المسلم: اختاره الله ليكون شهيداً على الناس
المسلم: اختاره الله ليكون شهيداً على الناس

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.

0:00 0:00
السرعة:
May 21, 2019

المسلم: اختاره الله ليكون شهيداً على الناس

المسلم: اختاره الله ليكون شهيداً على الناس

(مترجم)


قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.


يقول ابن كثير، العالم المسلم العظيم، في تفسيره لهذه الآية، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ "يعني يا أمة الإسلام، لقد اختارك الله واصطفاك على جميع الأمم الأخرى، وقد فضلك وباركك وأكرمك بأنبل المرسلين وأنبل شريعة... ثم ذكر بركاته لهذه الأمة، حيث ذكرها وأثنى عليها منذ زمن طويل في كتب الأنبياء التي كانت تروى على الأحبار والرهبان". لقد منح الله سبحانه وتعالى هذه الأمة شرفاً عظيماً ومكانةً عاليةً. ولكن هذه المكانة العالية وهذه البركات الوفيرة من ربنا سبحانه وتعالى ترتبط بمسؤولية كبيرة ذكرها الله سبحانه وتعالى أيضاً في الآية أعلاه - أن نكون ﴿شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾. هذا الدور المهم للمسلمين مذكور في سورة البقرة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.


يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أن ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ تعني الأمة الأكرم والأشرف، موضحاً أن السبب في ذلك هو: أولاً، هذه الأمة ستشهد في يوم القيامة لجميع أمم العالم الأخرى - الماضية، الحاضرة والمستقبلة - أن الأنبياء نقلوا رسالة الله سبحانه وتعالى للبشرية. وثانياً، لأنه كلف المسلمين بتشريع كامل، أفضل منهج وأوضح مذهب (منهجية) في القرآن والسنة النبوية.


لذا، عهد الله سبحانه وتعالى إلى الأمة المسلمة بدين الإسلام، كشهود على البشرية، لنقلها للبشرية. عن طريق إيصال الإسلام للناس، لا يعني ببساطة إيصاله كإيمان لمن حولنا، أو ببساطة تشكيل مجموعات ومنظمات لنقل الدعوة إلى الإسلام لغير المسلمين في المجتمعات. بل يعني ذلك، لزوم حمل الدعوة بتثبيت الإسلام في السلطة وجعله المهيمن على موقع القيادة في هذا العالم، بحيث يصبح معيار الصواب والخطأ للبشرية، والأساس الذي تنظم به شؤونها في جميع مجالات الحياة، والوسيلة التي تُدار بها العدالة لأمم العالم - بحيث يتم انتشال البشرية من ظلام القوانين والأنظمة التي من صنع الإنسان إلى نور أحكام ونظام رب العالمين سبحانه وتعالى. يتطلب هذا دولة تنفذ التشريع الإسلامي الكامل الذي عهد به الله إلى هذه الأمة، وتستخدم كل الأدوات والوسائل لنقل دين الحق للإنسانية. لقد رأينا على سبيل المثال كيف انتشر الإسلام إلى أراض بعيدة مثل الهند وإسبانيا خلال بضعة عقود من تأسيس النبي e لأول دولة إسلامية في المدينة المنورة، وبذلك أصبحت دول بأكملها تحت طيات حكمه.


لذلك تؤكد الآيات أعلاه أن الأمة المسلمة قد اختيرت لدور قيادة البشرية، وأنه ينبغي لها أن تحتل مكانة مركزية في هذا العالم لأنه تم تكليفها بدور كبير في تطور البشرية على أساس دين الإسلام. في الحقيقة، لقد أنشأ الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية لهذا الغرض وبهدف حمل الإسلام للبشرية، كما يقول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾.


لذلك، فيوم القيامة - عندما نقف أمام الله سبحانه وتعالى، سنحتاج إلى تقديم إثبات له سبحانه وتعالى على أننا بذلنا قصارى جهدنا في الأقوال والأفعال - للوفاء بهذا الدور الحيوي وبهذا الواجب الذي أوجبه سبحانه علينا كمسلمين - وهو جعل قيادة البشرية للإسلام. وهذا يعني العمل على إعادة إقامة الدولة التي يحكمها الإسلام وحده - الخلافة على منهاج النبوة. هذه المهمة لإقامة حكم الإسلام ونقل دين الإسلام للبشرية من خلاله هي إرث نبينا الحبيب e وكانت مهمته الرئيسية في الحياة، التي سلمها الله سبحانه وتعالى لنا باعتبارنا أمته وهي واجبة علينا باعتبارنا حملةً لدينه. في الواقع، في الآيات المذكورة أعلاه، ينقل الله سبحانه وتعالى إلى كل مسلم - رجل وامرأة - أنه من بين المخلوقات اختارنا الله سبحانه وتعالى، ليس فقط لنكون مسلمين ونحمل الإسلام، ولكن لنكون من بين أولئك الذين كلفهم الله سبحانه وتعالى بهذا الواجب الحيوي؛ السعي في قضيته، وحمل هذه المهمة.


وبالتالي فهذا يعني تحمل هذه المسؤولية وعدم تركها للآخرين، حيث تم اختيار كل واحد منا كمسلمين لهذه المهمة. كما ويعني أيضاً تقدير الفرصة الضخمة التي منحت لنا وجعلت بين أيدينا لنكسب المكافآت الهائلة الموعودة لأولئك الذين يشاركون في هذه الدعوة لإقامة دولة يحكمها الإسلام وحده. إنها "فرصة ذهبية"، وهي فرصة لم تُمنح للأجيال المسلمة السابقة، باستثناء جيل الرسول e. إنها فرصة لأن نكون أحباب النبي e، لنكون بجانبه في الجنة، وكذلك لنكون مع الأنبياء والصالحين الذين حملوا رسالة الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك، فكما هو الحال مع أي فرصة يمنحها الله سبحانه وتعالى لنا، يمكنه سبحانه وتعالى أن يأخذها منا بعيداً، ويغلق الباب أمام ذلك الكنز من المكافآت والبركات، إذا لم نحتضن الواجب بالطريقة التي يتوقعها سبحانه وتعالى منا، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.


إذاً فهذا يتطلب، أن نسعى جاهدين في هذه المهمة لإقامة نظام الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض - كما أننا مطالبون بالسعي (بقدر ما يفترض بنا) كما يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج في الآية 78. يطلب منا أن نكافح في قضيته سبحانه وتعالى بقدر ما نحن مدينون لله سبحانه وتعالى، حيث سنستحق الشرف الذي أعطانا إياه سبحانه وتعالى كما قال ﴿شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾. وهذا يعني إعطاء هذه المسؤولية الكبيرة نسبة من وقتنا ونسبة من اهتمامنا ومجهودنا بحيث تعكس أهميتها الحيوية وبأنها بحق واجب علينا ينبغي أن يحتل مكانة مركزية في حياتنا وليس على أطراف حياتنا وهوامشها.


إن فهم أهمية هذه المهمة التي تقع علينا كأمة مسلمة، وهي نقل البشرية من الظلام إلى النور، يعني أيضاً إدراك أن حياتنا كمسلمين لا يمكن أن تكون حياة عادية مثل حياة الكفار، فقط مطاردة متاع هذه الدنيا الزائل - سواء أكان ذلك في دراساتنا أو وظائفنا أو أطفالنا أو عائلاتنا أو منزلنا أو حياتنا الاجتماعية أو الترفيه والتسلية - بحيث نجعل هذه الأشياء من الأولويات الرئيسية ونجعلها مخاوفنا الأساسية في الحياة حيث تستهلك طاقاتنا وتفكيرنا. إن السعي وراء هذه المصالح هو الهدف من وجود الكافرين ولكن ليس نحن المسلمين لأن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا مهمةً كبيرةً - ألا هي أن نكون شهوداً على البشرية!


يقول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾.


نسأل الله تعالى أن نكون من أولئك الذين أتموا عهدهم مع الله سبحانه وتعالى وأنجزوا المهمة العظيمة التي منحها لهم بإقامة دينه في الأرض وتحكيمه في هذا العالم. اللهم آمين.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز
مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو