علّمني الإسلام أن أكون إنسانا
علّمني الإسلام أن أكون إنسانا

ميّز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته بالعقل. وكلّفه بناء على هذا التّمييز بالتدبّر والتّفكير وإعمال هذا العقل في الكون وما فيه للوصول إلى معرفته وعبادته وطاعته ﴿أفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾.

0:00 0:00
السرعة:
December 13, 2017

علّمني الإسلام أن أكون إنسانا

علّمني الإسلام أن أكون إنسانا

ميّز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته بالعقل. وكلّفه بناء على هذا التّمييز بالتدبّر والتّفكير وإعمال هذا العقل في الكون وما فيه للوصول إلى معرفته وعبادته وطاعته ﴿أفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾.

على الإنسان أن لا يفرّط فيما ميّزه الله به عن كلّ الكائنات الأخرى... عليه أن يستعمله حتّى يصل إلى معرفة ربّه ويعبده وحده لا شريك له يسلّم له ويهتدي بهديه حتّى لا يضلّ ولا يشقى... إذ إنّه بتخلّيه عن هذه الملكة يكون قد ترك العنان لنفسه وشهواته ورغباته يلبّيها بلا ضابط ولا رادع فينحدر إلى مرتبة "الأنعام" يعيش عيشتها يأكل وينام ويتكاثر ولا يختلف عنها، بل ربّما قاده تغييب عقله وتحكيم شرع خالقه إلى مرتبة أدنى من "البهائم والأنعام". لقد كرّم الله ابن آدم... كرّمه وجعله خليفته في الأرض... خلقه وسوّاه... وما خلقه إلّا ليعبده... ويكون الدّين كلّه لله لا يعبد في الأرض سواه. فأين الإنسان ممّا يجب أن يكون عليه؟!! هل أدّى الإنسان الأمانة التي أشفقت منها الجبال والسّماوات وأبيْنَ أن يحملنها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]؟ أين هو من التّكاليف الشرعيّة التي كتبها الله عليه، وهل طبّقها وسعى إلى أن تطبّق في بني جنسه حتّى يوفي هذه الأمانة حقّها؟

حين نرى أمّة الإسلام وما هي عليه من هوان... حين نرى الإنسان يمشي مكبّا على وجهه لا يدري أيّ سبيل يسلك ولا أيّ طريق يمشي... تائها تقوده حاجاته وغرائزه التي يلهث ليلا ونهارا ليلبّيها... يدور في رحى نظام فاسد يجعله أعمى البصيرة مغيّب العقل، لا همّ له سوى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح والمكاسب والعيش الرّغيد، غافلا عن هدفه في الحياة وعن الغاية من وجوده. حين نرى ما يحدث لهذا الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات ونرى جحوده ونكرانه لخالقه وإقصاء أحكامه من حياته نتيقّن أنّه قد تهاوى وانحدر إلى درجة أقلّ من المخلوقات الأخرى التي لم تجحد فضل ربّها؛ تشكره وتسبّح بحمده ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾.

لقد خلق الله الإنسان وأعلى شأنه ومكّنه ليكون سيّدا في الكون ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدلّ بهذه الآية الكريمة على أفضليّة جنس البشر على جنس الملائكة. عن عبد اللّه بن عمرو عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الملائكة قالت: يا ربّنا! أعطيت بني آدم الدّنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبّح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدّنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالحَ ذرية من خلقتُ بيديَّ كمن قلت له كن فكان» رواه الحافظ الطبراني. (تفسير ابن كثير)

خلق الله الإنسان وفضّله فوهب له عقلا يميّز به ويدرك به حقيقة وجوده والغاية منه، وحتّى لا تنتفي عليه هذه الصّفة "كونه إنسانا" عليه أن لا يقصي هذا الذي ميّزه الله به وأن يُعمِله للوصول إلى حلّ عقدته الكبرى: من أوجده؟ ولماذا؟ وما الغاية من وجوده؟ فإذا حلّها الحلّ الصحيح بنى حياته على ضوئها وجعلها قاعدته الفكريّة التي عليها تبنى كلّ أفكاره وبها يحدّد سلوكه وأعماله.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ قال السّدى يعني لا يبعث. وقال مجاهد والشّافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني لا يؤمر ولا ينهى. فـ"سدى" تحمل هذين المعنيين الأوّل أنّ الإنسان لا يترك في هذه الدّنيا مهملا لا يؤمر ولا ينهى، والمعنى الثاني هو أنّه لن يترك في قبره لا يبعث بل هو مأمور منهيّ في الدّنيا، محشور إلى الله في الدّار الآخرة…

وذكر سيّد قطب في الظّلال: "﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ فقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علّة لها، ولا هدف، ولا غاية… أرحام تدفع وقبور تبلع… وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب من متاع الحيوان… والذي يميز الإنسان عن الحيوان، هو شعوره باتصال الزمان والأحداث والغايات، وبوجود الهدف والغاية من وجوده الإنساني، ومن الوجود كله من حوله. وارتقاؤه في سلم الإنسانية يتبع نمو شعوره هذا وسعته، ودقة تصوره لوجود الناموس، وارتباط الأحداث والأشياء بهذا الناموس. فلا يعيش عمره لحظة لحظة، ولا حادثة حادثة، بل يرتبط هذا كله بإرادة عليا خالقة مدبرة، لا تخلق الناس عبثاً، ولا تتركهم سدى."

أجل! لم يُخلق الإنسان عبثا ولن يُترك سدى…! لن يكون الإنسان إنسانا وأفضل مخلوق - كما أراده الله - إلّا إذا عبد الله ولم يشرك بعبادته أحدا، يمشي في الأرض على خطا وهدي رسوله يعمل بأوامر الله وينتهي بنواهيه، يجدّ ويكدّ ويعمل جاهدا لنيل رضوانه والفوز بجنّته، فلا يرضى بغير أحكامه تسير عليه وتنظّم حياته وحياة كلّ "إنسان".

يعيش "الإنسان" اليوم في ظلّ نظام وضعه له "إنسان" ألغى عقله - الملكة العظيمة التي وهبها له خالقه ليعقل ويتدبّر ويهتدي بها إلى الحقّ - فتمرّد وألغى أحكام ربّه وأطلق العنان لنفسه وشهواته ورغباته ليصبح أسيرا لها. صار يمشي بلا هدى وبلا غاية تتقاذفه الأمواج ولا يعرف له برّ أمان وأنّى له بذلك وهو تائه ضائع غاب عنه عقله (مناط تكليفه وتمييزه و... "إنسانيّته"!)

بالإسلام - وحده - يكون الإنسان إنسانا؛ لا يقوم بعمل ولا يحقّق فعلا إلّا وهو يدرك غايته منه. يسير في هذه الدّنيا وهو يدرك معنى حياته ويعقل أنّه مكلّف وأنّه ليس كسائر المخلوقات الأخرى، مؤتمن وعليه أن يحافظ على الأمانة ويؤدّيها. عليه أن يعلم أنّ لخالقه الأمر وأنّ عليه أن لا يسمح وهو "العاقل" بأن يكون غير ذلك فيسير الكون على غير ما سنّه الله له فيختلّ نظامه و"ناموسه".

على الإنسان أن يوقن بأنّه لن يكون "إنسانا" إلّا بالإسلام وأحكامه وإن خالف ذلك فإنّه سيهوي في درك الحيوانيّة يشذّ في تلبية غرائزه وتوفير حاجاته يحيا مخالفا فطرته لتصبح معيشته ضنكا نكدا لا هناء فيها ولا راحة ولا طمأنينة. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾.

آمنت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد ﷺ نبيّا ورسولا... أشهد الله على ذلك وأشهده أنّ الإسلام - ووحده الإسلام - علّمني أن أكون إنسانا...

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التّحرير

أختكم: زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو