المسلمون وحرب المصطلحات
March 25, 2021

المسلمون وحرب المصطلحات

المسلمون وحرب المصطلحات

أصبح السؤال مشروعا، لماذا سميت الجزائر أو تونس أو المغرب مستعمرة فرنسية، ولماذا قدم المسلمون مئات الآلاف من الشهداء لتحرير بلادهم؟! ولماذا تعتبر ليبيا مستعمرة إيطالية ولا يعتبر عمر المختار خارجاً عن الشرعة الدولية يجب على الدولة الليبية أن تحاسبه على تمرده؟! أليس كان يجب على الدولة أن تحاكمه لضربه العلاقة مع دولة حليفة؟! أليس من الممكن تحرير المصطلحات وتغيير المعاني لتكون الجزائر وتونس والمغرب ترتبط بفرنسا باستراتيجية طويلة الأمد قوامها (محاربة الإرهاب) وحماية البلاد من أي اعتداء خارجي والتكامل الاقتصادي بين البلدين؟ فالقواعد العسكرية لو تمددت في طول البلاد وعرضها فإنما هي لحماية البلاد من أي اعتداء خارجي، والشركات التي تستخرج النفط والذهب والخيرات التي في باطن الأرض وظاهرها فإنما هي لتمكين الدولة المستعمرة عفوا (الحليفة) من الاستفادة من خيراتها، وتدريب الجيش وقوى الأمن الداخلي إنما هو لحفظ الأمن من المخربين الذين لا يريدون لهذا الحلف أن يستمر، فالمسألة ليست استعمارا  وإنما هو تحالف يحفظ سيادة البلد وأمنه وخيراته، ويحفظها من أي اعتداء داخلي أو خارجي، وتصبح النتيجة أن الاستعمار أو بتحوير المصطلح هذا التعاون هو نوع من التحالف الذي تعمل فيه الدول، وربما إذا أردنا استخدام بعض المساحيق لتجميله وتزويقه فيجوز لنا أن نسميه تعاونا مشتركا، أو تحالفا مشتركا، لنوحي للقارئ أو المتابع أن كلا الدولتين على قدم المساواة مع بعضهما البعض؛ فوزير الدفاع الأمريكي نظيره في الاتفاقية وزير الدفاع البحريني مثلا أو اللبناني أو الأردني، والبنك الفيدرالي الألماني أو الياباني نظيره البنك المركزي الكويتي أو السوداني وهكذا... فإذا جرى التلاعب بالمصطلحات فإن الاستعمار يكون تحالفا، وأوسلو تصبح صلح الحديبية، ووادي عربة تغدو صلح الرملة.

لقد جرى عند العلماء قديما تحرير وضبط المصطلحات، فوضعوا علم المنطق وأفاد منه المسلمون بعد أن أصّل له أفلاطون وأرسطو؛ فكانت إفادتهم ضبط المصطلحات وتحرير المعاني، كل ذلك من أجل أن لا تتداخل المصطلحات والتعاريف بعضها ببعض.

إن تعويم الأفكار والمصطلحات والتعاريف يشتغل عليها الإعلام بشكل كبير، فإذا أراد أن يصور الهزيمة نصرا والاستخذاء والجبن سياسة، والاستعمار تعاونا وتحالفا، فإنه يضخ بآلاته الإعلامية ويبقي على هذا الضخ، حتى يبدل المفاهيم والمعاني عند الناس. فمثلا عندما انفرد السادات أو سبق للصلح مع يهود فإن المعنى الذي كان معمولا به حينذاك هو أن الصلح مع كيان يهود هو خروج عن الإجماع العربي، والذي كان حينها مصدرا من مصادر التشريع في السياسة، حيث جرت شيطنة السادات ومصر، وبدأت الدول تبيعه شرفا ومقاومة، بل صار الإجماع في الجامعة العربية ينعقد دون مصر، وكثر الحديث عن خيانة السادات وبأنه باع القضية الفلسطينية ما كان سببا في قتله، وتغنى الجميع بقتل هذا (الخائن العميل للصهيونية العالمية). ولما فعلت منظمة التحرير وفتح صنيعه في أوسلو كان الإعلام منقسما حول هل هذا الأمر؛ سياسة أم خيانة؟ وهل هذا طريق مشروع لأخذ حقوق الشعب الفلسطيني أم أنها بيع لقضيته؟! وكان للإعلام قدم السبق في الترويج لما يريد وكل يدلو رأيه، ثم بدا للأنظمة أن تلحق بعرابي أوسلو، فبدأت الآلة الإعلامية تحدد للأمر مصطلحات جديدة وتسرق من الناس ثوابتهم، فقيل حينها بأن الجلوس مع يهود ليس خيانة بذاته، بالذات إذا استعدوا بأن يعيدوا للشعب الفلسطيني حقوقه المسلوبة، فليس الجلوس بحد ذاته خيانة وإنما الخيانة هي التفريط بالثوابت، ثم تداعوا لوضع معنى الثوابت... وهكذا حتى وصلوا إلى ما يسمى الاتفاق الذي تبنته الجامعة العربية وتحت رعاية السعودية سنة 2000 وحصل الإجماع بين الحكام عليه، وبالتالي أصبح الجلوس مع كيان يهود لا يستدعي القتل أو حتى التخوين، وإنما لا بأس أن يفعل كل شيء تحت مصطلح السياسة. فالإمارات والبحرين والسودان والمغرب وقبلها مصر والأردن والسلطة بعد تغيير المصطلحات، لا تقاس على السادات ومصر، وإنما السادات كان خائنا وعميلا وقتها لأنه ترك الحظيرة وغادر منفردا وكان يجب عليه أن يأخذ الإجماع على خيانته ولا يجوز أن يغير في المصطلحات منفردا.

فلم يعد منكرا أن يتم التنسيق بين أردوغان وروسيا وإيران في التآمر على الشام وثورتها، ولم يعد الطلب من القوات الأمريكية من الحكومة الأفغانية أن تبقي قواتها وجيشها في أفغانستان خيانة، بل هو من السياسة التي يتمتع بها رئيس الدولة الأفغانية، فالقواعد الأمريكية في قطر وتركيا هي من التنسيق الأمني والتعاون الاستراتيجي، ولو ناقشت هذا الموضوع مع من يمتهن السياسة، إلا من رحم الله، لاتّهمك بالجهل لأنها تخالف قطعيا عنده!

فإذا لم يجر التواطؤ على الألفاظ والمباني لا يجري التوافق على المصطلحات والمعاني، فالتفاوض والتطبيع والرضا بأرباع الحلول وأنصافها خيانة وليست كما يسميها الإعلام خطوة بالاتجاه الصحيح، والأحلاف العسكرية والتعاون مع أمريكا وروسيا انتحار سياسي فوق كونه مخالفا للشرع، وتزويق المصطلحات لا يغير من الواقع شيئا، والعقد الاجتماعي هو نبذ للإسلام وأحكامه، وليس توافقا على دستور.

إن العناية بالألفاظ والمعاني والتي هي قوالب الألفاظ، قد اعتنى الإسلام بها أيما عناية. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وحدد ذلك في آية أخرى مبينا حال الكفار في التلاعب بالالفاظ ليصرفوا المعنى على هواهم ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، ولم تكن عناية الإسلام بذلك إلا لما لذلك من أثر في تشكيل العقول وتغيير الأحكام، وقد كان المسلمون رواد تحرير المصطلحات وضبطها، حتى لا يلتبس اللفظ بغيره فيكون المعنى مختلفا عما أراده صاحبه، ولذلك تعلموا المنطق ليضبطوا به التعاريف والمصطلحات، وتركوا المشترك من الألفاظ حتى لا يلبسوا المصطلحات بعضها ببعض، وعندما كانوا يتناظرون في مسألة علمية، كانوا يحررون المصطلحات أولا، فالمفرد عند المناطقة هو غيره عند النحويين، والمركب عند النحويين هو غيره عند المناطقة، والإدراك والتصديق عند المناطقة هو غيره عند الأصوليين... وهكذا فكل علم له مصطلحاته وألفاظه.

فالسياسة عند المسلمين هي رعاية الشئون بأحكام الإسلام وليست الانبطاح والخنوع، والسياسي هو من يبدع في إيجاد الحلول حسب وجهة النظر ومن زاوية شرعية عند المسلمين، وليس السياسي الذي يدير شئون بلده بالتحالفات ويلعب على الحبال، وإنما هذه وظيفة البهلوان في السيرك أو من يعمل بعقلية الفراش الذي أكبر همه إرضاء المدير وكل الموظفين، ولو أتى ذلك على أخلاقه ودينه! فوضع المعايير الثابتة والمصطلحات الراسخة هي التي تصلح تسميتها خطوطا حمراء، أما أن توضع الخطوط حمراء أو صفراء أو زرقاء وبألوان الطيف السبعة فإن هذا ليس من السياسة في شيء بل هو أقرب إلى تلون الحرباء، ولم يعرف المسلمون هذا التلاعب بالألفاظ إلا في زمن الرويبضات من الحكام ووسطهم السياسي، ومن لحق بهم من البلهاء وعلماء السلاطين، حتى أضحى المعروف منكرا والمنكر معروفا، والخيانة سياسة والسياسة خيانة، وأضحت الثوابت والوقوف عند حدودها جمودا وتخلفا وقلة دراية بالسياسة، وكان المطلوب من العالم أو الشيخ أن يضع للحاكم الحكم الشرعي على فعله الذي سبق أن فعله فإذا وقع الحاكم اتفاق خنوع وذل استدل له ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وإن شرع باسم الديمقراطية زينوا له مجالسه بآية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وإن عقد الأحلاف مع الكافر وفتح أرضه باطنا وظاهرا ورهن سماء بلده لطائراته وصواريخه استدل له بآية ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وهكذا فبدلا من الاستدلال عليه بالأحكام الشرعية أصبح الاستدلال له، حتى ليخيل إلى البسيط من الناس أن فعل الحاكم قاضٍ على القرآن والسنة ولو كان قطعيا!!

وأختم بفهم لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ولو كان هذا مفهوما ليهود الذين صنعوا ذلك على الحقيقة فوضعوا كلاما نسبوه للخالق، فغيروا في الألفاظ وبدلوا وحذفوا، فكيف يفهم هذا عند من تصدر من العلماء الذين طلبوا القرآن للدنيا؟! فهم لم يكتبوا على الحقيقة كما صنعت يهود ويقولوا هذا من عند الله، وإنما وضعوا الآية في غير موضعها واستدلوا بها على غير ما تحتمل، ليشتروا به ثمنا قليلا، أو أنهم كتموا حقا علموه أو فهموه، وكل هذا من التبديل والتحريف. نسأل الله العصمة من الزيغ والضلال وأن ينفعنا وينفع بنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد الأشقر (أبو المعتز بالله)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو