القومية هي القوة الدافعة للتجزئة الدموية في بلاد المسلمين
July 12, 2020

القومية هي القوة الدافعة للتجزئة الدموية في بلاد المسلمين

القومية هي القوة الدافعة للتجزئة الدموية في بلاد المسلمين

(مترجم)

ما حدث في سربرينيتشا خلال حرب البوسنة - والذي أسفر عن مصطلح سياسي شعبي وهو "البلقنة" - كان وصمة عار في تاريخ السياسة الحديثة. وقد أثر نزع الشرعية عن قيادة الأنظمة الشيوعية الاشتراكية على السياسات الداخلية في يوغسلافيا في أوائل التسعينات، ثم أدى إلى تقسيم يوغوسلافيا إلى دول عدة: سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، ومقدونيا. وقد وصفها معارضو النظام الاشتراكي بأنها موجة من الديمقراطية لأنها أنهت حكم النظام الشيوعي في يوغوسلافيا. وللأسف، فقد أشعلت هذه الموجة روح القومية القائمة على العرق والدين. ونتيجة لذلك، أصبح مصطلح بلقنة يُعرف الآن على نحو أفضل بالمصطلح الجيوسياسي الازدرائي المطابق لتفكك منطقة واحدة.

كان على المسلمين أن يدفعوا ثمناً باهظاً جداً بسبب هذه "البلقنة". وشهدت حرب البوسنة التي استمرت 3 سنوات، من عام 1992م إلى عام 1995م، التطهير العرقي للمسلمين من مئات المدن والقرى. وبصرف النظر عن التاريخ الطويل والمظلم لحرب البوسنة، سيركز هذا المقال على مفهوم القومية الدموية التي هي الوقود الرئيسي للبلقنة في البلاد الإسلامية وكذلك سبب فقدان الآلاف من أرواح المسلمين في البوسنة. كان هذا المفهوم هو الذي شجع الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش على التطهير العرقي للمسلمين البوسنيين لخلق رؤيتهم القومية لصربيا الكبرى، مع إقليم صربي نقي عرقيا على طول نهر درينا.

لا يمكن فصل فكرة القومية الخطيرة والسامة التي تملّكت ميلوسيفيتش عن الجذور التاريخية للقومية نفسها. إنها متجذرة في مفهوم السيادة الويستفالية التي طورتها الدول النصرانية المتحاربة في أوروبا في عام 1648م وتجلت في مفهوم الدولة الإقليمية. وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر الميلادي. وإن فكرة القومية تعتبر أن الدولة الشرعية مرتبطة بأمّة، وهي مجموعة عرقية معينة أو مجموعة أو شعب يقتصر على حدود جغرافية معينة.

لذلك فإن القومية ليست لها جذور تاريخية في الحضارة الإسلامية. وإذا ألقينا نظرة فاحصة على الجدول الزمني التاريخي، فإن القومية كانت حقيقة جديدة مفروضة على خرائط البلاد الإسلامية المرسومة. ووفقا لباحث الحضارة الإسلامية في إندونيسيا، البروفيسور أجيد ثوهير، فإن القومية ولدت في البلاد الإسلامية نتيجة للمصالح الاستعمارية في القرن الثامن عشر حتى بداية القرن العشرين الميلادي. وللأسف، فقد عززت بشكل غير مباشر روح الانقسام السياسي بين المسلمين.

في الواقع ومنذ القرن الثامن حتى القرن الثامن عشر الميلادي فإن الأمة الإسلامية كانت أمة موحدة تحت قيادة واحدة مركزية وهي الخلافة (الدولة العظمى). ومنذ ولادة رسالة محمد ﷺ عاش المسلمون أمة واحدة، ليسوا فقط متحدين تحت عقيدة واحدة ولكن أيضاً تحت نظام واحد. واليوم رغم وجود أكثر من مليار مسلم، لكن المسلمين يعيشون في بلاد مجزأة أقيمت على دولتهم الواحدة، ويديرون حكوماتهم المنفصلة، ويطبقون قواعدهم الدينية على أساس مصالحهم في بيئاتهم المنفصلة.

ومنذ بداية القرن العشرين، شهد المسلمون عملية "بلقنة" على الصعيد العالمي تحت ستار القومية والنضال من أجل تقرير المصير، جنبا إلى جنب مع إنهاء الاستعمار الذي أسفر عن العديد من البلدان الجديدة باسم الاستقلال عن الاستعمار الغربي. فتم تقسيم البلاد الإسلامية إلى أكثر من خمسين دولة قومية. وليس هذا فقط، فقد وقعت الأمة الإسلامية في فخ الهيمنة الغربية الجديدة. ثم عاشت هذه البلاد الإسلامية في ظل نظام الدولة القومية العلمانية، وهي محاطة بهيمنة الرأسمالية ومليئة بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ومن المفارقات أن مصير المسلمين صار بعيدا عن التقدم والكرامة والازدهار. فقد قُتل حوالي 12.5 مليون مسلم في العديد من الحروب على مدى السنوات الـ25 الماضية، وفقًا للباحث رفيق توران، رئيس الجمعية التاريخية التركية، الذي قال في مؤتمر عام 2018م في إسطنبول، "هذا يماثل تقريبا الخسائر في الحرب العالمية". وهذا الرقم لا يشمل تعذيب البوذيين للمسلمين حتى الموت في ميانمار، وعلى يد الصينيين في تركستان الشرقية. بالإضافة إلى ذلك، تم استبعاد ملايين المسلمين الذين يموتون من الجوع والأمراض والهجرة والكوارث الأخرى التي من صنع الإنسان من تلك القائمة.

كما أن حدود الدولة القومية جعلت المسلمين الروهينجا ينفصلون عن إخوانهم المسلمين في بنغلادش وماليزيا وإندونيسيا. حدث هذا أيضاً لمسلمي الإيغور الذين عانوا في ظل الطاغية الصيني وتخلّي حكام المسلمين عنهم بسبب إعطاء الأولوية لمصالحهم الاقتصادية الوطنية. ولا يشمل ذلك مئات الآلاف من اللاجئين المسلمين عديمي الجنسية الذين نزحوا من سوريا والعراق وفلسطين. هذا هو الثمن الباهظ الذي ندفعه مقابل انقسام الأمة وتقسيمها.

في الواقع، فإن الإسلام يمنع ويشجب بشدة العصبية (أو التعصب) بما في ذلك القومية، كهوية للمسلمين، بدلاً من رابطة الأخوة الإسلامية. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: 49]. فيعلمنا الإسلام أن أقوى رابطة بين المسلمين هي رابطة العقيدة الإسلامية التي تتجلى في الأخوة الإسلامية ويجب أن توضع هذه الرابطة فوق العرق أو الجنس أو اللون، قال النبي ﷺ: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ». رواه أحمد.

وبمجرد أن عرف الغرب هذا السر في قوة الأمة الإسلامية، بذلوا جهودهم لضربه والقضاء عليه، أو على الأقل إضعاف مبدأ الولاء والبراء في قلوب المسلمين. فتبنّوا فكرة "القومية" لتحقيق هدفهم الشرير. وبالتالي، فإن الواقع القاسي الذي يجب أن يواجهه المسلمون ويختبرونه هو فقدان مفهوم الولاء والبراء من قلوب أجيالهم المتعاقبة. فقد تضاءل ولاؤهم للإسلام تدريجياً، وتحطم في نهاية المطاف بسبب المفاهيم الخاطئة.

إن أي أفعال ونضالات قامت بها الأمة المسلمة لم تعد لصالح الإسلام ولا من أجل التمسك بكلمة الله على هذه الأرض. لقد اهتز الاعتقاد بأن الإسلام رحمة لجميع المخلوقات. لم يعودوا راغبين في تبني القيم والأحكام الإسلامية لازدهار العالم وتقدم الأمة. وقد حذر الإسلام منذ وقت طويل أمته من الوقوع في هذا النوع من الفهم الخاطئ، حيث صنف القومية على أنها من الجاهلية وقد أدان النبي ﷺ بشدة من دعا إلى العصبية والتعصب واصفاً إياهم أنهم من الجاهلية: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». رواه مسلم.

وقد شرح الشيخ محمد سعيد القحطاني هذا الحظر الصارم أكثر فأكثر حيث قال: "إن القومية هي شكل من أشكال الشرك، لأنها ستطلب من أحد أن يقاتل من أجلها، ويكره جماعة أخرى تصبح عدوه - بغض النظر إن كانوا من المسلمين أم لا - وبهذه الطريقة أقامها بشكل غير مباشر كشريك مع الله سبحانه وتعالى".

حتى إن محمد قطب جعل فكرة القومية تتماشى مع الأيديولوجيات الهرطقية الأخرى مثل الشيوعية والعلمانية والديمقراطية، والتي تتعارض مع العقيدة الإسلامية ويمكن أن تُبطل إسلام شخص ما. ورجح أن هذه الفكرة تعلّم أتباعها فصل الإسلام عن حياتهم. ولا يختلف رأيه كثيراً عن رأي أبي العلاء المودودي - وهو عالم باكستاني - الذي رفض في إحدى كتاباته دمج الإسلام مع فكرة القومية. ولم يوافق أي شخص يدعي أنه قومي مسلم، لأنه لا يمكن لأي من الإسلام والقومية أن يتماشيا معا.

لقد قسمت القومية المسلمين وأضعفتهم، وجعلتهم كالأيتام بفقدان الوصي عليهم، وجعلتهم فريسة مصيرهم تحت رحمة المفترسين الذين ينهبونهم واحداً تلو الآخر كل ليلة. تخيلوا أنه في عام 1995م وحده، فقدنا 8000 مسلم في البوسنة، وخلال هذه السنوات الـ 25 فقدنا أكثر من 12.5 مليون مسلم! زادت 1500 مرة! وعلاوة على ذلك، فإن هذا لا يشمل بيانات من جميع الساحات الدموية في جميع أنحاء العالم. هذه هي الحالة البائسة للأمة الإسلامية اليوم، نتيجة لفقدان درعها الحامي، الخلافة، التي سقطت عام 1924م، قبل حوالي 100 سنة.

لقد فرض الإسلام على أمته أن تعيش تحت قيادة سياسية واحدة هي الخلافة. يُمنع تجزئتهم تحت أكثر من قيادة سياسية، ناهيك عن العيش المضطهد تحت طغيان أغلبية الكفار. فلنعمل على إعادة درع الأمة الحامي الذي سيقضي على هيمنة الكفار على المسلمين ويحمي دم وكرامة النساء والأطفال المسلمين في جميع أنحاء العالم! الخلاص الوحيد للأمة هو عودة الخلافة على الطريقة النبوية.

قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ». صحيح مسلم.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو