الرادار: دارفور بين نيران الحرب ومخاطر الانفصال مؤامرة تتكشف خيوطها
August 17, 2025

الرادار: دارفور بين نيران الحرب ومخاطر الانفصال مؤامرة تتكشف خيوطها

الرادار شعار

2025-08-13

الرادار: دارفور بين نيران الحرب ومخاطر الانفصال
مؤامرة تتكشف خيوطها

بقلم المهندس/حسب الله النور

صرّح حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، قائلاً: “إذا استمرت ما تُسمى بحكومة التأسيس لمدة عام أو عامين، فستصبح دارفور دولة من الدول كأمر واقع، وسترفع منظمات الأمم المتحدة أعلامها في مطارات ومعابر دارفور لمنع القصف الجوي”.


وفي سياق متصل، وأثناء مخاطبته تجمعاً ضم قيادات الإدارة الأهلية، وممثلين للقوى السياسية، وروابط إقليم دارفور بمدينة بورتسودان، أول أمس الجمعة، قال إن ما يجري حالياً على الأرض يُعد تنفيذاً فعلياً لخطة تهدف إلى تقسيم السودان، واصفاً إياها بـ”المؤامرة التي لن تنجح”، لأن الشعب السوداني، حسب تعبيره، سيقف في وجهها ويفشلها من خلال تمسكه بوحدة البلاد، ومقاومته لأية مشاريع تهدد كيان الدولة السودانية. (الجزيرة السودان، 3/8/2025م)

التعليق:


بشكل مفاجئ، ظهر الإعلام في السودان، وهو يتناول مخطط فصل دارفور، وكأن الأمر نزل من السماء، أو خرج من باطن الأرض، أو جاءت به الريح من مكان بعيد، ليصبح فجأة حديث المجالس!
فهل كان هذا الظهور مفاجئاً؟ أم أنه أمر دُبّر بليل؟


إن فصل جزء من أي بلد ليس بالأمر العابر، ولا بالهين، بل هو أمر خطير يستوجب التعامل معه باعتباره مسألة حياة أو موت، كما قال السلطان عبد الحميد رحمه الله: “إن عمل المبضع في جسدي وأنا حي، أهون عليّ من أن أُوقّع على تنازل يُفرّط بشبر واحد من أرض فلسطين”.


وقد اتخذت أمريكا، إبان تمرد الجنوب الأمريكي، إجراءات صارمة، فشنّت حرباً لا هوادة فيها، بلغ عدد القتلى فيها أكثر من ستمائة ألف، وكل ذلك لمنع الانفصال.


وكذلك وقفت بريطانيا، وإسبانيا، وروسيا موقفاً صارماً في وجه الانفصال، وهذا هو الموقف الصحيح الذي ينبغي أن تتخذه كل الدول التي تحترم نفسها وشعبها.

ولما كان الانفصال بهذا المستوى من الخطورة، كان السعي إليه يتطلب توفّر عناصر رئيسية، منها:


1- خلق قضية مظالم، يلتف حولها إقليم أو أكثر.


2- وجود عملاء في الداخل، لديهم الاستعداد للقيام بهذا الدور القذر، ومن خلفهم جمهور من الجهلاء؛ الذين يُساقون لتنفيذ المخطط دون وعي.


3- العنصر الخارجي، الذي يدير العملية برمتها؛ إعلامياً، وعسكرياً، وسياسياً، ويسخّر الدول الإقليمية الوظيفية لخدمة هذا المشروع حتى يُنفّذ بالكامل.


وقد حدث ذلك مراراً في التاريخ القديم والحديث:


فقد فُصلت دول البلقان عن الخلافة العثمانية، وتبعتها بلاد العرب، وكان ذلك بمثابة الإشارة الحمراء لانهيار الخلافة، بدعم مباشر من الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا.

وتم فصل دول البلطيق من الاتحاد السوفيتي فكان مقدمة لانهياره بتخطيط أمريكي ومساعدة أوروبية.


وما جرى في يوغوسلافيا، وإثيوبيا، والصومال، والسودان، ليس ببعيد. وقد أقر عمر البشير، بأن أمريكا هي التي وقفت وراء فصل الجنوب، والعجيب أنه هو نفسه من نفّذ ذلك المخطط! وهذا ما يُعدّ له اليوم في دارفور.

فإذا كان الانفصال يؤدي إلى إضعاف الدولة، وربما إلى تفتيتها وتدميرها بالكامل، وهو أمر مرفوض قطعاً، فإن العمل عليه يتم بمرحلة تحضيرية وتمهيدية، حتى لا يُكشف ويُجابه بالرفض. وهذا ما يجري اليوم في السودان.


فنلاحظ أن فكرة الهامش، التي تطورت إلى دول الستة وخمسين، ودولة الشريط النيلي، وما يُسمى بدولة الجلابة، كانت المحور الفكري، الذي دارت حوله قوات الدعم السريع، ومناصروها.

أما العنصر الخارجي، فقد برزت أمريكا منذ اللحظة الأولى للحرب، باعتبارها الراعي الرئيسي لها، حيث أعلنت أن الحل السياسي عبر التفاوض هو السبيل الوحيد، وجيّشت الدول الإقليمية، وما زالت تمسك بكل خيوط اللعبة، فتُقيم المؤتمرات، أو تلغيها متى شاءت، وتُحدد الأطراف، والأجندة، والمكان والزمان.


وعلى المسرح الداخلي، تم إعداد قوات الدعم السريع بعناية مالياً وعسكرياً وتدريباً وتسليحاً، حتى وصلت إلى الخرطوم، وتموضعت في مفاصل الدولة، لتصبح جيشاً موازياً يمسك بتلابيب الدولة، بدل أن يكون مسانداً لها. وتم كل ذلك تحت سمع وبصر، بل بدعم من قيادة الجيش، رغم التحذيرات الاستخباراتية، ورغم اعتراض رتب رفيعة داخل المؤسسة العسكرية، انتهى بها الحال إلى الإحالة للتقاعد!


وعندما حانت ساعة الصفر، وفشلت قوات الدعم السريع في الاستيلاء على السلطة، انتقل المخطط إلى المرحلة “ب”، وهي فصل دارفور.


لقد دارت رحى حرب، قُتل فيها عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، ودُمرت البنى التحتية للدولة، وشُرّد الملايين، وتوسّعت سيطرة قوات الدعم السريع على الولايات المجاورة، حيث مارست أبشع أنواع الاضطهاد ضد السكان. وهذا هو الحال الآن في كردفان، رغم وجود جيوش جرارة في الأبيّض، حيث يتعرض الناس في شمالها وغربها لأبشع الجرائم الوحشية. وقد سبق ذلك انسحاب الجيش من أربع عواصم في ولايات دارفور لصالحها، دون مقاومة تُذكر.


خلاصة القول: إن هذه الحرب قد أُديرت بشكل خلق شرخاً عميقاً، وعداءً متنامياً بين أبناء البلد، وكان ذلك هدفاً مقصوداً، ومحطة رئيسية في طريق الانفصال. ثم جاءت حكومة التأسيس لتكون إشارة أقوى بأننا نقترب من المحطة النهائية.

في ظل هذا الواقع، يُفهم أن تصاعد الحديث عن فصل دارفور، هو نوع من تهيئة الرأي العام لهذا العمل الإجرامي الذي يهدد وحدة البلد وربما وجودها. وهنا، تصبح المسؤولية جماعية، ولا يُستثنى منها أحد. فلينظر كلٌّ منا، أن لا تؤتى البلاد من قِبَله.


إن وحدة الأمة الإسلامية فرض، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ»، وفي حديث آخر: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». فكيف إذا كان الأمر بتفتيت المفتت وتقسيم المقسم؟!

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حسب الله النور – ولاية السودان

  المصدر: الرادار

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار