المرأة التونسية والمتغيرات، هل هكذا يكون التغيير؟
March 15, 2011

المرأة التونسية والمتغيرات، هل هكذا يكون التغيير؟

الخبر:

ورد في عدة دراسات حول الحركة النسوية في تونس أن للمرأة التونسية حضوراً لافتاً في الحياة العامة، إذ تبلغ نسبة النساء من القوى العاملة 26%، ومن الطلاب 50 %، ومن القضاة 29%، ومن الدبلوماسيين 24%. والحضور النسائي في البرلمان التونسي واضح فهو الأكبر بين برلمانات الدول المجاورة.


التعليق:

حيث إن المرأة تلعب دوراً مهما، عمل أعداء الإسلام على إبعادها عن أي شيء يمكن أن ينير بصيرتها لما يضمنه لها الإسلام من عزة وكرامة وخير، وقد حاولوا ذلك لسنوات عديدة وبشتى الوسائل والقوانين، وجهدوا على إظهار الإسلام على أنه دين رجعي متخلف من العصور الوسطى! وصوَّروا المرأة كأنها مكبوتة وممتهنة وأن الرجل يسيطر عليها سلباً ويخضعها لخدمته بشكل عبودي! وساعدهم الإعلام في ذلك إلى أبعد مدى.


ففي غمرة الأحداث الأخيرة في تونس كان من أول الصور التي انتشرت في العالم صورة لفتاة ترتدي لباساً عصريًّا تحمل لافتة تنادي برحيل بن علي. هذه الصورة تصدرت كبريات الصحف العالمية وتناقلتها تلفزيونات العالم على أنها صورة المرأة التونسية الحقيقية التي تنادي بالثورة على الظلم.


وبدعوة من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية شاركت مئات من النساء الجامعيات والممثلات والمحاميات والناشطات الحقوقيات في تظاهرة من أجل "المواطنة والمساواة". وقالت كل من المحامية أمل بالطيب والجامعية صباح محمودي "نحن هنا لنؤكد على الحقوق المكتسبة للمرأة ولتجنب أي عودة إلى الوراء، ولنقول إننا لسنا على استعداد للمساومة على حريتنا مع الإسلاميين". كما قالت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات سناء بن عاشور "نحن لا نخشى الإسلاميين لأننا نملك قدرة استثنائية تمكنت من إسقاط الاستبداد، ولن نقبل الخروج من استبداد لنقع في استبداد آخر".


وتعليقا على هذا نقول: هل هذا ما تريده المرأة التونسية حقا بعد الإطاحة بالطاغية زين العابدين بن علي؟! هل تريد المحافظة على ما أسمينه المكاسب التي حققنها والمساواة التامة مع الرجل بموجب قانون الأحوال الشخصية المخالف لتعاليم الشريعة والذي يمنع أيضا تعدد الزوجات، وينظر للحجاب على أنه رمز للانغلاق والرجعية والتمييز ضد المرأة؟!


هل هذه هي فعلاً صورة المرأة التونسية الحقيقية في تونس الخير؟ أم إن الإعلام الذي يسيطر عليه الغرب هو الذي يصور الوضع هكذا كما يصور الإسلام على أنه دين متخلف ينظر للمرأة على أنها مخلوق دونيّ يخضع فقط لرغبات الرجل بحيث تطالب المرأة بتحريرها منه قبل أن يطبَّق عليها؟!


إن هذا الإعلام المأجور لم ينقل لنا مظاهرات النساء المسلمات العفيفات اللواتي طالبن بالسماح لهن بلبس الحجاب في أيام الطاغية السابق، ولم يُظهر العذاب والحرمان من أبسط الحقوق في التعليم، والتمييز والتضييق الذي مارسوه عليهن لمنعهن من لبس الحجاب، أيضا لم يسلط الضوء على ما تعيشه المرأة في تونس من مشاكل وأزمات نتيجة المكاسب التي يُدَّعَى أنها لصالحها من ارتفاع نسبة العنوسة وتعدد الخليلات وارتفاع نسب الطلاق. وكذلك بعد الثورة كان اندفاع النساء بشكل لافت للنظر إلى العودة لتعاليم الإسلام والتقيد باللباس الإسلامي وكان هذا أيضاً من الأخبار التي غيّبت في الإعلام.


لا يجب أن ننخدع بما تقوله الحكومة الجديدة وبما فعلوه من السماح ببعض المظاهر الدينية كالأذان ولبس الحجاب الذي كان ممنوعاً لعقود عديدة. إذ ها هي الحكومة التونسية المؤقتة الثانية قد سارعت إلى الإعلان عن مصادقتها على عدد من القوانين خاصة ما تعلق بحقوق الإنسان وحقوق النساء مثل (منع تعدد الزوجات والمساواة في الإرث)، كما تمت المصادقة على الاتفاقية الدولية للمنظمة العالمية للشغل والمتعلقة بالعمل الليلي للنساء في أبريل 1957. وأكد وزير الشؤون الدينية في الحكومة التونسية المؤقتة العروسي الميزوري أن ارتداء التونسيات للحجاب شأن شخصي ويندرج في إطار الحرية الفردية. أي هو ليس حكماً شرعياً من الله يجب التقيد به بل يخضع للحريات التي ينادي بها النظام الرأسمالي العلماني. وها هي الداخلية استنادا لمقتضيات الأمر رقم 717 لسنة 1993، المؤرّخ في 13-4-1993 تمنع إصدار بطاقات التعريف بصور المحجبات.


فماذا ننتظر بعد؟
لا تقولوا الآن أخذنا حريتنا من الظلم بزوال بن علي، ولا تتوقعوا أن تجد النساء الخير والراحة في ظل حكومات علمانية ديمقراطية تخضع لتحكيم شرع البشر لا لشرع رب البشر، إن الظلم سيبقى موجوداً طالما بقيت الحكومات التابعة للغرب والرأسمالية والعلمانية ولو تغيرت الوجوه ، فالمشكلة تكمن في القوانين والأنظمة التي تطبق والتي جعلت المرأة تعيش ممتهنة الكرامة عرضة للابتذال، تُعامَل معاملة السلع، بل إنها تستخدم أحيانا لترويج السلع، على حساب كرامتها وإنسانيتها. وما يدَّعونه في قوانينهم الوضعية عن أحكام الإسلام بأنه تمييز ضد المرأة وهضم لحقوقها إنما هو قمة تكريمها، فالإسلام اعتبر المرأة جوهرة ثمينة وليست سلعة رخيصة، وملكة متوجة معززة ومكرمة، ليس عليها شقاء وتعب السعي في الرزق بل هو واجب على الرجل وحقها عليه. ولها أن تعمل إن شاءت ذلك، فكل ما شرعه رب العباد هو تكريم لها وما يشرعونه لها هو الإذلال والمهانة بعينها.

إن الحل الجذري لكل المشاكل بما فيها وضع المرأة لا يكون إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. دولة الإسلام القوية العزيزة التي تضمن حقوق الجميع وتحرر بلاد المسلمين من ربقة الاستعمار بكل أشكاله وصوره، وتعيد للمرأة كرامتها وعزتها ودورها الحقيقي.

القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار