الرأسماليّة تهلك الحرث والنسل
June 20, 2014

الرأسماليّة تهلك الحرث والنسل


إن طبيعة النظام الرأسمالي أنه من جنس فكرته المنبثق عنها: فصل الدين عن الحياة.. ليصبح الإنسان سيد هذه الحياة وصاحب الحق في امتلاكها وإدارتها.. ويُقصي كل أمر متعلّق بتدخل الدين في شؤون الحياة..


ولهذا نجد أن النظام الرأسمالي يستميت في محاربة التشريع الإلهي حتى يفسح المجال لتشريع البشر.. ومتى كان الإنسان مُشرّعا عمّت الفوضى..
لأنّ طبيعة الإنسان أنه كائن حي لديه طاقة حيوية تتطلّب الإشباع.. وكلما شعر الإنسان بتهديد في إشباعاته زادت فوضويته وتدافعه نحو تلبيتها.. وزادت معها رغبته في ضمان هذا الإشباع وديمومته..


وهكذا كانت النظرة الرأسمالية للإنسان نظرة فردية بوصفه سيّد الوجود وله الحق في التمتع بالحياة بلا كيف ولا كم ّ ولا سلطان لدين ولا لحاكم.. فالدولة الرأسمالية هي ملبّية لحاجات الأفراد مهما صغرت أو عظمت.. وهنا وقع النظام الرأسمالي في مأزق كبير.. بين متطلبات الفرد والعروض المتاحة له.. وزاد البون بين العرض والطلب وهذا ما يُعرَف بالندرة النسبية..


فالمشكلة الأساسية في الاقتصاد الرأسمالي هي عدم كفاية السلع والخدمات للحاجات المتعددة والمتجددة للأفراد.. وكلّما زاد التقدم العلمي والتكنولوجي زادت حاجة الفرد إلى الإشباع والانتفاع..


ومن هنا يُفهم سرّ انصباب الجهود على زيادة الإنتاج وتنميته ووفرته.. ويُفهم معنى حريّة التملّك والعمل والتي تُمكّن الفرد من أخذ الثروة وحيازتها وفق ما يملك من أدوات لإنتاجها.. والشعار في ذلك "دعه يعمل.. دعه يمرّ".


وهذا يجعل الثروة بأيدي فئة معيّنة داخل المجتمع.. فئة الأقوياء الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال الذين يملكون الحق في توزيع الثروة لأنها من نصيبهم ويمكّنهم من فرض قيود وشروط مالية قاسية على المستهلكين.. سواء أكانوا أفرادا أم دُوَلا..


وبهذا الحق تمكّن هؤلاء من السيطرة على البلاد والعباد، حتى صار لهم الدور الكبير في صناعة القرار في الداخل والخارج.. وصارت الهيئة التشريعية تخضع لضغط هذه الفئات المستحكمة والمتنفذة داخل المجتمع..


من هنا كان الفقر في العالم.. وكان استعمار الشعوب ونهب ثرواتها.. وكانت الحروب والدمار.. سببه السياسة الاقتصادية الرأسمالية التي حصرت المشكلة في إنتاج الثروة وليس في توزيعها بما يكفي حاجات الإنسان بوصفه إنساناً لا بوصفه فردا..


وقد كشفت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن 85 ثريا يملكون نصف ثروة العالم.. موضحة أن نصف ثروة العالم التي تبلغ 110 تريليونات دولار هي بيد 1 بالمائة من السكان..


وقد أدت هذه السياسة الاقتصادية الفاشلة أن ترى أن الجوع والفقر اللذين يجتاحان العالم سببهما هي الزيادة السكانية في العالم على اعتبار أن طاقة السكان على التزايد تفوق قدرة الأرض على إنتاج المواد اللازمة للإنسان.. مع العلم أن إنتاج الغذاء العالمي يفوق ويزيد على مقابلة الحاجات الغذائية لسكان الكرة الأرضية كلها..


وعوض أن يُبحَث الحل على ضوء سياسة اقتصادية رشيدة تعمل على توزيع الثروة بما يحقق الرعاية والكفاية للناس.. انصبّ البحث على طرق التقليل من النوع الإنساني وتحديد نسله بحجة أن مساحة الأرض غير قادرة على استيعاب أعداد تفوق المعدلات السكانية الحالية وأن النمو الديمغرافي يفوق الثروة في العالم وهو سبب الفقر..


نعم.. هكذا كان حلّ مشكلة الفقر في النظام الرأسمالي.. بالحدّ من الإنجاب وتحديد النسل وتقنين ذلك في بعض الدول.. والحثّ عليها من قبل الهيئات العالمية والدولية..


ثم إن الغرب يدّعي أن تلوث البيئة وفساده ناشئ عن كثرة النفوس وكثافة السكان، ولذا يجب تحديدها، بينما الأمر ليس كذلك، فإن الفساد ناشئ بحسب اعتراف الغرب من البلدان الصناعية نفسها، إذ زيادة درجة حرارة الأرض إنما هي نتيجة تمزق الغلاف الجوي المحيط بالأرض، المتسبب عن الغازات التي تفرزها المعامل والمصانع وخاصة العسكرية والنووية منها، وزمامها بيد الغربيين، كما إن تلوث مياه الشرب ناشئ عن إلقاء نفايات المصانع الذرية وغير الذرية في المياه، وكذلك يكون اضطراب الأحوال الجوية وتوترها، مثل كثرة الأمطار وقلتها، وكثرة الأمراض وشيوعها، وفساد المزارع وخرابها، واحتراق الغابات ودمارها، وغير ذلك من الكوارث الطبيعية، فإن أغلبها سببه استعمال وتصنيع الأسلحة الحديثة، وبسبب التجارب النووية من تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية وغيرها كما اعتاده الغرب.


إن سياسة تحديد النسل كان عملا ممنهجا ومؤطّرا منذ بداياته لأنه متعلّق أساسا بالسياسة الاقتصادية الرأسمالية.. وقد عملت به دول غربية كثيرة..


وللتمويه فإن هذا المشروع يتم بتغطية علمية من بعض الجمعيات العالمية والمحلية لمساعدة اليونسيف، وبعض وزارات الصحة العمومية، ومؤسسات تنظيم الأسرة المحلية، التي تتبارى في إجراء البحوث والدراسات الميدانية للعمل على خفض نسبة مواليد السكان لديها.


وهذه المؤسسات التي تتقاضى تمويلات ضخمة لهذا الشأن، تُمنح إضافة لذلك أوسمة غربية من الدرجة الأولى لمساهمتها في الحد من الزيادة السكانية، وما يسمى وفق مصطلحهم بالانفجار السكاني الذي قد يهدد بتفاقم مشكلة نقص الغذاء المتوهمة عالمياً.


ومن الأمور التي ساعدت على تحديد النسل، هي دعم المنظمات الدولية لهذا المشروع: بعض قرارات صندوق النقد الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، والمنظمات المرتبطة بهذه المؤسسات، والتي تفرض شروطا مريبة لإقراض الدول الفقيرة، منها تحديد النسل والتنظيم العائلي..


وقد عملت الصين الشعبية مثلا بسياسة الطفل الواحد وقالت هذه السلطات أن هذه السياسة منعت أكثر من 250 مليون ولادة منذ تطبيقها وحتى السنة 2000.. وقد يخضع متجاوزو هذه السياسة إلى عقوبات تجرّدهم من امتيازاتهم وتحرمهم من الاستفادة من خدمات الدولة..


كما أن ادولف هتلر قد مارس سياسة العقم الإجباري لتحسين نسل الألمان والحد من الإنجاب المتهافت..


وعملا في نفس السياق أصدر الحبيب بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية والتي طرح فيها مشروع تحديد النسل.. ونوقشت المسألة على ضوء تحسين الوضع المعيشي بالحد من الإنجاب ممّا أدى إلى تناقص سكاني سريع وارتفاع في معدل التهرّم..


وتوالت بلدان العالم الإسلامي في انتهاج هذه السياسة دون إدراك لغايتها الحقيقة.. بل كان العمل بها يحظى بتشجيع حكومي وتغطية إعلامية كبيرة وحتى برامج التعليم كانت تستحسن فكرة الحد من الإنجاب وتجعل "تحديد النسل" محورا رئيسيا في منهجيتها.. حتى إنها تعرف الطلاب في سن مبكرة على وسائل تحديد النسل والوقاية من الإنجاب..


أما أدعياء حقوق المرأة والجمعيات النسوية فقد جعلوا من هذا الموضوع قوتهم اليومي.. حتى وصل بالبعض منهم إلى توزيع وسائل منع الحمل على النساء القرويات اللواتي لا يملكن حتى رغيف الخبر لأكله.. وصار تحديد النسل ثقافة أساسية لتوعية المرأة بحجة أنها يجب أن تحسّن من مستواها المعيشي وتساهم في ذلك حتى لو لم تعمل.. فيكفيها الحدّ من الإنجاب لتقليص نسبة الفقر..


لقد حثّ الإسلام على الإنجاب للمحافظة على النوع الإنساني.. والإسلام فيه من الأحكام الشرعية ما يضمن تحقيق الرعاية والكفاية والرفاه لكل البشر.. لأن النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على توزيع الثروة بشكل يحقق الإشباعات الأساسية للإنسان بوصفه إنساناً.. وليس في التشريع الإسلامي ما يخشاه ويخجل منه لأنه وحي رب العالمين.. وحي خالق هذا الإنسان وهذا الكون وهذه الحياة.. ومع أن الإسلام قد شجّع على الإنجاب لقوله صلى الله عليه وسلم «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» فإن الإسلام لم يمنع تنظيم النسل واستخدام بعض وسائل منع الحمل والتي لا تسبب قطعا للنسل أو عقما دائما..


وليست الغاية من هذا الموضوع بيان الموقف الشرعي من تحديد النسل.. بل الغاية منه بيان عقم هذه الأنظمة الكافرة وعجزها على رعاية شؤون الناس.. بل وإفقارهم واستغلالهم بذريعة وهمية جنّدت لها مؤسسات وحكومات ومنابر إعلامية وجمعيات دولية حتى تغطّي على فشلها وعدم استيعابها لمشاكل الإنسان..


لأن النظام الرأسمالي في نهايته تشريع بشري قاصر عاجز.. لا يستطيع أن يقدم للإنسانية الرخاء والهناء.. بل هو شقاء وعداء.. عداء للإنسان وللدين وللحياة..
يقول عالم الكيمياء الأمريكي آرثر كورماك (إن أهل الشرق سوف لن يلبثوا إلا قليلاً حتى يطلعوا على حقيقة هذا الدجل، ثم لا يغفرونه لأهل الغرب، لأنه استعمار من نوع جديد يهدف إلى دفع الأمم غير المتقدمة ولا سيما الأمم السوداء إلى مزيد من الذل والخسف حتى تتمكن الأمم البيضاء من الاحتفاظ بسيادتها).


فيا أيها المسلمون، لقد حباكم الله بثروة بشرية وثروة فكرية وتشريعية.. فماذا تنتظرون؟؟ إن الغرب الحاقد لن يفرّط فيكم ما دمتم مفرّطين في الإسلام.. هذا الدين العظيم الذي يرتعب أعداؤه بمجرّد ذكر اسمه..


ماذا تنتظرون للتحرر من هذا الاستعباد والاستعمار.. ماذا تنتظرون لتعيشوا بما يرضي ربكم ويرضيكم؟؟؟

لا تغفروا لأهل الغرب ما فعلوه بكم.. بحرثكم وبنسلكم.. بدينكم وبأمتكم..

يقول الله تعالى في آخر سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
وأي ضنك أمرّ وأعتى من الحكم بغير ما أنزل الله.. أي شقاء أعظم من العيش بأنظمة تحارب الدين وتكره الإنسان وتحتكر الحياة لصالح الفرد؟؟
ويقول عز من قائل في أول السورة نفسها: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾
نعم.. إن القرآن وهو وحي رب العالمين وهو كلام العزيز الحكيم.. هو نور لمشارق الأرض ومغاربها.. وهناء للبشرية ونعيم..

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو