February 16, 2009

  الصناعة الحربية في دولة الإسلام- أبو إسراء

لقد أخضع الغرب العالم الإسلامي كله لنفوذه، وأبعد الإسلام عن حياته، خاصة الاقتصادية منها، بتطبيق النظام الرأسمالي عليه، وبذل قصارى جهده لتحطيم القواعد الاقتصادية له، بما يجعله سوقا لاستقبال منتجاته الصناعية، وبما يجعله ممدا له بالمواد الأولية والإستخراجية، أي بما يجعله اقتصادا مرتبطا تماما باقتصاد الدول الغربية الرأسمالية، فقد شوه الغرب القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية وحتى الحرفية للعالم الإسلامي، بشكل جعل هذا الأخير ينتج ما لا يستهلك، ويستهلك ما لا ينتج، ليعزز، أي الغرب، تبعية اقتصاديات العالم الإسلامي له، بل أنها زادت من تبعيتها للغرب باعتمادها على استيراد المصانع وقطع الغيار والسلاح.
تشير الإحصاءات وتقارير متطابقة صادرة عن عدد من مراكز البحوث والدراسات الدولية الخاصة بالدراسات الإستراتيجية وشؤون التسلح وجامعة الدول العربية أن الدول العربية أنفقت على صفقات التسلح خلال السنوات - 01 إلى 06-، 38 مليار"ألف مليون"دولار. ولفتت التقارير إلى أن دول الخليج العربي قد تجاوز نصيبها في هذه الصفقات أكثر من 66% من هذه الصفقات.

وفي دراسة حديثة لتجارة السلاح في العالم أجراها خبراء في الكونغرس الأمريكي أظهرت تفوق الولايات المتحدة في بيعها للسلاح على سائر المصدرين الآخرين بنسبة كبيرة، حيث بلغت قيمة الصادرات الأمريكية من السلاح في العام الماضي 2007م (24.8) مليار دولار، تلتها روسيا بقيمة (10.4) مليار دولار وجاءت بريطانيا في المركز الثالث.
وأما بالنسبة لمشتري السلاح فقد تصدرت السعودية قائمة المشترين بحيث بلغت قيمة مشترياتها (10.6) مليار دولار، تلتها الهند والباكستان. وتستمر السعودية بتصدر قائمة كبار مستوردي السلاح منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتهدر أموال المسلمين في شراء السلاح الذي غالباً ما يتحول إلى حديد خردة.
إن ترسانة الدول العربية الضخمة من السلاح هذه لم تمكنها من خوض ولو حرب حقيقة واحدة ضد أعداء المسلمين الكثر وعلى رأسهم دولة يهود، فما قيمة تلك المشتريات من السلاح إذا كانت لم تستخدم أو لا يُسمح لها باستخدامها؟.
ولو كانت الدول العربية تملك إرادة اتخاذ القرارات المصيرية لكان خيراً لها أن توظف تريليونات الدولارات التي أضاعتها في شراء السلاح عديم الفائدة، أن توظفها في بناء مصانع حقيقية لتصنيع الأسلحة وإنتاج عدة القتال الحقيقية، ولو فعلت ذلك لكانت اليوم تتصدر قائمة كبار مصدري السلاح بدلاً من تصدرها لقائمة كبار المستوردين...

فما هي السياسة التي تمكن الدولة من بناء الصناعة الحربية؟ وما هو حكم الإسلام فيها؟؟ هذا ما سوفَ نسلطُ عليهِ الأضواءَ في مقالنا هذا ...

تقوم السياسة الصناعية على جعل البلاد من البلدان الصناعية ويسلك إلى ذلك طريق واحد هو إيجاد صناعة الآلات أولا، ومنها توجد باقي الصناعات، أي أن يباشر أولا وقبل كل شيء بإيجاد المصانع التي تصنع الآلات من محركات(موتورات) وخلافها، ثم بعد توفر الآلات من صناعة البلاد تؤخذ هذه الآلات وتصنع باقي المصانع.
ولا توجد طريقة أخرى لجعل البلاد بلادا صناعية إلا بالبدء بصناعة الآلات أولاً وقبل كل شيء، ثم عدم القيام بإيجاد أي مصنع إلا من الآلات المصنوعة في البلاد. فالحقيقة أنه لا علاج للدولة المتخلفة صناعيا إلا بالثورة الصناعية، والثورة الصناعية هي تسلم زمام رأس الصناعة ومنبعها وهي صناعة الآلات بعملية انقلابية في الصناعة وعدم التلهي بأي صناعة قبل تسلم زمام رأس الصناعة، وجعل الجهود الاقتصادية كلها موجهة لإيجاد صناعة الآلات ولا يقام بأي شيء سوى الضروريات وسوى ما لابد منه لإيجاد صناعة الآلات.
على أن الواقع يثبت ذلك، فأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا حين حصلت فيها الثورة الصناعية إنما حصلت حين وجدت فيها صناعة الآلات.
 أن الدولة التي لا تكون فيها صناعة الآلات فإن مصانعها الأخرى تكون مربوطة تبعيا للدولة التي تملك الآلة وقطع الغيار؛ فإن معدات الدولة العسكرية تفقد قيمتها إن لم تتمكن الدولة من استيراد قطع الغيار اللازمة لصناعتها، وهذا ما يجعل سيادة الدولة وأمنها وأمن رعيتها مقيدة، ويبرز أكثر ما يبرز هذا الأمر فيما إذا حصلت حالة عداء بين الدولة صاحبة السلاح أو صاحبة الآلات وبين الدولة المستوردة لهذا السلاح وهذه الآلات، فمن كان يريد أن يبني صناعة ويتقدم صناعيا فلن يتأتى له ذلك إن لم يبدأ بثورة صناعية بالمبادرة إلى إقامة صناعة الآلات رأسا وبدون تدرج بل بشكل انقلابي حتى يكون العمل ثورة صناعية صحيحة.
هذا بالنسبة لأية دولة وأية أمة، أما بالنسبة للأمة الإسلامية وللدولة التي تحكم بما أنزل الله، فإن الأمر أوجب والشأن أعظم، لأن إيجاد مصانع الآلات واجب شرعي أي فرض على المسلمين، فرض على الدولة وعلى الأمة، والفرض ينفذ حتما وبلا خيار، أما لماذا هو فرض فلما يلي:
أولا: إن عدم وجود مصانع الآلات يجعل جميع المصانع في بلادنا عالة على الدول الأخرى الغربية في صناعة الآلات الثقيلة، فإذا تعطلت آلة أو لزمت قطعة غيار تعطل المصنع وتوقف عمله على تزويدنا بذلك من الدول الغربية المستعمرة الكافرة، وفي هذا ضرر بالمسلمين. ثم أن عدم وجود مصانع الآلات لدى المسلمين يجعل البلاد الإسلامية معتمدة في صناعتها الحربية كذلك على الدول الأخرى الكافرة، وفي هذا ضرر أفظع من الأول، وكلاهما يجعل سبيلا للكافرين على المسلمين، والله يحرم هذا{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا}
ثانيا: إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو الطريقة الرئيسية لنشر الإسلام في الخارج، والجهاد قائم على الصناعة الحربية، فإن كانت تعتمد على الدول الكافرة يكون قد تعطل المعنى المقصود من الجهاد، فحتى يتم الجهاد على وجهه لابد من أن تتوفر الصناعة الثقيلة لإنتاج الآلات اللازمة للجهاد. هذه واحدة، أما الثانية فإن الإعداد للقتال فرض على المسلمين، والإعداد المطلوب هو ما كان فيه إرهاب للعدو، وهذا يحتاج صناعة أسلحة لم يعهدها العدو في القوة والعظمة، وإن لم يكن هناك صناعة ثقيلة وصناعة آلات فلا يمكن تحقيق الإرهاب { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } وحيث أن القاعدة الشرعية تنص على أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" تكون الصناعة الثقيلة وإيجاد صناعة الآلات واجبة.

ثالثا: أن واجب الدولة أن توفر الأسلحة ووسائل النقل ووسائل القتال غير الفردية، كالصواريخ بأنواعها وحاملات الطائرات والغواصات والسفن الحربية والطائرات الحربية بأنواعها والمدافع والدبابات وناقلات الجند في البر والبحر والمقاومات الأرضية والرادارات وسفن الفضاء والأقمار الصناعية والقنابل بأنواعها، مع تدريب الطواقم القادرة على استعمال هذه الأنواع من الأسلحة وغيرها. والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع المنجنيق والدبابة والحسك عندما احتاجوا مثل هذه الأسلحة في حصار الطائف. ذكر البيهقي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشر يوما", وذكر صاحب السيرة الحلبية:" أرشده إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه قال إنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون فنصيب من عدونا. ويقال: إن سلمان رضي الله عنه هو الذي عمله بيده"، هذا بالنسبة للمنجنيق أما الدبابة فقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد:" قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة ثم دخلوا إلى جدار الطائف ليحرقوه فأرسلت ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالاً" وذكره أيضاً ابن هشام في السيرة. وصناعة المنجنيقات والعرّادات والدبابات كانت معروفة عند العرب وكانت جُرش مركزاً لتعليم هذه الصناعات، ذكر ابن سعد في الطبقات" ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجُرش يتعلمان صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات فقدما وقد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرادات والدبابات واعدا للقتال ثم ألقى الله في قلب عروة الإسلام وغيره عما كان عليه فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم".

وأما سلاح الحسك الشائك، وهو من وسائل الدفاع التي أتقنها المسلمون وكانوا أول أمرهم يصنعونه من حسك السعدان وهو شوك صعب ذو ثلاث شعب تنثر منه شعبتان في الأرض وتبقى الثالثة بارزة لتعطب بها حوافر الخيل وأقدام العدو المغير، فقد ذكر ابن سعد أثناء حديثه عن غزوة الطائف "أن المسلمين صنعوا الحسك من عيدان"، ونثروه حول حصن الطائف.

‏ فيفهم من هذه الآثار أن الصناعات العسكرية هي من مسؤولية الخليفة، ويستعين بمن شاء للقيام بها وبتنظيمها، وهي ليست بحاجة إلى أمير، بل هي بحاجة إلى مدير، فسلمان لم يكن أميراً على الصناعات العسكرية، بل كان مديراً لصناعة المنجنيق، وربما عمل بيده. وإقامة المصانع العسكرية فرض على المسلمين هذا فضلا على أنه من الناحية التجارية يعتبر التعجيل بإيجاد مصانع الآلات أمرا ضروريا، لأن البلاد الإسلامية كلها تكاد تكون خالية من مصانع الآلات، وهي تستورد ما تحتاجه من الآلات والمصانع من أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، فإيجاد صناعة الآلات في بلادنا يكسب أسواق هذه البلدان التي لن يكون لنا مزاحم فيها إذا ما وجدت عندنا صناعة الآلات.
وأيضا فإن شراء المصانع والآلات من الخارج يكلف المسلمين ثمنا غاليا، وهي تباع لنا بأسعار عالية، ولكن إذا أوجدنا نحن مصانع الآلات خاصة والبترول متوفر في بلادنا فنحصل على المصانع والآلات بأرخص مما نشتريها من أوروبا وأمريكا.
ومن الجدير ذكره، أن الصناعة بعامة يجب أن تقوم على أساس عسكري حربي، فتكون الصناعة العسكرية الحربية هي الهدف الأساس من التصنيع الثقيل فضلا عن القطاعات الصناعية الأخرى، وبدون الصناعة العسكرية الحربية تكون الدولة حتى وإن تقدمت في القطاعات الصناعية الأخرى غير مؤثرة في المجال الدولي والسياسة العالمية، كما هو الحال مع ألمانيا واليابان بعد تقييد صناعتها الحربية بعد الحرب العالمية الثانية، أما في الإسلام فإن التصنيع الثقيل لا ينفك عن الصناعة العسكرية الحربية فهي أساس، لأن هذا من متطلبات الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والقاعدة الذهبية التي يجب العض عليها بالنواجذ هي"الاعتماد على النفس مهما كانت الصعاب"، ورغم أنه لا يمكن أن نستغني عن المعرفة والإنجازات العلمية الأجنبية، إلا أنه يجب إقامة أسوار عالية لمنع النفوذ الأجنبي من إيجاد طريقه إلى هذه العملية، وذلك يستلزم فيما يستلزم إبعاد الشركات الأجنبية والأجانب، والمتأثرين بالفكر الغربي عموما والفكر التنموي الغربي خصوصا، لأن ذلك من وسائل تسريب النفوذ الأجنبي إلى البلاد، فإقامة الصناعات يتم عن طريق أبناء البلاد المخلصين للأمة وللإسلام فقط.
وقد يتهيأ للبعض استحالة القيام بهذه المهمة إذا ما اعتمدنا قاعدة "الاعتماد على النفس"، وهذا ما يروج له الغرب والمضبوعون بثقافته، لكننا نقول أن ذلك ممكن، فقد قامت روسيا في مطلع القرن العشرين ميلادية من تحويل بلادها من بلاد زراعية متخلفة إلى بلاد صناعية تقف في مقدمة الدول الصناعية الراقية اعتمادا على نفسها، وقد اشتهر عن "لينين" قوله حين طلب منه شراء جرارات:"لن نستعمل التراكتورات حتى ننتجها نحن وحينئذ نستعملها".
فالمسلمون اليوم بحاجة إلى دولة تُعدّ كل ما يُرهب العدو، ولن تكون هذه الدولة إلا دولة الخلافة على منهاج النبوة التي وُعدنا بها. دولة إستراتيجيتها الدائمة حمل الدعوة إلى العالم، وجهاد من يقف في سبيلها حتى يكون الدين كله لله.

أما اتخاذ السلام إستراتيجية والقعود عن القتال والإعداد ففكرة خبيثة دسّها علينا الكفار عن طريق عملائهم السياسيين والفكريين فانطلت على السذج والبلهاء. لكن القليلين هم الذين يعرفون ويعلمون أن لا علاج لما نحن فيه إلا الجماعة على إمام أي الخلافة على منهاج النبوة، لا كما يقول البعض ليس سوى المقاومة هي الطريق الوحيد للخلاص والجهاد.

المزيد من القسم null

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما يمر به العالم اليوم من أزمات إقتصادية خانقة، هو نتيجة الأنظمة الإقتصادية السائدة في هذه الأيام، وهي في غالبها منبثقة عن المبدأ الرأسمالي، أو خليط منه أو من غيره، ومن أهم الأسباب التي تجعل النظام الإقتصادي الرأسمالي يخفق في معالجة الأزمات الإقتصادية هي:


1- ان هذا النظام منبثق عن مبدأ هو من وضع البشر
2- ان هذا المبدأ يخلط ما بين النظام الإقتصادي والعلم الإقتصادي
3- ان هذا المبدأ يعتبر المشكلة الإقتصادية هي زيادة الإنتاج
4- إعتبار النفعية هي الأساس في كافة التعاملات.
5- مناداته بحرية التملك.
6- إعتبار الملكيات ملكية واحدة هي الملكية الفردية (الخاصة).
7- إعتماده على الربا في كافة تعاملاته المالية من خلال البنوك.
8- بالإضافة إلى بعض الأمور والترقيعات التي أضيفت وتراكمت عليه حسب الظروف، من مثل
أ- استبدال النقد المعدني (الذهب والفضة) بنقد الأوراق غير النائبة.
ب- شركات الأموال مثل الشركات المساهمة.


لذلك كان لزاما على من يتصدى لمعاجة هذه الأزمات أن يبين خطأ هذه الأسس ثم يبين النظام الذي يستطيع معالجة هذه الأزمات مع أبرز الأسس التي يقوم عليها، وسأبدأ ببحث أسباب الأزمة الحالية المباشرة وأعراضها ومضاعفاتها والتي عصفت بأمريكا أولا.


إن من أهم أسباب هذه الأزمة هو مشكلة ما يسمى بالرهن العقاري والمضاربات الوهمية في الأسواق المالية (البورصات)، وقد كان للعولمة الدور الكبير في انتقال الوباء من أمريكا إلى باقي دول العالم، وكانت البنوك الأمريكية قد فتحت المجال لأي كان بالإقتراض من أجل امتلاك بيت له، بنسبة تمويل وصلت إلى 100%، وبنسبة فائدة كانت في حدها الأدنى 1%، وكان ذلك بين عامي 2002و2006 بداية هذا القرن، وقد كان هناك نوع من المبالغة في تقديم التسهيلات بدون أخذ ضمانات كافية، وقد تضاعف سعر المنازل عدة أضعاف، وكان نتيجة العولمة دخول رؤوس الأموال الأجنبية من مختلف البلاد وخاصة من دول أوروبا والخليج، إلى السوق الأمريكية على شكل سندات دين وأسهم قامت الشركات والأفراد وصناديق الإدخار وغيرها بشرائها، بهدف الربح السريع، وقامت على أثر ذلك الحكومة الأمريكية برفع سعر الفائدة من 1% إلى أكثر من 5% خلال أربع سنوات، واستغلت البنوك الكبرى وشركات الرهن العقاري مثل بنك ليمان برذر وشركة فاني ماي وشركة فريدي ماك كثيرا من البنوك الصغيرة والشركات للترويج لبيع المنازل من خلال سماسرة محترفين، مما دفع إلى صعود عمليات البيع إلى أعلى مستوياتها، وهذا دفع الجشعين من كبار المستثمرين الأجانب إلى دخول السوق الأمريكية بقوة مفاجئة جعلت من أسواق الأسهم وسندات الدين مكانا خصبا للمضاربة والنصب والإحتيال أظهر هذه الأسواق على حقيقتها، باعتبارها صالة قمار كبرى يجتمع فيها الحيتان من أصحاب رؤوس الأموال يأكلون جميع أنواع السمك الصغير والكبير الذي يدخل ملعبهم بناء على مغريات السماسرة، ونتيجة عدم مقدرة المشترين على سداد أقساط المنازل بسبب ارتفاع الفوائد، ولأن كثير منهم لم يكن لديه ضمانات لسداد الديون، قامت الشركات والبنوك باسترجاع المنازل منهم، ولم يكن هناك مشترين لها فحصل الركود في سوق الرهن العقاري، وكان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت النار مسببة بالأزمة الحالية.


وما زاد النار اشتعالا ما كان يحصل من مضاربات وهمية في أسواق الأموال (البورصات)، والتي كانت تعتمد على المضاربات في مجال الأسهم وسندات الدين، وأضيفت لها المضاربات في المعادن كالنفط والذهب والحديد، وكذلك في بعض المواد التموينية كالقمح والسمسم، حتى أن كمية النفط في الناقلة كانت تباع عدة مرات وهي في البحر، حتى وصل سعر برميل النفط إلى أعلى حد له وهو 147 دولارا للبرميل الواحد في تموز من عام 2008، وكله كان يحدث بدون تقابض وإنما في الدفاتر وعلى الورق، وبعد وصول سعر الأسهم والمعادن إلى مستويات غير مسبوقة في الإرتفاع، بدأ المشترون الصغار والكبار يعرضونها للبيع فلم يجدوا أحدا يشتريها، ولوجود التزامات دين ومستحقات أخرى كالرواتب والنفقات وغيرها على هؤلاء المشترين، دفعهم لعرضها بسعر الشراء فلم يجدوا أيضا من يشتريها وبدأوا بتنزيل سعرها إلى أن وصل إلى أقل من قيمتها الإسمية، وهنا عاد الحيتان ليبتلعوا المشترين الصغار والكبار من جديد هم وأسهمهم ومعادنهم، وحصلت الكارثة التي عصفت بالجميع، باستثناء الحيتان وهم كبار الرأسماليين الذين قامروا في لعبة مدروسة ومحسوبة جيدا لهم بحيث حسمت نتيجة اللعبة لصالحهم على حساب باقي سكان الكرة الأرضية، ولم يسلم من شرها أحد لا تاجرا ولا مستثمرا ولا موظفا ولا طالبا ولا عاطلا عن العمل، وهنا بدأ دور الحكومات الغربية وخاصة امريكا التي وجدت أصلا لخدمة الحيتان الرأسماليين، فبدأت تضخ كميات هائلة من أموال دافعي الضرائب لإنقاذ كبرى الشركات والبنوك، وبعيدا عن لغة الأرقام فإن الكارثة كانت عامة وطامة، تتحمل الحكومات والأنظمة مسؤوليتها في الدرجة الأولى والحيتان في الدرجة الثانية، لكن الحكومات قامت بانقاذ هذه البنوك والشركات بأموال الفقراء والمسحوقين، بدل أن تقوم بوضع يدها على الأموال الضخمة التي استولى عليها الحيتان من خلال عمليات نصب واحتيال كبرى قاموا بها وابتلعوا أموال الناس بالباطل، هذا كحل مؤقت وفوري، لا أن تنقذ شركات الحيتان بأموال الفقراء ودافعي الضرائب، أما الحل الجذري فهو الذي لا تستطيعه هذه الدول كبيرها وصغيرها، لأنه يقتضي إلغاء النظام الرأسمالي الذي يسمح لمثل هذا التغول، والذي يستطيع إلغاء النظام الرأسمالي واستبداله بنظام الإسلام المنزل من عند رب العالمين هو دولة الخلافة فقط، والذي أشار له النبهاني مؤسس حزب التحرير قبل ما يزيد على نصف قرن تقريبا.


أما عن خطأ الأسباب والأسس التي تجعل النظام الرأسمالي يخفق في معالجة الأزمات الإقتصادية فإنني سأبينها تباعا على حلقات إن شاء الله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحمد أبو أسامة

تعريفات شرعية- النظام الإقتصادي

النظام الاقتصادي: هو تدبير أمور الجماعة من حيث توزيع المال المدبر, وهو فكر يؤثر في وجهة النظر في الحياة, ويتأثر بها, وهو لا يتأثر بكثرة الثروة أو قلتها وليست هي المشكلة الاقتصادية. وإنما المشكلة موجودة في علاقات الناس أي في المجتمع, وناجمة عن تمكين الناس بالانتفاع بهذه الوسائل أو عدم تمكينهم. أي ناجمة عن موضوع حيازة الناس لهذه الوسائل.

56/ ن/ الاقتصادي.