المؤمن القويّ يجيد استغلال وقته ليحقق خلافته في الأرض بالنهضة بالأمة والبشرية
May 20, 2020

المؤمن القويّ يجيد استغلال وقته ليحقق خلافته في الأرض بالنهضة بالأمة والبشرية

المؤمن القويّ يجيد استغلال وقته ليحقق خلافته في الأرض بالنهضة بالأمة والبشرية

تسمى سورة يوسف بأحسن القصص، فالقصة التي بدأت بحلم وانتهت بتحقيقه تحمل في سطورها دروساً لمن أراد أن يتعلم، وعبراً لمن أراد على نهج يوسف أن يسير، متلمساً خطاه في نجاحه وارتفاع كعبه وعلو قدمه، وفي وصوله لقمة النجاح الدنيوي والأخروي.

يوسف عليه السلام قبل أن يُدخَل محراب النبوة والاصطفاء، أُدخل جُبّ الامتحان أكثر من مرة. وقبل كل اصطفاء كان يُبتلى فيثبت في امتحانه فيعلو. وفي هذا المعنى سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مرة: أيُمكّن للعبد أم يبتلى؟ قال لا يُمكّن للعبد حتى يبتلي. والابتلاء فتنة، والفتنة في النعمة أشد منها في سلبها، والوقت نعمة مغبون فيها كثير من الناس.

القرآن ليس كتاب قصص وإن أوردها ولا كتاب مواعظ وإن كثرت فيه. هو كتاب حياة، كتاب يرسم صورة لما يجب أن يكون عليه المجتمع والأمة والأفراد من نماذج، حتى تكون مؤهلة لتؤدي رسالتها والغاية من وجودها وهي إنهاض البشرية بالفكر الرباني، وإرشاد العباد إلى طريق الله. فالقصص القرآني هو تربية للمسلمين بأسلوب القصة، كأن الله يقول: تعلموا وخذوا عبرة من المعنى لا الشخوص. فقصة يوسف وزليخة مثلاً هي قصة العفة والشهوة في كل مكان، وقصة يوسف في سجنه هي قصة الدعاة في كل حين، وقصة موسى وفرعون هي قصة حملة الدعوة مع الطغاة في كل عصر.

وبالعودة إلى يوسف عليه السلام، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، أن الله أوحى إلى يوسف "أنك سألت السجن فسُجنت ولو سألت العافية لعافيناك". وفي المعنى نفسه قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

وهكذا فالقرآن الذي أورد قصة يوسف كمثال على تحقيق حلم ونجاح دنيوي وأخروي، وانتصار في معركة العفة ضد الشهوة، يعلمنا أن المسلم لا يربط خياراته بين مصيرين ولا تقتصر نجاحاته على الدنيا دون الآخرة، ولا يرضى إلا بالقمة في كل شؤون حياته. فيوسف عليه السلام ظن أنه بين خياري السجن أو الفاحشة بلا ثالث لهما، فكان هذا درساً لمن بعده من المؤمنين الذين يخوضون معركة الصراع بين الحق والباطل، أنّ اللجوء إلى الله هو طريق النجاح، وأنّ ما بيدنا من وسائل وقوى إنّما هي أسباب واقعة في قدر الله، ولا تغني شيئاً دون التوكل على الله. فالمطلوب هو تعلق القلوب برب الأسباب وإلّا أوكلنا الله إلى ما تعلقنا به من أسباب ثم لم يكن لنا إلا ما قدّر لنا!

وفي موضوع الأخذ بالأسباب يحتل الحرص على الوقت رأس القائمة. فنحن أمّة بورك لها في بكورها، يتعلم أطفالها في سنيّ حياتهم الأولى «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ». فالأصل أنَّ حديث رسول الله «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ» شعارُ هذه الأمة.

وعوداً على بدء. فقصة يوسف التي تعلمنا أن النجاح في امتحان الآخرة لا يعني البتّة الفشل في امتحان الدنيا بل العكس؛ هي مكية كسورة العصر والتين والشرح اللاتي نزلن لصياغة شخصية إسلامية في المؤمنين الجدد تصلح لتكون شخصية قيادية تنهض بالبشرية جمعاء إلى أعلى مراتب السموّ والرقيّ، تترجم عملياً كلمات ربعيّ بن عامر رضي الله عنه حين قال: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد".

وهذه القيادة التي تحمل الأمة الإسلامية تبعاتها وتتحمل أعباءها، لن تتحقق دون أن يحسن حامل الدعوة استغلال وقته، بل قبل ذلك معرفة قيمة الوقت الذي وهبه الله إياه. لن ينجح المسلم في حياته قبل أن يفقه ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. ولن يكون له أثر في الدنيا يجعله مفتاح خير لغيره قبل أن يترجم عملياً قول الغزالي: "أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله، ويده صِفر من أي خير".

إن التنبه من الفطنة، وإن البلاء في الغفلة، والتنبه يورث التذكرة، والتذكرة تنتج الإسراع والاجتهاد والتفاني فراراً إلى الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50] فإن المقصد والثمرة من الإيمان العمل، واستثمار الوقت صنو ذلك بل ولب لبابه، وإن الكيس من استثمر وقته وحسن عمله ولا يكتفي بل يستدين من غيره وقتاً إن استطاع، ليزداد من الأعمال ما يقربه لربه، وييسر عليه حسابه فيرتاح من بلاء الدنيا وينجو برحمة ربه، فيكون قد أحسن اغتنام الوقت والعمل فيكون أحسن عملاً فيفوز بإذن الله فوزاً عظيماً.

الله حين يقسم بشيء فهو لا بدّ عظيم، وليس القسم إلا لتعريف الناس بأهمية المقسوم عليه، وإلّا فالله حين يقول فهو الحق وقوله الحق. ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. وقد أقسم الله بأكثر من وقت دلالة على عظم هذه النعمة. فقال ﴿وَالْعَصْرِ﴾ وهو وقت من النهار. قال ابن عباس، في قوله ﴿وَالْعَصْرِ﴾: العصر: ساعة من ساعات النهار. يقسم الله ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ينجو من هذا التعميم فئة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. والربط بين العصر والخسر ثم استثناء المؤمنين بالقسم من الله سبحانه وتعالى، أمر يؤكد أن النموذج الأسمى الذي يريده الله للمؤمن القوي هو نموذج يحسن صاحبه استغلال وقته جيداً ويجعل الآخرة قضيته المصيرية والدنيا مرتبطة بها لأنها دار العمل والزرع الذي يُحصد في الآخرة. والله حين يُقسم بالعاديات ضبحاً فليس عبثاً، وحين يُقسم بالتين والزيتون أن الإنسان رُدّ إلى أسفل سافلين، استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان أجرهم غير ممنون. والمتأمل في سورة الليل يدرك أنّ إدارة المسلم لوقته هي فعل ينتج عنه إما نجاح أو فشل، كأن الله يقول لنا: إن النجاح في الدنيا والآخرة قرار شخصي.

ليس المهم كم عمرك لكن الأهم ما رصيد إنجازك، ما جوابك حين تُسأل عن عمرك فيمَ أفنيته؟ هل ستحار في الجواب أم سيكون الجواب في ميزان حسناتك أمّةً عملت لنهضتها ودولة الإسلام التي أحييتها، وإسلاماً دافعت عنه، وفكراً قوّمته، وكلمة حق قلتها؟ ﴿لِمِثلِ هَـذَا فَلیَعمَلِ العَـامِلُونَ﴾ [الصافات: 37]. ليس المهم كم مرة تختم القرآن في رمضان بحيث يصبح الختم همّك، بقدر ما يهم ماذا انتفعت من القرآن، وكم أثّر القرآن في قلبك وغيّر من روحك وارتقى بك. ليس المهم كم كتاباً تقرأ بل ماذا تقرأ وكيف تُفيد مما تقرأ، فنحن لسنا أمة اقرأ بل أمّة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.

والعبرة: ليس المطلوب ملء الوقت لمجرد ملء الفراغ وتضييع الوقت ليمرّ بسرعة، بل أن تعرف قيمة هذا الوقت وأنّه يوزن بالذّر في ميزانٍ ينطق عليك يوم القيامة. ﴿إِذ یَتَلَقَّى المُتَلَقِّیَانِ عَنِ الیَمِینِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِیدٌ * مَّا یَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَیهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ﴾ [ق: ١٧-١٨]. وتُسجّل لحظاتك في كتاب: ﴿هَـذَا كِتَـابُنَا یَنطِقُ عَلَیكُم بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـالِحَـاتِ فَیُدخِلُهُم رَبُّهُم فِي رَحمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ المُبِینُ﴾ [الجاثية: ٢٩-٣٠]

فنسأل الله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا وأن يستعملنا ولا يستبدلنا، فإن السعيد من حفظه الله من حظ نفسه. وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى﴾ [النازعات: 40-41].

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال – الأرض المباركة (فلسطين)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو