السياسة الاقتصادية في الإسلام هي البلسم الذي لن تطبقه إلا دولة الخلافة
July 31, 2020

السياسة الاقتصادية في الإسلام هي البلسم الذي لن تطبقه إلا دولة الخلافة

السياسة الاقتصادية في الإسلام هي البلسم الذي لن تطبقه إلا دولة الخلافة

بحثت وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي المكلّف د. هبة محمد علي، تحضيرات مؤتمر أصدقاء السودان المُزمع عقده بالعاصمة السعودية الرياض إسفيرياً في آب/أغسطس المقبل، وتأتي عملية تحقيق السلام في السودان على رأس أجندته. (صحيفة الصيحة، 20 تموز/يوليو2020م)

وأكدت هبة، أن الشراكة مع برنامج الأغذية العالمي مستمرة، وأنها من الشراكات المهمة والاستراتيجية، وذلك في إطار سعي الحكومة لبناء شراكات دولية والعودة إلى المجتمع الدولي، وذكرت وزارة المالية السودانية في بيان، أن الوزيرة التقت مع الدكتور حميد نورو مدير برنامج الغذاء العالمي بالسودان وأكد نورو مواصلة البرنامج في تنفيذ الدفعات المتبقية من بنود الاتفاقية المبرمة بين الحكومة والبرنامج، والتي كانت نصت على أن يقوم برنامج الغذاء العالمي بشراء القمح نيابة عن الحكومة السودانية، على أن تقوم الحكومة بسداد المقابل بالعملة المحلية، وناقش اللقاء أيضاً تنفيذ المرحلة التجريبية من برنامج دعم الأسر، الذي بدأت الحكومة فيه مؤخراً.

في الواقع ليس هناك دولة في هذا العالم لا تملك ما يسد الرمق لرعاياها فتمد يدها متسولة لقمة العيش لهم من الآخرين، نعم قد تتفاوت الملكيات والقدرات والإمكانيات والمواهب والخبرات، ولكننا قطعاً نملك ما يغنينا عن الآخرين، ونستطيع أن نستثمره لصالح الناس بل ما يملكه السودان قد يكون سبباً في رخائنا، ورخاء من حولنا بشهادة العالم، لكن ظلت الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال المزعوم عام 1956م ترفع شعار "السودان سلة غذاء العالم"، انطلاقاً مما يملكه السودان من مقومات أساسية تتيح له تحقيق هذه الأمنية، لكن ظل هذا الشعار حبيس الخطط والاستراتيجيات التي توضع مع بداية كل حكم مدني أو عسكري من دون جدوى، ويرجع عدم تحقيق هذا الشعار أو على الأقل النهوض بالاقتصاد لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلى القصور في السياسات المتبعة والتي تعتمد على ما يرسمه صندوق النقد والبنك الدوليان وكل حكومة تجرب الشيء نفسه، وفعلاً أغلى ما يملكه الإنسان هو العقل والتعقل فإن فقد ذلك فلا قيمة له!

قطعاً بهذا الوضع ستظل حكومة الفترة الانتقالية تدور في الفلك نفسه الذي سارت عليه الحكومات السابقة من الاستجداء للغرب في الحلول غير الموفقة لإشباع الحاجات الأساسية للناس، يستجدون قوتهم من فتات الغرب، تماماً كما يفعل المتسولون في الطرقات، ويرضون لأنفسهم أن يعيشوا على هامش الحياة أذلاء للغير لا يملكون حلولاً حقيقية للناس الذين وصلوا درجة من الضنك غير مسبوقة، مع أنهم قادرون على أن يضمنوا العيش بطريقة أفضل تضمن لرعاياهم حياة كريمة ومرفهة وترفع رأسهم عن الاستجداء والذل بقليل من الإجراءات الاقتصادية التي تنبثق عن دينهم الذي يمتلك حلاً لكل مشاكل الاقتصاد، فما هي السياسة الاقتصادية في الإسلام التي هي البلسم الشافي؟ هذا ما سنتعرض له في هذه الجزئية:

ترتكز السياسة الاقتصادية الإسلامية على قاعدة إشباع حاجات جميع الأفراد الأساسية فرداً فرداً إشباعاً كاملاً وتمكينهم من إشباع حاجاتهم الكمالية بقدر المستطاع، وعليه فلا ينظر إلى الثروة الموجودة بحوزة الأمة من حيث الكم زيادة أو نقصاناً وإنما ينظر إلى الموجود منها من حيث كيفية تصريفه وتوزيعه على الناس بناءً على قاعدة الإشباع، وهذا ما يفتقده المبدأ الرأسمالي الوضعي الذي تتبناه حكوماتنا كلها!

أما ما هي هذه الحاجات الأساسية فإنها في نظر الشرع الإسلامي وحسب الأدلة والاستنباط قسمان:

أحدهما: الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية بذاته، وهي: المسكن والمأكل والملبس.

وثانيهما: الحاجات الأساسية للرعية كلها، وهي الأمن والتطبيب والتعليم.

أما الحاجات الأساسية لكل فرد فهي التي لا يستطيع أي إنسان الاستغناء عن واحدة منها، ولذلك كان إشباعها حقاً لكل إنسان يأخذه بوصفه حقاً من حقوقه التي يجب أن يصل إليها. فإن عدم توفر هذه الحاجات الأساسية هي المشكلة الحقيقة، وتوفيرها هو الذي يعالج هذه المشكلة. فإذا وُفرت لكل فرد لم تبق هناك مشكلة أساسية. وقد حدد الإسلام الحاجات الأساسية هذه في نصوص صريحة واضحة، والدليل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ.

وضمن الإسلام إشباع جميع هذه الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية فرداً فرداً ضماناً قطعياً في نصوصه الصريحة أيضاً، وضمن أن يكون هذا الإشباع إشباعاً كلياً في نصوصه الصريحة كذلك.

فقد أوجب الإسلام على الفرد العمل لتأمين نفقته ونفقة من يعول كالزوجة والأبناء والأبوين ومن تجب عليه نفقتهم، وبضمان ذلك فقد ضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية إلا من لا يوجد له رحم محرم، وإلا إذا عجز هؤلاء عن الإنفاق. وهاتان الحالتان قد احتاط الشرع لهما وشرع لهما أحكاماً معينة محددة. ففي حال عدم وجود أحد ممن تجب عليه النفقة، أو وجد ولكنه لا يستطيع الإنفاق أوجب الشرع النفقة في هاتين الحالتين على بيت المال، أي على الدولة.

فأحاديث الرسول صلّى اللـه عليه وآله وسلّم تزخر بالمعاني الدالة على أن الدولة تضمن هذه الحاجات للذين لا يملكونها، فقوله عليه وآله الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ» والكَلّ الضعيف الذي لا ولد له ولا والد.

وقوله ﷺ: «فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ» أي أن الدولة تكفله وتضمن له العيش الذي يستلزم ضمان المأكل والمسكن والملبس.

ولكن الدولة لا تعطي الكسالى الذين يتوفر لهم العمل وهم قادرون عليه ولكنهم يتكاسلون، لا تعطيهم بل تجبرهم على العمل لكسب نفقاتهم ونفقات من يعولون حسب ما فعله الرسول ﷺ.

أما الحاجات الأساسية للرعية فقد دل عليها حديث الرسول صلّى اللـه عليه وآله وسلّم في قوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» فاعتبر ﷺ في هذا الحديث أن الحد الأدنى من المتطلبات الواجب توفيرها للرعية هي الأمن والصحة، وأما التعليم فدل عليه حديثه ﷺ في قوله: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً...» وقوله: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ،...» فتشبيه العلم بالغيث ومقابلة العلم بالجهل وربطه بأشراط الساعة دليل على اعتبار التعليم من ضروريات الحياة الواجب توفيرها. ولقد أجمع الصحابة رضي اللـه عنهم على إعطاء المعلمين رزقاً من بيت المال، فكان عمر رضي اللـه عنه يعطي معلمي الصبيان في المدينة من بيت المال خمسة عشر ديناراً في الشهر.

وبسد حاجات الرعية الأساسية وتمكينهم من إشباع حاجاتهم الكمالية قدر الإمكان تختفي معظم الأسباب الموجبة لخلق التوترات والصراعات بين ما يسمى الهامش والمركز ولن يحدث ما نراه في المجتمعات الرأسمالية من انقسام المجتمع إلى طبقات رأسمالية وعمالية ومتوسطة يعتريها التطاحن والتقاتل، وتسود علاقاتها مظاهر الاستغلال والجشع، وتطغى عليها مشاعر الكراهية والحقد والحسد والتربص، ولا نشاهد ما يشاهَد في المجتمعات الرأسمالية الآن من احتجاجات دورية ينتج عنها تعطيل مصالح العامة وإهدار طاقة الأمة وتبديد ثرواتها، وإيقاع المجتمع برمته في دوامة امتلاك المال، يلف الناس في دوامته ويثير فيهم هوس حب المال وعشق المادة، ينسيهم ما يجب أن يكون عليه حالهم من حيث وجود مغزى ومعنى ومضامين سامية لحياتهم في الدنيا.

والإحساس بضمان هذه الحاجات الأساسية يجعل الناس يلتفتون إلى ما هو أهم وأعظم من الرزق ألا وهو حمل الدعوة ونشر المبدأ، غير خائفين من هاجس الفقر والضياع والتشرد، كما هو حال الكثير من الناس في كل دول العالم اليوم. فهذا الشعور بضمان الحاجات الأساسية من الدولة للأفراد يحد من مشاعر البغض والحسد عند الناس ويقلل من السباق المحموم بينهم على الأموال والمنافع، وهذا لن تقوم به إلا دولة الخلافة الراشدة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو