المأساة الحقيقية هي النظر لمأساة دار المايقوما من الداخل  وترك المجتمع خارجها يزودها بالمآسي
November 07, 2020

المأساة الحقيقية هي النظر لمأساة دار المايقوما من الداخل وترك المجتمع خارجها يزودها بالمآسي

المأساة الحقيقية هي النظر لمأساة دار المايقوما من الداخل

وترك المجتمع خارجها يزودها بالمآسي

وصف النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، خلال زيارته اليوم إلى دار المايقوما لرعاية الأطفال فاقدي السند، وصف الوضع بالمأساة الحقيقية، ووقف على الأوضاع المتردية التي تعيشها الدار المتمثلة في سوء النظافة، وضعف الرعاية الصحية، بسبب نقص الكوادر الطبية، ونقص الأدوية، والإسهالات، بجانب مشاكل إدارية تتعلق بضعف مرتبات الأمهات وتأخرها، وأزمة في الخبز، وأعلن عن حل كافة الإشكالات المستعجلة بدار المايقوما، وتشكيل لجنة مستعجلة لدراسة مشاكل المايقوما وحلها حلا جذرياً، وشكت أمهات بالدار من تراكم الأوساخ لأكثر من شهرين، والإهمال الحكومي بعدم تنفيذ المطلوبات وإيجاد المعالجات الملحة. من جانبها قالت الدكتورة وصال علي أحمد مدير الشئون الصحية بدار المايقوما، إن الدار تضم نحو 350 طفلاً بمعدل 30 طفلا في الغرفة الواحدة، تتراوح أعمارهم من يوم إلى 11 سنة مشيرة إلى استلام الدار اليوم 3 أطفال أعمارهم أقل من يوم. وأضافت أن الدار تعاني من نقص في الكوادر العاملة واحتياجات الأطفال، وتراكم الأوساخ، وضعف مرتبات الأمهات العاملات. (سونا، 2020/10/31م).

دار المايقوما التي أُنشئت في العام 1961م تتلقى الدعم من الدولة ممثلة في مجلس رعاية الأمومة والطفولة، وتساهم فيها مجموعة من المنظمات، مثل أطباء بلا حدود، واليونيسيف، وأنا السودان... ويعيش في الدار الأطفال فترة زمنية ثم يحولون إلى قرية الأطفال، التي تم إنشاؤها في العام 1975م إثر الاتفاقية القطرية العالمية، التي عقدت مع حكومة السودان على إنشاء قرية للأطفال فاقدي السند. إن تاريخ إنشاء هذه الدور والدعم من المنظمات الدولية يبين أن المشكلة مستجدة ناتجة عن الأوضاع غير الطبيعية التي تمر بها مجتمعاتنا.

إن حل مشكلة سوء الرعاية داخل الدار لا يعدو كونه علاجاً عرضياً لمرض تزيده الأوضاع الاجتماعية المتحررة من القيود غير المنضبطة بشرع الله تعقيداً، ويروح ضحية ذلك عدد من الأطفال، فضلا عن أن وجود الدار لم يعالج جذور الأزمة، فهناك أعداد من الذين لا يصلون الدار، لأن أغلب الأطفال يموتون نتيجة تسمم الدم، وأغلب الأطفال الأحياء يعانون من استسقاء في الرأس وشلل دماغي، وعيوب خلقية، ناتجة عن محاولة إجهاض فاشلة، وتستقبل المشرحة عددا كبيرا من الأطفال الميتين كل سنة، لتعرضهم للقتل (الوأد)، ومنهم من كان وجبة للكلاب الضالة والقطط، فأين هي الدولة من هذه الأزمات؟! وما هي الحلول المطروحة لأطفال مصيرهم مجهول ينقلون إلى الدار أو الموت، وإذا وصلوا إلى الدار فإنهم منبوذون، ولا يتفاعلون مع المجتمع بشكل طبيعي، ولا يكون عندهم شعور بالانتماء، فلا يعرفون معنى العلاقات داخل الأسرة ولا يتلقون الرعاية الكافية، ويعيشون في عزلة، وهذا يمنع نموهم النفسي والعاطفي واللغوي، وكلما تعددت الأمهات البديلات لسبب أو لآخر زادت المعاناة! بالإضافة إلى أن وصمة العار التي تلاحقهم تجعل منهم شخصيات غير سوية في الغالب.

وليس مستغربا هذه الأوضاع المأساوية التي أشار إليها رئيس مجلس السيادة داخل دار المايقوما، كما أنه ليس غريبا التوصيف للحلول بالعقلية نفسها التي أوجدت المشاكل دون تجفيف المنابع التي تغذي الدار بالأطفال، وهذا ديدن النظام العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة، ويتبنى معالجات فاشلة سقيمة لا تعالج بل تبقي المشكلة قائمة. والحقيقة هي أن حكامنا هم المأساة لعدم تبنيهم حلولا حقيقية تعالج المشاكل، ولو سلمنا جدلاً أن مشاكل الرعاية والنظافة ستحلها اللجنة التي تكونت، فهل هذا أقصى ما يصبو إليه حكامنا؟! وماذا عن صناعة جيل صالح ومتوازن يقضي على فكرة وجود دور إيواء للأطفال فاقدي السند؟ بالتأكيد هذا ليس من أهداف منظومة الحكم الرأسمالي التي تحكم بها بلادنا والتي يصعب على طفل بين أبويه أن ينشأ تنشئة تبني شخصية إسلامية قويمة في ظل الأنظمة والأفكار العلمانية الفاسدة، وتبني التشريعات الدولية السقيمة من حقوق مرأة وحقوق طفل حتى أصبح المجتمع يتجه بقوة لمنظومة القيم الرأسمالية الغربية المتعفنة التي أفرزت دور فاقدي السند.

وحكامنا عودونا على علاج الأعراض وترك جذور المشاكل والمساعدة في استفحال الأزمات، فهل الوضع المأساوي في دار المايقوما يعالَج بتوفير أوضاع أفضل، أم ببتر المشكلة من جذورها؟ ألا يرى الحكام أنه في الغرب يتم توفير دور الرعاية على أعلى مستوى، لكن الطفل في النهاية ينقم وينحرف ويصبح عنيفاً وخطراً على الناس في سنوات مبكرة؟ لسبب بسيط هو أن الطفل ليس حيوانا يكتفي بالأكل والشرب مهما كان فاخراً، فهو يحتاج لدفء الأسرة، ولحنان وتوجيه الأم، ولسلطة الأب الذي يشعره بالاستقرار والأمان، وهذا ما لا يمكن للحكومة والمنظمات توفيره!

وفي تاريخ الإسلام الطويل لم توجد دور رعاية أطفال قط، بل كانت دور الرعاية ميزة تميز انحطاط حضارة الغرب، ويمكن أن نتبين ذلك من كتب الأدب التي تزخر بقصص الأيتام المحزنة وبشاعة الوضع في أوروبا وسوء المعاملة والاستغلال والانتهاك، وفي دار الرعاية، سواء في المرحلة الكنسية أو في مرحلة فصل الدين عن الدولة، وكل ذلك مرده إلى افتقار الفكر الغربي الرأسمالي لمفهوم المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة تجاه تطهير المجتمع وتحصينه من الروابط غير الشرعية، وعدم الوعي بمركزية وحصرية الأسرة كنواة وحاضنة طبيعية للطفل؛ ما جعل المجتمع جله من فاقدي السند في مجتمعاتهم. وأصبحت دور فاقدي السند من الأزمات الاجتماعية التي يبحث الغرب عن التخلص منها ولو مؤقتاً. فمثلا في الولايات المتحدة تقدم الدولة تشجيعا ومكافآت مالية ضخمة للعائلات حتى تستقبل الأطفال دون سند لمدة زمانية مؤقتة إلى حين أن يجدوا لهم والديْن بالتبني، حتى إن بعض العائلات الأمريكية احترفتها مهنة تصل إلى استقبال عشرات الأطفال مقابل الأموال التي يتلقونها، أي إن النظام العلماني الغربي قد حصد الويلات من منظومته العلمانية فأُجبر للعودة إلى نظام الأسرة وفضّل أن يبقي الطفل في كفالة عائلة وقتيا عوض انتظار التبني في مراكز الرعاية، ولكنهم تأخروا بعد أن أفسدوا الفطرة السوية وتركوا النظام الرباني بإطلاق القيم والحريات الليبرالية المتمثلة أساسا في العلاقات خارج الزواج ولكنهم لم ينسوا أن ينشروا أمراضهم الاجتماعية بتقنينها في اتفاقيات دولية مثل (سيداو) التي ستحول المجتمعات البشرية لمجتمعات غرائزية تنحدر لدرك الحيوانات، هذه الاتفاقيات التي قررت حكومة الفترة الانتقالية المصادقة عليها!

إن حكامنا يسارعون لمرضاة الغرب باتباع سننه وترك سنة النبي ﷺ مدبرين عن حلول الإسلام ومقبلين على حلول العلمانية الزائفة، فكل ما يقومون به من مصادقة على القوانين الدولية العلمانية وتقديم الحلول لمعالجة بيئة دور الرعاية هو إعانة وتشجيع للزناة على التمادي دون أي رادع يستأصل مشكلة الزنا وينظف المجتمع من تبعاتها، وهو اعتراف بالعلاقات خارج إطار الزواج، فالمجتمع مهيأ لارتكاب الفواحش بتفشي الظواهر الخليعة والتبرج بل التعري والاختلاط، وللبعد عن الإسلام وأحكامه، بحجة العصرنة والحداثة، ما يفتح الباب على مصراعيه للفساد الذي تضخه الهواتف والفضائيات، مع وجود العطالة المتفشية بين الشباب الذين أصبحوا بلا هدف وبلا قيم ولا مستقبل يشجعهم، وانتشار واسع للمسكرات والمخدرات في أوساط الشباب، ومنظمات غربية تعمل ضد الإسلام، تستهدفهم فتقنع الشباب والفتيات بأن ممارسة العلاقات حق لهم، وأن الزواج المبكر خطر على صحة الفتاة، بينما غضوا الطرف عن خطورة وضع الفتاة في أنظمة رأسمالية تجعلها فريسة لكل مفترس.

لن تجف منابع الأطفال فاقدي السند إلا إذا طبقت أحكام الله سبحانه في التدابير التي تمنع وجودهم في المجتمع؛ مثل منع التبرج وكذا الفصل بين الجنسين إلا لحاجة يقرها الشرع، ومعاقبة كل من انتهك حرمة لله، ففي هذه الحالة فقط نتخلص من دار المايقوما بأوضاعها المأساوية، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإن دولة الخلافة التي أظل زمانها ستحل القضايا حلاً جذريا بأحكام رب العالمين، فهلمَّ إلى إعادتها خلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو