المؤتمر الاقتصادي... كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء
November 03, 2020

المؤتمر الاقتصادي... كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء

المؤتمر الاقتصادي... كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء

عقدت الحكومة الانتقالية بقاعة الصداقة يوم 2020/9/26م مؤتمراً اقتصادياً ضخماً، ضم كافة أطياف المجتمع، تألف من مجموعة من المشاركين؛ خبراء اقتصاديين، وأكاديميين، ومنظمات مجتمع مدني، وممثلين للبنك الدولي، وممثلين لقوى الحرية والتغيير، والمجلس العسكري، وحتى ممثلين لذوي الإعاقة، وقد انعقد المؤتمر في ظل أزمة اقتصادية خانقة أحكمت قبضتها على الناس، حيث ازدادت المعاناة؛ من ارتفاع في أسعار الخبز والوقود، وغاز الطبخ، وتعرفة المواصلات، وأصبح الناس يبيتون على عتبات المخابز، ومحطات الوقود لأيام. وقد نوقشت في المؤتمر أوراق اقتصادية، قدمت فيها رؤى وأفكار وإصلاحات مظنة إحداث تغيير في الوضع الاقتصادي الراهن والاهتمام بمعاش الناس، فخرج المؤتمر بتوصيات رفعت للجهاز التنفيذي بلغت في جملتها المئة وستين توصية. إلا أن هذا المؤتمر قد واجه انتقادات واسعة لهذه التوصيات، وما شاب هذا المؤتمر من غموض وضبابية في موقف الحكومة في تعاملها مع المشكلة الاقتصادية، خلال الهزلية والفوضى التي صاحبت المؤتمر.

في الحقيقة فإن هذا المؤتمر قد جاء لإعطاء الضوء الأخضر لإنتاج المزيد من الفقر والفقراء، وذلك من خلال الاستمرار في زيادة الأسعار تحت لافتة ما يسمى برفع الدعم، حيث كان من بين توصيات المؤتمر ضرورة رفع الدعم، وتوسيع المظلة الضريبية، حيث قالوا بأن الدعم السلعي يمثل عبئاً على الموازنة والميزان التجاري وأن الدعم لا يذهب لمستحقيه...

كانت الحكومة في عهد وزير المالية السابق، قد رفعت الدعم بشكل كبير أي بنسبة أكثر من 50%، فكانت السلعة الواحدة تباع بسعرين في السوق؛ مدعوم وتجاري، ومن الآثار السالبة نتيجة لرفع الدعم ارتفعت أسعار السلع والخدمات، بل وصعوبة الحصول عليها إلا بشق الأنفس، فقطعة الخبز الواحدة بلغ سعرها عشرة جنيهات وفي أماكن أخرى بعشرين جنيهاً، بل في بعض الولايات بلغت الثلاثين جنيهاً، ناهيك عن ازدياد صفوف الوقود وغاز الطبخ وغيرها من الحاجات الأساسية، وبالطبع ارتفعت تعرفة المواصلات تبعاً لذلك، إضافة لاصطفاف العربات في محطات الوقود لأيام وأسابيع، ما شكل ضغطاً على الناس وزيادة معاناتهم، هذا كله نتيجة لرفع الحكومة الدعم بشكل جزئي بهذه الكيفية، فكيف يكون الوضع إذا قامت الحكومة برفع الدعم بشكل كامل؟ وبالفعل، وفي خطوة تكشف عن عمالة هؤلاء الحكام وإصرارهم على تجويع الناس وزيادة الفقر، أعلن وزير الطاقة والتعدين في بيان صحفي في 2020/10/10م: "أن الترتيبات جارية لتنفيذ سياسة تحرير البنزين والجازولين" (سودان تربيون)، يأتي هذا على خلفية مصادقة مجلس المديرين التنفيذيين لمجموعة البنك الدولي يوم الخميس 2020/10/8م على تخصيص مبلغ 400 مليون دولار لدعم الأسر الفقيرة أثناء تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية القاسية. ولذلك يأتي إصرار الحكومة على رفع الدعم وتحرير السلع على الرغم من علمها المسبق بنتائج هذه الإجراءات الكارثية على الناس، استجابة لهذه الروشتات المهلكة، هؤلاء الحكام لم يكتفوا فحسب بسياسة التحرير الاقتصادي، التي صنعت مزيداً من الفقراء، بل قامت الحكومة، في ظل حاجة الناس لرفع المعاناة والعوز عن كاهلهم، قامت بدفع غرامات تفجير السفارتين الأمريكيتين بدار السلام ونيروبي، والمدمرة كول البالغة 335 مليون دولار، وقامت بجمع هذه الأموال الضخمة من السوق الموازي مما تسبب في ارتفاع أسعار السلع وفقدت العملة المحلية أربعين بالمئة من قيمتها خلال أيام، بحسب ما جاء على لسان نائب رئيس مجلس السيادة حميدتي عبر قناة سودانية 24. أي أن سياسات الحكومة الاقتصادية الفاشلة والمهلكة قبل وبعد انعقاد المؤتمر ظلت كما هي لم تتغير، وكان من المتوقع بعد هذا المؤتمر أن تقوم بإصلاحات جادة لحل الأزمة وتنفيذ التوصيات.

إن أصل الأزمة هو أن ميزانية العام 2020م في نسختها الأولى اعتمدت اعتماداً كاملاً على الدول المانحة أو من يسمونهم بأصدقاء السودان والمجتمع الدولي، لتمويل الميزانية لتغطية العجز الذي قدر بخمسة مليارات دولار؛ فالحكومة تراهن على الخارج لسد عجز الميزانية، إلا أنها أصيبت بخيبة أمل كبيرة وبدأت بلطم الخدود عندما أعلن أصدقاء السودان عن عدم مقدرتهم على المساعدة بسبب قائمة الإرهاب، وقد جاء في صحيفة الجريدة العدد "3052": كشف عضو اللجنة الاقتصادية بقوى إعلان الحرية والتغيير صدقي كبلو عن عقد سفراء دول أوروبية في السودان اجتماعات بجهات سياسية لإقناعها بضرورة رفع الدعم فوراً، واستبعد دعم أصدقاء السودان للحكومة الانتقالية إلا بتوصية من البنك الدولي، وتنفيذ شروطه المتمثلة في التحرير الاقتصادي. فالحكومة في هذه الميزانية اعتمدت اعتمادا كاملا على المنح الخارجية لتغطية العجز البالغ خمسة مليارات دولار، فعدم وفاء أصدقاء السودان بدفع هذا المبلغ شكل صدمة عند الحكومة، وأربك حساباتها، وعندما يئست من أصدقائها، رهنت نفسها بالكامل لروشتات صندوق النقد الدولي وتوصياته المدمرة، ولم تكتف بالتزامها بروشتات الصندوق فحسب، بل لجأت كذلك إلى طباعة العملة بشكل عشوائي، ما أدى إلى زيادة التضخم إلى 250% وارتفاع الأسعار وتدني قيمة العملة، علاوة على زيادة الضرائب والجبايات أفقياً ورأسياً مباشرة وغير مباشرة، وزيادة الدولار الجمركي... فكان لكل هذه الخطوات الخرقاء والفاشلة التي قامت بها الحكومة كعملية جراحية قاسية لا بد منها لتغطية عجز ميزانية العام 2020م. فكان لكل ذلك أثر كبير في بروز الأزمة الاقتصادية. غير أن المؤتمر الاقتصادي الذي تم عقده لم يتطرق لهذه الأسباب مطلقاً، بل اكتفوا بمناقشة آثار المشكلة دون النظر إلى المشكلة نفسها، وهذا شأن التفكير الرأسمالي في معالجة القضايا.

لذلك فإن مؤتمراً بهذه الهزلية وعدم الجدية في التعاطي مع جذور الأزمة، هو مؤتمر وُلد ليفشل، وحتى الآن لم نر أثرا إيجابيا لتوصياته على أرض الواقع سوى زيادة معاناة الناس، فهو مجرد أداة لإطالة عمر الحكومة الانتقالية، ولتخدير الناس بوعود كاذبة، وهو مؤتمر تم عقده في ظروف قاسية، مع تزايد تذمر المواطنين من الوضع القاسي، لذلك كان الهدف الرئيسي من عقد هذا المؤتمر هو البحث عن شعبية لحكومة فاشلة آيلة للسقوط، وهو بالفعل ما عبرت عنه صراحة وزيرة المالية المكلفة هبة محمد علي في مؤتمرها الصحفي بخصوص الحديث عن المؤتمر الاقتصادي بقولها "إن دواعي إقامة المؤتمر تتمثل في إشراك كل أصحاب المصلحة بمنظوماتهم المختلفة، في وضع السياسات، واتخاذ القرار بغرض صنع مشروع وطني، تتوفر له أكبر مظلة شعبية تدعمه لينجح ويستمر".

أما بالنسبة لموضوع رفع الدعم أو سياسة التحرير للعملة والسلع والخدمات، ففيه الكثير من التضليل والتدليس على أهل السودان، فلو نظرنا لواقعه سنخرج بالحقائق التالية:

أولاً: قول الحكومة إنها تدعم الناس هو ادعاء مفضوح ومكذوب، لأن هذه الموارد والأموال هي ملك للشعب في الأصل وليست صدقة، ولا تكرماً من الحكومة للناس، فالحكومة تتعامل مع رعاياها بعقلية التاجر الجشع بوصفها حكومة رأسمالية، حكومة جباية، فالنظام الرأسمالي يخلط بين الملكية العامة وملكية الدولة، ويذيب الملكية العامة في ملكية الدولة، ويحرم الشعوب من التمتع بمواردها وخيراتها، مع أن الفرق شاسع بين الملكيتين.

ثانياً: رفع الحكومة يدها عن دعم الناس هذا يعتبر تملصا من المسؤولية وهروبا من واجب الرعاية التي أوجبها الشرع على الحاكم الذي يُوجب عليه توفير المأكل والملبس والمسكن، لكل فرد من أفراد الرعية فرداً فردا، وضمان إشباع هذه الحاجات الأساسية، يقول الرسول ﷺ: «فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فلا يوجد في الدنيا أب يقول لأبنائه أنا قد رفعت يدي عن رعايتكم!

ثالثاً: عملياً فإن الحكومة لم تدعم الناس، وإنما الحاصل هو اختلاف في سعر الصرف ما بين البنك المركزي والسوق الموازي، فالمستوردون من شركات القطاع الخاص ومنهم شركات استيراد القمح عند توفر الدولار في البنك المركزي تأخذه بسعر أقل من السوق الموازي، وفي حال خلو البنك من الدولار تضطر هذه الشركات والمؤسسات للنزول للسوق الموازي لتشتري الدولار بسعر أعلى من سعر البنك المركزي، وهنا تضطرب أسعار السلع والخدمات نتيجة لهذا الاختلاف في سعر الصرف.

رابعاً: إصرار الحكومة على الاستمرار في سياسة رفع الدعم ومن قبلها حكومة الإنقاذ البائدة، بالرغم مما توجده من أزمات، لكن وببساطة، ولأنها أوامر صندوق النقد الدولي فهي ملزمة بتنفيذها، ومن المعروف أن صندوق النقد الدولي هو مؤسسة استعمارية تم تسخيرها لنهب ثروات الضعفاء من البشر، ومن أهدافه الرئيسية تحطيم الدول وتركيعها اقتصادياً والسيطرة على قرارها السياسي؛ يقول الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق: "إن من العوامل التي ساهمت في نهضة ماليزيا هو عدم الاستجابة لروشتات صندوق النقد الدولي".

إن الناظر إلى أسباب المشكلة الاقتصادية في السودان يجدها تتشابه في الأساس مع المشكلات الأخرى التي تعاني منها البشرية من مشكلات اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها، لذلك يجب النظر إلى أساس هذه المشكلات مجتمعة، حتى نضع لها حلولاً جذرية، فأساس المشكلة الاقتصادية هو تطبيق الحكام واعتناق الوسط السياسي للنظام الرأسمالي، إذ هو أساس هذه الأزمات التي تعصف بالبشرية، فهذا النظام هو الذي توهم وجود مشكلة الندرة النسبية للسلع والخدمات، أي قلة موارد الطبيعة مقابل تزايد الناس بمتوالية هندسية مما يحتم تسابق الناس للحصول على السلع والخدمات، وقال إن هذه هي المشكلة التي تواجه البشر على وجه الأرض والتعامل مع هذه المشكلة يكون بجهاز الثمن أي أن من يملك ثمن السلع وعنده القدرة على الإنتاج هو الذي يحوز الموارد والحاجات، ولذلك يرى النظام الرأسمالي أن مسألة الفقر ووجود الفقراء مسألة حتمية، ومن هنا كان النظام الرأسمالي هو الذي يصنع الفقر والفقراء، ويجعل الرأسماليين الأغنياء وحوشاً يفترسون الضعفاء.

فوجب اجتثاث هذا النظام من جذوره وإلقاؤه في هاوية سحيقة، وتطبيق نظام رب العالمين؛ نظام الإسلام تطبقه دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، حتى ينعم الناس بحياة ملؤها الطمأنينة وراحة البال، حياة خالية من الأزمات، فيجب على الأمة أن تغذ الخطا للعمل لإقامة الخلافة مع أبنائهم في حزب التحرير من أجل التغيير الجذري على أساس الإسلام العظيم.

وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مجاهد آدم – ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو