علمنة التربية وسبيل النجاة
June 05, 2023

علمنة التربية وسبيل النجاة

علمنة التربية وسبيل النجاة

لا يخفى على أحد ما وصل إليه حال شبابنا اليوم جراء تدخل الأمم المعادية وتغلغل أفكارها المسمومة التي عملت جاهدة لسلخهم عن دينهم والقضاء على هويّتهم الإسلاميّة، فسهل عليها دمغجتهم بعد أن تمكنّت من إسقاط دولتهم وطمس حضارتهم وإضعاف فهمهم لدِينهم. ومن بين هذه الأفكار المشؤومة - مع أنّ كل ما جاء منهم مشؤوم - هو علمنة الأوساط التربويّة والتعليميّة من خلال إدراج مفاهيم ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب!

فالعلمانية تُدرَّس لأبنائنا ويروّج لها المسؤولون العملاء، على أنها تابعة للتطور والعلمنة وتساهم في ارتقاء الشعوب والالتحاق بركب سيدهم الغربي، في حين إنها ترجمةٌ للمصطلح الغربيّ السامّ "اللادينيّة" التي تعني بوضوح فصل الدين عن الحياة، أي إبعاد دينهم الإسلامي عن جميع أمور حياتهم؛ عن الدولة والمجتمع والقوانين والتشريعات وما يرتبط بها من التعليم والإعلام وسائر قطاعات الشأن العام، مع الرمي بآيات الله عرض الحائط!

قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ وقال: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾.

هذه بعض آيات الله الواضحة والصريحة، التي تنص على ضرورة التمسّك بديننا والعَمَل بما جاء فيه وتحكيمه في جميع مفاصل الحياة، وليس العكس!!

وإنَّ مناهج التعليم ووسائل الإعلام قامت أساساً منذ حقبة الاستعمار على محاولة تطبيع أبنائنا بالحرام واستمراء العيش به دون رقيب منذ الصِّغر! فـ"العلم في الصِّغَر كالنّقش على الحَجَر" كما في المثل العربي القديم، وبدل أن يكون ذلك بالإسلام، كان بالعلمانية، فأعادوا تشكيل ثقافة أبنائنا وصياغة شخصياتهم وفق الثقافة الغربيّة واقتداء بالشخصيّة الغربيّة.

يعني أنّ ما نراه اليوم من ضياع فكري وفراغ روحيّ في شبابنا، ومختلف مظاهر الفساد والإفساد؛ من إدراج أنواع المخدرات داخل المؤسسات التربوية وتفشّي ظاهرة العنف والكلام البذيء في البرامج الإعلامية الموجهة للأسر... كل ذلك وأكثر جرّاء الاحتكام إلى الاتفاقيات الدولية وقيام النظم والتشريعات على العلمانية وبالتالي إقصاء الكتاب والسنّة من دواليب حياة المسلم!

والسؤال هنا كيف لمسلم يعتنق عقيدة لا إله إلا الله أن يحتكم لغيره ويلتجئ إلى معالجات مشاكله ممّن لا يزال يتخبّط في دياجير ظلم نظامه ولم يجد حلولا لمشاكله بل وصدّر تعاسته إلينا؟!

كيف لنا أن نُعرِض عن ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾؟! وقد عالج الإسلام مشاكل الإنسان بوصفه إنسانا، صغيرا كان أم كبيرا، ذكراً كان أم أنثى، فوضع من أجله أحكاما شرعيّة تحميه وتحمي علاقته بالآخر. فاهتمّ بالأطفال ورعايتهم قبل أن يولدوا إلى أن يشبّوا بل إلى أن يشيبوا. وحماهم بآيات حكيمة جعلت لوالديهم حقوقاً عليهم حتى قبل أن يُولدوا، وحثّ على حسن رعايتهم والإحسان إليهم، كل ذلك قبل أن يوجب على الأبناء البرّ بآبائهم.

ففيما رواه الطبراني، قال رسول الله ﷺ: «وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ»، كما روي عن عمر رضي الله عنه أن رجلا جاء إليه بابنه، فقال: إن ابني هذا يعقني، فقال عمر رضي الله عنه للابن: "أما تخاف الله في عقوق والدك؟"، فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أما للابن على والده حق؟ قال: "نعم، حقه عليه أن يستنجب أمه، يعني لا يتزوج امرأة دنيئة لكيلا يكون للابن تعيير بها، وحسن اسمه ويعلمه الكتاب". فقال الابن: فوالله ما استنجب أمي، ولا حسن اسمي، سماني جُعْلا، ولا علمني من كتاب الله آية واحدة. فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الأب وقال: "تقول ابني يعقني! فقد عققته قبل أن يعقك".

فالتربية مسؤولية عظيمة على عاتق الآباء أوصت بها شريعة الرحمن وأكّدت عليها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. وقوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ». وقوله أيضا عليه الصلاة والسلام: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»، لأهميتها في ازدهار الأمم وحضارتها. فهي الطريق الموصلة إلى بناء العقول وتهذيب الأنفس وتنمية الحِسّ والرقيّ بالميول. والقرآن العظيم هو الذي أخرج لنا جيلا متماسكا وشبابا عظماء وقيادات فذّة، لم نسمع فيهم عن تذبذبات نفسية ولا اضطرابات سلوكيّة ولا خلل فكري... لما وصفه الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾.

للإسلام إذن طريقته في تربية الأطفال وتوعية اليافعين وتبصير الشباب. وقد جعلهم من الأولويّات فلم يتركهم لأنفسهم ولا لِتسلّط والديهم بل أحاطهم جميعا بسياج قويّ من الأحكام والآداب حتى يظلوا جميعا مصونين من عبث العابثين وخيانة الخائنين فينشؤوا جميعا نشأةً صالحة تقوم على تقوى الله سبحانه وتعالى، يتعاونون على طاعته ويتنافسون في ذلك.

وأهمّ ما في الشريعة أن المسؤولية لم تقع على الوالدين أو المربّين فقط، مثلما يحدث اليوم فتُشار أصابع التهم لتقصير الأم وخيانة الأب دون إدراك لمسبب الأزمات وصانع العبث! بل جعل أحكاما خاصّة بالدولة فأوجب عليها رعاية الأطفال والتدخل في تربيتهم وتوفير البيئة المناسبة للمحافظة عليهم، وبالتالي فإن للدولة مسؤولية في تربية الأطفال ضمن المفهوم الشامل للرعاية، فالرعاية هي العناية والاهتمام والحفظ وتولي الأمر وتدبيره وكل ما يندرج تحت ذلك!

ويكفي أن نسلط الضوء مثلا على مسألة تحديد سنّ الطفل، لندرك أهميّة دور الدولة وتشريعاتها في بناء شخصية الطفل. ففي النظام العلماني حُدِّد سنّ الطفل في اتفاقية ما يسمى "حقوق الطفل"، بالثامنة عشرة عاما، وإن كان بالغا عاقلا وراشدا قادرا على القيادة، في حين إن إسلامنا العظيم حدّد السنّ منذ الولادة حتى البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ وقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهذا يعني أنه حتى سِنّ البلوغ يُراعى في الطفل رفع التكاليف الشرعيّة عنه والاكتفاء بحُسن رعايته وإيجاده وسط بيئة طيبة لا تناقُض فيها بين بيته وخارجه!

إنّ مؤسستي التعليم والإعلام في التشريع الإسلامي وُضعتا لخدمة دين الأُمّة والمحافظة عليه، ومن بينها التربية... فحقّ الطفل في التعليم هو أن ينشأ على الإسلام ويُربّى على العقيدة ويتعلّم الأحكام الشرعيّة عِوض الخوض في اللغات الأجنبيّة وفي التعاليم المنعزلة عن الحَياة والمجرّدة من كل مقوّماته!

إن إيجاد الشخصية الإسلامية المتكاملة وبناء مفاهيم الطفل عن خالقه وبالتالي ترسيخ الوازع العَقَدي في نفوس الأبناء هو الذي يجعلهم مهيّئين لعبادة الله تعالى وتنفيذ شرعه، ومن ذلك البِرّ بالآباء والصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

وتسخير كل أجهزة الدولة للوقوف على صيانة مفهوم التربية وتكريسه في المجتمع هو من عمل الدولة أيضا، بل يُمنَع ويُعاقب صاحب الصلاحية إذا أخلّ أو امتنع أو دعا إلى ما يعكّر صفو الحياة الإسلامية وسلامة الأبناء. فالإعلام بشتّى وسائله يقوم أساساً على تهيئة الطفل ليكون عنصرا نافعا في بناء مجتمعه من خلال غرس العقيدة الإسلامية ونشرها وتزويد الطفل بالقيم والمثل العليا وإكسابه المعارف والمهارات المفيدة لمزيد تنمية قدراته فيساهم في بناء وتطوير دولته الإسلاميّة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وعلميا.

نكتب عن مفهوم التربية في الإسلام، وكلنا أسف وحسرة على حالنا اليوم، الذي يستوجب قلع النظم الفاسدة واستبدالها، لتتغير الرسالة التعليمية والتربويّة ونقتعد من جديد ذروة سنام المجد ونقود البشرية جمعاء بعلماء وقادة لم يبلغوا بعد سنّ الثامنة عشرة!!

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينب الدجبي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو