علم الجهل!!
January 18, 2018

علم الجهل!!

علم الجهل!!

إن الجهل من الأخطار التي تخفي معالم مستقبل الحضارات والأمم، فهو أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، ولأن الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، لذلك إذا طلب العلم أكد عقيدته وإنسانيته، وإن ترك العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، فجاء الغرب وعمد إلى تخريب عقولنا وفقدنا هويتنا الإسلامية من خلال صناعة جديدة سموها "صناعة الجهل"، وطبعا ضمن مفاهيمهم أنها من "تطور العلم" على أن يتم تجهيل الناس وتسويقه بين شرائح مدروسة في المجتمع، وهو ما اجتهد به صانعو الجهل ولأجله عقد مؤتمر هنري كامبل - بانيرمان - والذي انعقد في لندن ودام سنتين كاملتين، وتم فيه رسم السياسة المتعلقة بالمنطقة العربية، قبيل انهيار الدولة العثمانية، وبهذا المؤتمر رسموا الخطوط العريضة لنشر الجهل بين الناس وتركيزهم على هذه الفئات المستهدفة لهذه السلعة الملعونة ومنهم:

1) الفقراء، وجلهم من الفئات الصغيرة طبقيا ودينيا.

2) المتدينون الذين يؤمنون بالقدرية، فهم مستسلمون للقدر الذي يظنون به أنه لا يتغير، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية تجهيل أكبر عدد ممكن من الناس.

3) المغفلون الذين يعملون في الحكومات، وعلى وجه الخصوص حكومات الدول الفقيرة، وبالتحديد فئة التكنوقراط (الفنيين) الذين يقدمون النصح والمشورة لمتخذي القرار في دولهم. فيتم تدريب هؤلاء على تمرير الجهل وتبريره تحت مسمى "النظرية والعلم والإمكانيات والموارد"، ويأتي في مقدمتهم المعنيون بالشأن السياسي والاقتصادي، إذ تنحصر مهامهم في بث روح اليأس في نفس صاحب القرار من إمكانية الإصلاح وممارسة الكذب على عامة الناس وترسيخها في أذهانهم على أنها حقائق لا بد أن يدافعوا عنها

وقد أخذ مفهوم التضليل والتجهيل من أحد أرشيفات كبرى شركات التبغ، حيث تبين أن أبرز استراتيجية لنشر الجهل، كان عن طريق إثارة التشكيك في البحوث العلمية التي تربط التدخين بالسرطان. لذلك تم إنشاء لوبي تحت رعاية أمريكية لرعاية أبحاث علمية مزيفة لنشر الجهل، ولهذا نجد أن الجهل لا يضادّ المعرفة فقط بل يصنع صناعة، فالجهل اليوم أصبح منتجاً وماركة عالمية مختلفة الألوان. وأهم وسائل التضليل الإعلامُ الذي دخل كل منزل ووسائل التواصل الإلكتروني بكل أشكالها والتي تعمل على التضليل والتشكيك بالثوابت حتى بوجود الله عز وجل وبآياته المحكمات.

فانقسم المجتمع إلى فئات؛ منهم أولئك الذين يركضون وراء الدين دون إدراك أو تفكير، وأصبح الدين عندهم عادة خرجت من طور التفكر إلى طور العبادة؛ فلا يفكرون في شيء، وأخطرهم الذين تركوا الحياة وتفرغوا للزهد والتعبد.

ومنهم من أنبهر بلمعان الثورة العلمية والتكنولوجية والتي أخرجتهم من إنسانيتهم واجتماعيتهم إلى مجرد آلة أو مستهلك. والنتائج كانت سلبية جدا على أنفسنا بجهلنا لعقيدتنا وحضارتنا وعراقتنا وتاريخنا الإسلامي الذي هو مليء بالانتصارات والفتوحات العظيمة، والدليل ما نراه في زماننا الآن من حروب وكوارث وصراعات مغلفة باسم الدين، هذه العولمة والحداثية اللعينة سلبت المسلمين هويتهم وعقيدتهم وثقافتهم؛ بحجة العلم والتقدم على زعمهم، وراح المسلمون يتهافتون وراء كل ما هو حداثي وجديد، ونسوا دينهم الذي علمهم قيمتهم، (روى الإمام مسلم رحمه الله عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» ...)

وبدأ علماء السلاطين يروجون لفتاوى تجعل المسلمين في جهل حتى نستسلم ولا ندافع عن ديننا ولكن ملأوا عقولنا بليّ النصوص واستخدام كلمة حق يراد بها باطل وإلزامنا بطاعة ولي الأمر وما هم بأولياء أمور، وجعلونا نظن بالله ظن السوء، وأن لا مكانة للإسلام إلا في المساجد ودور العبادة، فلا نصر لنا بعد الآن لأننا لا نملك القوة الكافية لمواجهة الأعداء فيكفي لنا أن نصلي وندعو الله على أن ينصرنا! وهذا منافٍ لديننا الذي علمنا أن نحسن الظن بالله وأن ننصره فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، حينما يعتقد الإنسان أن الله لن ينصر المسلمين، فهذا ظن سوء، وينطلق من جهل فاضح، أو أن الله تخلى عنهم، أو أن الله ينصر الكفار، أو أن الله لن يحاسب، وهذه الدنيا ليس بعدها شيء، من كان غنياً فهو في جنة، ومن كان فقيراً فهو في نار، من ظن أن الدنيا هي كل شيء فهذا من أشد أنواع الجهل ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

أما المسلمون في زمن الرسول ﷺ فرغم فقرهم كانوا أقوياء، وقفوا في وجه أقوى جبابرة الأرض بعقيدتهم وبفكرهم. فقيمة كل مسلم على قدر علمه وإيمانه بعقيدته، فلم يبق لدينا ثقة بأنفسنا فأصبحنا مضبوعين وراء أفكار الغرب في كل شيء، حتى صرنا نسبح في بحر الجهل. نعم أحياناً يكون مع الإنسان أعلى شهادة، لكنه لم يستنر بنور الله، ولم يهتدِ بهدي الله، فهو جاهل مع أنه متعلم، فالذي لا يعرف الله عز وجل، ولا يعرف سر وجوده، ولا غاية وجوده فهو في ظلمات الجهل، يقول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْيَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (رواه البخاري).

وها نحن أصبحنا نفخر بكل ما هو غربي، وننتقد كل ما هو لنا، وأصبحت شخصيتنا مهزوزة وهشة، أصبحنا فقراء فكريا وثقافيا. ونعتز بالقوة المالية والتي لا يصاحبها فكر وعقيدة راسخة فتودي بصاحبها إلى الذل والهوان.

أيها المسلمون:

إن الجهل ليس مجرد مشكلة فردية بل هو خطر ووباء يهدد المسلمين وعقيدتهم، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فيجب أن نعمل على نهضة عقولنا بالفكر المستنير، ونلازم من هم أكثر وعياً حتى لو كانوا فئة قليلة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

ليس هناك من صفة تزري بالإنسان كالجهل، والجاهل عدو نفسه، والحقيقة أن العدو الأول للمسلمين ليس الغرب ولا اليهود، بل العدو الأول هو جهلهم، لأنهم لو عرفوا الحقيقة؛ أنهم هم مصدر القوة وأن وعد النصر مرتبط بوجود تطبيق الشريعة، لنصرهم الله تعالى لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾.

فاتعظوا يا أصحاب العقول... لعلكم تعقلون!

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دارين الشنطي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو