المرأة المطلَّقة بين رحمة الخلافة وظلم الأنظمة الجاهلية  ضمن حملة "الأسرة: التحديات والمعالجات الإسلامية"
المرأة المطلَّقة بين رحمة الخلافة وظلم الأنظمة الجاهلية  ضمن حملة "الأسرة: التحديات والمعالجات الإسلامية"

يحق لنا عند الحديث عن الزواج والطلاق بشكل خاص، وعن النظام الاجتماعي عامة، أن نرفع رؤوسنا نحن المسلمين عالياً حمداً لله على هذه المنَّة العظيمة. أحكام غرَّاء كرَّمتنا فوق تكريم الله لنا حين خلقنا، وصانت أنفسنا عن ربقة الانحطاط، وارتقت بنا إلى أعلى مكانة وأسمى قدر بما تحمله في طيَّاتها من تنظيم ورعاية وحماية وفضيلة. عجز أي مبدأ أن يخط ولو حكماً واحداً يماثل ما جاء به محمد ﷺ لأمته من هدي وهداية، كيف لا وهو المبعوث رحمة للعالمين؟

0:00 0:00
السرعة:
October 26, 2018

المرأة المطلَّقة بين رحمة الخلافة وظلم الأنظمة الجاهلية ضمن حملة "الأسرة: التحديات والمعالجات الإسلامية"

المرأة المطلَّقة بين رحمة الخلافة وظلم الأنظمة الجاهلية

ضمن حملة "الأسرة: التحديات والمعالجات الإسلامية"

يحق لنا عند الحديث عن الزواج والطلاق بشكل خاص، وعن النظام الاجتماعي عامة، أن نرفع رؤوسنا نحن المسلمين عالياً حمداً لله على هذه المنَّة العظيمة. أحكام غرَّاء كرَّمتنا فوق تكريم الله لنا حين خلقنا، وصانت أنفسنا عن ربقة الانحطاط، وارتقت بنا إلى أعلى مكانة وأسمى قدر بما تحمله في طيَّاتها من تنظيم ورعاية وحماية وفضيلة. عجز أي مبدأ أن يخط ولو حكماً واحداً يماثل ما جاء به محمد ﷺ لأمته من هدي وهداية، كيف لا وهو المبعوث رحمة للعالمين؟

لطالما كان موضوع الطلاق من المواضيع التي تثير التساؤلات بين المسلمين، رغم اختلاف المقاصد بين مشكك وجاهل يريد علماً بالحكم الشرعي. فالجمعيات النسوية ومراكز حقوق المرأة والمستشرقون وغيرهم طالما أثاروا تساؤلات عن الطلاق والمرأة وغمزوا ولمزوا قاصدين إظهار الإسلام بمظهر الظالم للمرأة. وقد غذَّى الإعلام هذه الأصوات وطرحها وسوَّق لها حتى بات بعض المسلمين حائراً في موقفه فلا هو يُنصف دينه ويسلِّم بالتهم المعدَّة، ولا هو يفهمه ويقدر على الردَّ على الناعقين.

هذه المقالة هي محاولة لتوضيح مظاهر الرعاية التي حفَّ الإسلام بها المرأةَ وهي في أصعب فترات حياتها: حيث تصدّع المنزل وانهيار الزواج الذي هو في الأصل مودة وسكينة. فإنه لا يُستغرب أن تحظى المرأة - في ظل أي مبدأ - بالرعاية وهي في رفاه من العيش واطمئنان، فذلك الأمر الطبيعي. لكن التفوق في التشريع يظهر في أوقاتٍ تعاني فيها المرأة من الظلم وفقدان السكينة، وهذا ما تميز به الإسلام إذ رعى المرأة في زواجها وفي طلاقها وحفظ كرامتها في كل حالاتها.

إن المأساة في الأمر لا تقتصر على الأعداد الضخمة والمتزايدة لحالات الطلاق في العالم الإسلامي حيث وصلت على سبيل المثال لمليون حالة سنوياً في مصر حسب إحصاء 2015؛ بل تتعداها إلى معاناة المطلّقة من الأنظمة الوضعية من جهة، ومن الموروثات المجتمعية الظالمة التي تنظر للمرأة في أحيان كثيرة نظرة خاطئة فتظلمها وتحمّلها خطأ زواج فاشل، والأدهى والأمر أن بعض هذه الموروثات تُنسب للإسلام زوراً وبهتاناً، مِمَّا أوقع المرأة بين شقَّي الرحى، وأنتج ملايين النساء اللاتي يعانين هن وأطفالهن، ونتج عنه تفكك في الأسر ودمار في العلاقات الاجتماعية.

هذا رغم ما تتبناه الأنظمة والمعاهدات الدولية من قرارات عن المساواة وإعطاء المرأة حقوقها. فمؤتمرات السكان والتنمية في مقرراتها طالبت بمساواة المرأة بالرجل في إنهاء العلاقة الزوجية، وقبلها نصت اتفاقية سيداو في المادة (16) على أن "تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة: (ج) نفس الحقوق والمسئوليات أثناء الزواج وعند فسخه" وتلزم هذه الاتفاقية وهذا النص كافة الدول الموقعة على هذه الاتفاقية تعديل تشريعاتها بما يتوافق مع مقررات هذه الاتفاقية.

فالمرأة المطلَّقة في العالم الإسلامي الآن تعاني كغيرها من النساء الفقر والعوز، وغياب الرعاية الصحيحة من الدولة، إضافة للنظرات المصوَّبة تجاهها كالسهام والتي تحمّلها ما لا ذنب لها به. تُحرم من حقِّها في حياة طبيعية فتصبح حديثاً للتسلية بين الناس، وقد تُمنع من أطفالها، أو من الزواج مرة أخرى. هذا ناهيك عما تعانيه بعض المطلقات نتيجة امتناع الزوج عن دفع النفقة، أو في بعض الأحيان يرفض الزوج إيقاع الطلاق لتبقى المرأة كالمعلَّقة غافلاً عن أمر الله له بالتقوى ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

"حين جاء الإسلام بالتكاليف الشرعية التي كلف بها المرأة والرجل، وحين بيّن الأحكام الشرعية التي تعالج أفعال كل منهما، لم ينظر إلى مسألة المساواة أو المفاضلة بينهما أية نظرة، ولم يراعها أية مراعاة. وإنما نظر إلى أن هناك مشكلة معينة تحتاج إلى علاج، فعالجها باعتبارها مشكلة معينة بغضّ النظر عن كونها مشكلة لامرأة أو مشكلة لرجل. إن واقع الزواج يدل على أنه وجد من أجل تكوين الأسرة، وتوفير الهناء لهذه الأسرة. فإذا حدث في هذه الحياة الزوجية ما يهدد هذا الهناء، ووصل الحال إلى حد تتعذر فيه الحياة الزوجية فلا بد أن تكون هنالك طريقة يستعملها الزوجان للانفكاك من بعضهما. ولا يجوز أن يرغما على بقاء هذه الرابطة على كره منهما، أو من أحدهما. وقد شرع الله الطلاق. قال تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] حتى لا يظل الشقاء في البيت، وحتى تظل الهناءة الزوجية قائمة بين الناس. فإن تعذر قيامها بين اثنين لعدم توافق طباعهما، أو لأنه طرأ ما أفسد عليهما حياتهما كان لهما أن يعطيا فرصة ليعمل كل منهما على إيجاد الهناءة الزوجية مع آخر." [من النظام الاجتماعي في الإسلام]

رفع الإسلام قدر المرأة حتى في حال كراهية زوجها لها فلم يجعل النفور سبباً للطلاق، بل أمر الزوجين بالعشرة بالمعروف، وحث على تحمل الكراهة فلعل فيها خيراً. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. وحرَّم على الرجل عضل زوجته التي تكره الحياة معه، ومنعها الطلاق عناداً أو خوفاً على المهر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ولا تعضلوهن" يقول ولا تقهروهن "لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به [تفسير ابن كثير]. وجعل على الزوج واجب الإنفاق على هذه المطلقة وإسكانها طوال مدة العدة، ومنع الزوج من إخراج معتدته حتى تستوفي عدتها. ولها أن ترضع طفلهما مقابل أجر عليه دفعه لها، يقول سبحانه: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَ﴾. ولها أن تعود له قبل الطلقة الثالثة ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾، كما يحلُّ لها أن تتزوج غيره ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾.

هذه الأحكام وهذه الرَّحمة فقدتها المرأة بفقدانها الدولة التي ترعى جميع شؤونها من ولادتها لمماتها؛ فلا خلافة ترعى المرأة وتطبق أحكام الإسلام فتنصفها مما هي فيه من قهر وتهميش وتضييع للحقوق والأمانات، فحال المرأة المسلمة شقاء في شقاء ولن تنعم بالأمان والرعاية إلا في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تطبق هذه الأحكام بشكل عملي مفصل.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أختكم بيان جمال

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو