عَلَى مَا أَنَا مِنْ هَذِهِ، إِذَا صَارَتْ فِي يَدَيَّ"، كما في "الزهد" لابن المبارك (1/ 178)..

وعنه قَالَ: "وَاللَّهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً، وَصَحِبْتُ طَوَائِفَ مِنْهُمْ، مَا كَانُوا يَفْرَحُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَهِيَ كَانَتْ أَهْوَنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مِنَ هَذَا التُّرَابِ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَعِيشُ خَمْسِينَ سَنَةً لَمْ يُطْوَ لَهُ ثَوْبٌ قَطُّ، وَلَا نُصِبَ لَهُ قِدْرٌ، وَلَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئاً، وَلَا أَمَرَ فِي بَيْتِهِ بِصَنْعَةِ طَعَامٍ قَطُّ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ: فَقِيَامٌ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، يَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ، كَانُوا إِذَا عَمِلُوا الْحَسَنَةَ دَأَبُوا فِي شُكْرِهَا، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَإِذَا عَمِلُوا السَّيِّئَةَ أَحْزَنَتْهُمْ، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ".

بأمثال هؤلاء علينا الاقتداء وتعلم تقديم الآخرة على الدنيا وترك كثير من المباح خشية الوقوع فيما لا يرضي الله عنّا، فالفتن كثيرة في هذه الدنيا ولا يدري الواحد منّا مداخل الشيطان؛ فالأموال قد تفتن البعض والأولاد قد يشغلون البعض وغير ذلك، فلا بدّ أن نضع نصب أعيننا أن لا شي يقدّم على رضوان الله وتأدية رسالة الإسلام التي اؤتمنا عليها، يقول رسول الله e: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» رواه الترمذي (2328) وحسَّنه.

قال المباركفوري رحمه الله: (الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة.

(فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى، والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾. "تحفة الأحوذي" (6/511).

وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: «إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةُ مَجْبَنَةٌ»، فالولد قد يكون سبباً من أسباب حصول البخل وعدم الإنفاق في سبيل الله، وكذلك سبباً من أسباب الجبن والقعود، فهم محل لتحصيل البخل والجبن. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

فيجب على المسلم إذن أن يضع في أعلى سلم أولوياته الجنّة وما قرب لها من أقوال وأعمال، وأي عمل وقول أعظم من حمل الإسلام والعمل به والدعوة له، وأن يأخذ نصيبه من الدنيا الحلال دون انغماس ودون توغل... تلك مقاربة النجاة والفلاح.

فاللهمّ ثبتنا حتى الممات اللهمّ ثبتنا حتى الممات اللهمّ ثبتنا حتى الممات، اللهمّ لا تجعل الدنيا آخر همّنا ومبلغ علمنا وأعنّأ على طاعتك، اللهمّ استعملنا ولا تستبدلنا واجعلنا من عبادنا الصالحين، اللهمّ قوّ عزيمتنا واشحذ همّتنا، اللهمّ آتنا رشدنا وتوفّنا وأنت راض عنّا. اللهم آمين...

وآخر دعوانا الحمد لله ربّ العالمين

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هاجر اليعقوبي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو