القيم الإسلامية وليست اللقاحات هي أقوى دفاع ضد فيروس جدري القرود
August 06, 2022

القيم الإسلامية وليست اللقاحات هي أقوى دفاع ضد فيروس جدري القرود

القيم الإسلامية وليست اللقاحات هي أقوى دفاع ضد فيروس جدري القرود

(مترجمة)

في 23 تموز/يوليو 2022، أعلنت منظمة الصحة العالمية أخيرا أن تفشي جدري القرود يشكل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا. وقالت على لسان رئيسها: "لدينا تفش انتشر في جميع أنحاء العالم بسرعة، من خلال طرق جديدة لانتقال العدوى، والتي لا نعرف عنها سوى القليل جدا. ولكل هذه الأسباب، قررت أن التفشي العالمي لجدري القرود يشكل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا".

يسبب فيروس جدري القرود المرض في العديد من أنواع الحيوانات، وأول حالة انتقال تم تسجيلها من الحيوانات إلى البشر كانت في عام 1970 في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ومنذ ذلك الحين، اقتصر جدري القرود إلى حد كبير على أفريقيا مع وجود متغيرين معروفين للفيروس: النوع الأكثر فتكا وهو من وسط أفريقيا (بمعدل وفيات، 10.6٪) والنوع الأقل شدة وهو من غرب أفريقيا (بمعدل وفيات، 3.6٪). وأول حالة ظهرت خارج أفريقيا كانت في عام 2003 في أمريكا، والتي تبين أنها بدأت في حيوانات أليفة مستوردة من غانا ثم انتقلت إلى حيوانات أليفة أخرى ومنها إلى البشر. ومنذ ذلك الحين، شوهدت العدوى بين الحين والآخر بين المسافرين العائدين من أفريقيا، ولكن انتقال العدوى منهم إلى أشخاص آخرين كان محدودا للغاية.

ولكن هذا العام، يوجد شيء جديد وغريب يحدث. حيث إن هنالك انتقالاً مستمراً لم يسبق له مثيل من شخص لآخر منذ الإعلان عن أول حالة في لندن في 7 أيار/مايو.

ومنذ ذلك الحين، أصاب فيروس جدري القرود 17,852 شخصا من 69 بلدا خارج أفريقيا، و243 شخصا من 6 بلدان داخل أفريقيا (منذ بداية العام) وفقا لبيانات من المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية (CDC) نشرت في 25 تموز/يوليو. خارج أفريقيا: تمثل دول الاتحاد الأوروبي ثلثي الحالات، في حين إن الدولة التي لديها أكبر عدد من الحالات هي الولايات المتحدة مع 3846 حالة منتشرة على 47 ولاية. ولوضع الأمر في منظوره الصحيح، فلنأخذ بعين الاعتبار الوضع في أفريقيا على مدى السنوات الثلاث الماضية، حيث الفيروس متوطن والعدوى يحركها الاتصال البشري الطبيعي بالحيوانات المصابة: سجلت أفريقيا 7,376 حالة في عام 2020، و3,050 حالة في عام 2021 و2,030 حالة حتى الآن هذا العام. كانت أعداد الحالات ثابتة في أفريقيا على مدى السنتين الماضيتين، ولكنها ترتفع بشكل متسارع خارج أفريقيا.

إن البلدان التي فيها معظم الحالات هي تلك التي تقع في بؤرة "التسامح مع الانحراف الجنسي" المدفوع أيديولوجياً. حيث أظهر تقرير لمركز بيو للأبحاث في 25 حزيران/يونيو 2020 أن "الرأي العام حول قبول المثلية الجنسية في المجتمع لا يزال منقسما بشكل حاد حسب البلد والمنطقة والتنمية الاقتصادية"، مع كون قبول المثلية في عام 2019 أعلى بكثير في الغرب من أي مكان آخر. وبالنسبة للبلدان الخمسة الأولى في العالم التي تم تسجيل حالات جدري القرود فيها، كانت نسبة القبول هي الأعلى؛ 89٪ في إسبانيا التي ليس من قبيل المصادفة أنها الدولة الأوروبية التي لديها الآن أكبر عدد من الإصابات، تليها 86٪ في كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا التي تحتل المرتبة الثانية والثالثة والرابعة في أوروبا من حيث الإصابات. وفي الولايات المتحدة، 72٪ قالوا إن المثلية الجنسية يجب أن تكون مقبولة من المجتمع، مقارنة بـ37٪ في الهند و7٪ في نيجيريا. كما يوضح الرسم البياني أدناه العلاقة بين قبول المثلية الجنسية وعدد الحالات. وقد تم إعداده من خلال أخذ البيانات من البلدان الخمسة الأولى والدول الأوروبية الثلاث ذات المواقف الأقل لبرالية بكثير تجاه المثلية الجنسية ومن ثم حساب الإصابات لكل مليون من السكان باستخدام بيانات السكان الحالية للأمم المتحدة.

الرسم البياني للمقالة

من الواضح أن هناك ثمنا سيدفع مقابل الحض على ليبرالية المواقف تجاه المثلية الجنسية. فقد أظهرت دراسة أجريت على 528 حالة من 16 دولة تم نشرها في مجلة نيو إنجلاند الطبية بأن 98٪ من الحالات المسجلة خارج أفريقيا حدثت لدى رجال يعترفون بممارسة الجنس مع رجال آخرين، والذين أبلغوا عن معدل لممارسة الجنس مع 5 رجال آخرين خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وبشكل منفصل، أظهرت بيانات المملكة المتحدة الحكومية بأن 31٪ من المصابين كان لديهم ما لا يقل عن 10 شركاء جنسيين في الأشهر الثلاثة الماضية! وليس من المستغرب بأن 41٪ من المصابين بجدري القرود، كانوا أيضا بفيروس الإيدز (فيروس نقص المناعة البشرية).

إنه لا يتم التسامح مع المثلية الجنسية والعديد من الانحرافات الأخرى فحسب، حيث كانت ذات يوم مستهجنة في الغرب، ولكنه يتم تشجيعها من جانب المجتمعات الديمقراطية من خلال التشريعات ووسائل الإعلام والفنون. يعتبر المثليون جنسيا الآن "مجتمع أقلية" والذي، وبالتماشي مع الفكر التعددي الغربي، يحتاجون إلى أن يُعطوْا صوتا جنبا إلى جنب مع المتحولين جنسيا وغيرهم ممن يتبنون ممارسات منحرفة. وعلى مراحل، انتقلت المثلية الجنسية من كونها جريمة، إلى كونها مسموحا بها، إلى مقبولة اجتماعيا، ثم إلى كونها عصرية مع شخصيات مثلية يتم تقديمها وبشكل متزايد على أنها قدوة. أظهر بحث بيو أنه قبل عشرين عاما، كان 42٪ من الأمريكيين يعتقدون بأن المثلية الجنسية "لا" ينبغي أن يقبلها المجتمع، لكن هذا الرفض انخفض إلى نصف هذا المستوى مع معارضة 21٪ فقط من الأمريكيين للقبول المجتمعي للمثلية الجنسية في عام 2019. هذه المواقف المتغيرة، وبينما كانت جماعات الضغط الليبرالية تكتسب القوة، قابلها تمرير لتشريعات. ففي عام 2004، أصدرت إحدى الولايات الأمريكية تشريعا يسمح بزواج المثليين، وفي عام 2015 أصبح زواج المثليين قانونيا لجميع الولايات الأمريكية البالغ عددها 50 ولاية. وكانت هولندا أول دولة في العالم تشرع زواج المثليين في عام 2001، والآن أصبح زواج المثليين قانونيا في 32 دولة.

لقد حذر النبي محمد ﷺ من عواقب السماح للفجور بأن ينتشر. وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: التفت إلينا رسول الله ﷺ وقال: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ؛» وكانت أولى هذه الابتلاءات: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا».

يمكن لهذا الفيروس أن يصبح وباء عالميا مثل كوفيد-19، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بمدى خطورة ذلك. وعلى الرغم من أنه لم يتم الإبلاغ عن أية وفيات حتى الآن في أوروبا أو أمريكا، إلا أن جدري القرود يمكن أن يصبح أكثر خطورة. فالفيروسات تتحور بسرعة ويمكن أن تصبح أكثر تكيفا للانتشار فيما بين مضيف جديد (أي البشر)، وهناك أدلة على أننا بتنا نشهد ذلك بالفعل مع 6 إلى 12 ضعفاً مما كان متوقعا للطفرات التي تم اكتشافها في جينات الفيروسات من هذا التفشي. ويمكن لفيروسين متشابهين أيضا إعادة الاندماج بعضهما ببعض لتوليد فيروس جديد بأسوأ خصائص كليهما. وإن المتحور المنتشر حول العالم الآن هو المتحور الأقل حدة القادم من غرب أفريقيا. ومع ذلك، ومع زيادة عدد الإصابات، تزداد أيضا فرصة إصابة شخص ما وفي الوقت نفسه بمتغير وسط أفريقيا الأكثر حدة، ما يجعل من الممكن حدوث "حدث إعادة تركيب" يؤدي إلى ظهور متغير جديد ليس فقط شديد الانتقال بين الناس، وإنما أيضا أشد فتكا.

كما هو الحال مع وباء الإيدز الذي بدأ في الثمانينات، بدأ هذا الوباء (ولكن ليس على سبيل الحصر) مع الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال. وقد أصاب جدري القرود مؤخرا الأطفال والرضع في الولايات المتحدة وهولندا وإسبانيا. وإذا بدأ الفيروس في الانتشار على نطاق واسع خارج ما يسمى بـ"مجتمع المثليين جنسيا"، فإن الكثيرين يخشون من أن الفئات الأكثر ضعفا من الناس ستعاني بشكل أسوأ، وخاصة الحوامل. ولقد حذرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

مع الترويج النشط للانحرافات والحيد عن النظام الاجتماعي الإسلامي في بلاد المسلمين من قبل أشخاص مضللين يتَّبِعون أجندات الوكالات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية وفقا للأجندة الأوروبية، يحتاج المسلمون إلى مواصلة الدفاع عن قيم الإسلام الثمينة وعدم التزام الصمت أمام الهجمة العلمانية التي تهددنا جميعا.

تريد الوكالات الصحية الغربية وقف انتشار فيروس جدري القرود، ولكنها تريد فعل ذلك عن طريق تلقيح الرجال الذين يمارسون الجنس مع 10 رجال آخرين كل 3 أشهر بلقاح كمياته قليلة جدا. إنهم لا يعترفون بأن الترويج العدواني للشذوذ الجنسي وتطبيعه في الرسوم المتحركة للأطفال وفنون وسائل الإعلام والمدارس وفي كل مكان هو ما يسمح لهذا الفيروس بالانتشار كالنار في الهشيم. إنهم يخدعون أنفسهم وهم واقعون في شراك أيديولوجية فاشلة لا تهدد اللياقة الإنسانية فحسب، بل تهدد الإنسانية نفسها على كل المستويات. يحذر القرآن من أن الفساد على نطاق واسع له عواقب، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

ومع استمرار هذا الوباء بالانتشار، لا يزال الليبراليون الأيديولوجيون يطالبون بمزيد من حقوق الشواذ جنسيا دون الاهتمام بالمجتمع. إنهم أكثر انحرافا من المنحرفين أنفسهم. كل من يجرؤ على النطق بكلمة لصالح حق المرأة في استخدام المرحاض دون خوف من أن يحاصرها هناك رجل يتظاهر بأنه امرأة، يوصف هذا بأنه "كاره للمتحولين جنسيا" ويخاطر بتدمير حياته المهنية. إن بعض أعداء الإسلام يخاطرون في كل حين بإغضاب المسلمين في جميع أنحاء العالم من خلال رسم رسوم كاريكاتيرية مهينة للنبي محمد ﷺ أو للمسلمين، وفي هذه الحالات ستحميهم جميع قوى الدول الغربية. لكن لا أحد حقا يجرؤ على التفكير في نشر رسم كاريكاتيري للشواذ جنسيا أو المتحولين جنسيا في واحدة مما يسمى بالمجتمعات الحرة اليوم! هذا ليس اقتراحا للرسم، ولكن القضية توضح مدى القوة التي وصلت إليها جماعات الضغط الليبرالية، وكيف أصبحت المجتمعات الغربية فخورة بالانحرافات. حتى إنهم يطلقون التسميات على الكرنفالات من أجل جمع جميع أنواع المنحرفين معا لارتداء الملابس والسير والصراخ والرقص والقيام بأشياء أخرى تحت مسمى "الاعتزاز". وترتبط العديد من الإصابات بمثل هذه الاحتفالات، ولكن فقط أشجع السياسيين في الديمقراطية الليبرالية هم الذين يجرؤون على اقتراح إلغاء مثل هذه الأعمال.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور عبد الله روبين

المراجع:

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو