الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة العاشرة
الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة العاشرة

فالميزان هو ميزان العدل والاستقامة والطريق المستقيم، ويشمل كل ميزان، فيقاس به الفكر والميل والسلوك، وتقاس به معاملات الناس بعضهم مع بعض، ووردت آيات كثيرة تأمر بالوفاء بالكيل، وبالوزن بالقسطاس المستقيم، وهو جزء من وزن السلوك البشري.

0:00 0:00
السرعة:
April 19, 2019

الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة العاشرة

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة العاشرة

فالميزان هو ميزان العدل والاستقامة والطريق المستقيم، ويشمل كل ميزان، فيقاس به الفكر والميل والسلوك، وتقاس به معاملات الناس بعضهم مع بعض، ووردت آيات كثيرة تأمر بالوفاء بالكيل، وبالوزن بالقسطاس المستقيم، وهو جزء من وزن السلوك البشري.

ووردت عشرات الآيات تأمر بالعدل بعمومه، وبعضها يأمر بالعدل خاصاً في أمورٍ معينة، كما وردت آيات تأمر بالقسط، وآيات تأمر بالاستقامة، وآيات تخبر أن ما أنزله الله سبحانه وتعالى هو الصراط المستقيم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الصراط المستقيم، وتبين آيات أخرى أن هذا الكتاب هو الهدى وهو صراط ربنا المستقيم، وهو الحاكم بالعدل بين الناس في ما اختلفوا فيه، قال سبحانه: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه..)، وأن هذا الكتاب هو الميزان مع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من بيان لما فيه.

وعليه فإن شريعة الله سبحانه وتعالى هي الميزان لحياة الإنسان، هي الميزان لفكره، وهي الميزان لنفسيته، وهي الميزان لسلوكه وتصرفاته، وبحسب هذا الميزان تقاس أفكار الإنسان وميوله وسلوكاته، وفي ما يلي بيان ذلك.

ميزان الفكر

تطلق كلمة الفكر ويراد بها أحد معنيين:

1-  الفكر بمعنى التفكير.

2-  والفكر بمعنى الأفكار التي هي ناتج عملية التفكير.

وميزان الفكر يشمل المعنيين، وتفصيل ذلك:

أولاً: ميزان الفكر {التفكير}

واقع التفكير أن له أربعة أركان لا يتم بنقص شيء منها وهي:

1-  الواقع المراد التفكير فيه.

2-  الحواس التي تنقل الواقع إلى الدماغ.

3-  الدماغ الصالح للربط.

4-  المعلومات السابقة.

وتتم عملية التفكير في الواقع المراد التفكير فيه بنقل هذا الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ الصالح للربط، ويقوم الدماغ بالبحث عن معلومات سابقة مختزنة فيه عن هذا الواقع، فيربط ذلك الواقع بتلك المعلومات المتعلقة به فيفسره ويصدر حكماً عليه.

ولا بد أن يكون الواقع المراد التفكير فيه خارجياً، ومعنى خارجي أنه ليس جزءا من تركيبة الدماغ، ولكنه قد لا يتم التفكير فيه حين نقله، بل قد ينقل ويختزن في الدماغ، ثم يعاد التفكير فيه مرة أخرى، وبهذا لا يزول عنه وصف أنه خارجي، فربما يحصل الإنسان على معلومات عن واقع سبق أن اطّلع عليه من قبل ولم يستطع تفسيره حين مشاهدته، بل يستطيع تفسيره بعد الحصول على معلومات عنه، وفي هذه الحالة لا ينتفي عن المعلومات وصف أنها سابقة، لأن العبرة ليست بالسبق الزمني، بل العبرة بالسبق الترتيبي في عملية التفكير، لأن الإنسان في هذه الحالة بعد حصوله على المعلومات عن ذلك الواقع يستعيد ذلك الواقع في ذهنه ويربطه بالمعلومات الجديدة التي صارت سابقة بالنسبة لذلك الواقع، أي شرطاً لفهمه.

هذا التعريف للتفكير هو فكرة تحتاج إلى ميزان توزن به في الشرع.

 :وميزان الأفكار يتضمن شرطين

الأول: مطابقة الفكرة لواقعها، أي صحتها في الواقع بأن يدرك العقل صحتها في الواقع.

الثاني: بناء الفكرة على العقيدة، أو انبثاقها عنها، فالانبثاق أن ترد الفكرة نفسها في مصادر التشريع، كفكرة (الشمس مخلوقة) أو (السماوات والأرض مخلوقات) وغير ذلك، أما البناء فموافقة الفكرة للعقيدة وعدم مخالفتها لها. ونترك للأمثلة توضيح ذلك، ولنبدأ بتعريف التفكير.

فتعريف التفكير بهذه الأركان الأربعة، وبهذه الآلية فكرة إسلامية صحيحة، فالعقل يدرك مطابقة تعريف التفكير هذا لواقع التفكير، فالمشاهد المحسوس أن كل البشر يفكرون بهذه الآلية، ينقلون الواقع بحواسهم إلى أدمغتهم، فمن كان لديه معلومات سابقة متعلقة بالواقع أدركه وفهمه وفسره وأصدر حكماً عليه، ومن لم يكن لديه معلومات سابقة متعلقة بذلك الواقع لم يجب ولم يفهم الواقع، وإن أجاب فسيخطئ في ذلك، فالعقل يصدّق هذا التعريف ويدرك انطباقه على واقعه.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو