السيولة الأمنية لتدمير الدول في مسبح الديمقراطية
السيولة الأمنية لتدمير الدول في مسبح الديمقراطية

يتداول الناس، وأهل الإعلام والسياسيون، في الوسائط وغيرها، عن مقتل طالب جامعة أم درمان الإسلامية داخل مباني الجامعة، وهي ليست الحادثة الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة في ظل الأنظمة الديمقراطية التي تفرط في حياة الناس وأمنهم وعلاجهم ومعاشهم. فحوادث سرقة الهواتف بالدراجات النارية من دون لوحات، وتهديد الناس ونهبهم،

0:00 0:00
السرعة:
March 23, 2021

السيولة الأمنية لتدمير الدول في مسبح الديمقراطية

السيولة الأمنية لتدمير الدول في مسبح الديمقراطية

يتداول الناس، وأهل الإعلام والسياسيون، في الوسائط وغيرها، عن مقتل طالب جامعة أم درمان الإسلامية داخل مباني الجامعة، وهي ليست الحادثة الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة في ظل الأنظمة الديمقراطية التي تفرط في حياة الناس وأمنهم وعلاجهم ومعاشهم. فحوادث سرقة الهواتف بالدراجات النارية من دون لوحات، وتهديد الناس ونهبهم، والنشل في المركبات العامة، بل وتهديد الناس داخل بيوتهم، وترويعهم وسرقة ممتلكاتهم، وظاهرة حمل السلاح الأبيض (السكين) عند الكثير من الشباب، وخاصة طلاب المدارس والجامعات، كل هذه الظواهر الخطرة على حياة الناس، دفعت برجال الشرطة إلى القيام بحملات لجمع هذه الدراجات، فضلا عن اضطرار بعض الناس للقيام بحرقها علناً في الشوارع. فهل هذه الظواهر المتفشية في قلب العاصمة هي مخططة لتدمير الدولة، أم هي أعمال عادية تتعلق بأفراد؟

قبل سنوات قليلة كانت بعض المراكز المعنية بالتخطيط الاستراتيجي تناقش قضية "ما بعد ثورات الربيع العربي" والآثار الارتدادية العكسية التي نتجت عنها، خاصة في مصر واليمن وسوريا وليبيا وما تعيشه تونس من حالات الشد والجذب، فقد جرى في حلقات نقاش استعراض ما كتبه يوري بيزمينوف عميل الكي جي بي السابق عن كيفية تدمير دولة دون أن تطلق طلقة واحدة! وكيف يتم تخريب الشعوب وتدميرها وخلخلتها والتحكم فيها. وما يهمنا الآن هو المقاربة بين عملية تدمير الدولة، مع ما يحدث في السودان عقب التغيير الذي حدث في 11 نيسان/أبريل 2019، حيث تتطابق مراحل التدمير مع كل ما ذكر عند كل الخبراء الاستراتيجيين والمفكرين وأهل السياسة، حيث تقوم النظرية ذات الأربع مراحل بالقضاء على الدولة وتماسكها وجعلها في مهب الريح، ففي المرحلة الثالثة؛ وهي مرحلة ذات مدى زمني قصير تسمى مرحلة (الأزمة) تستمر من شهرين إلى ستة أشهر وربما تزيد، حيث تنتشر الفوضى السياسية، والانفلات الأمني، ونذر المواجهات، والحرب الأهلية، وإضعاف مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والقضاء، واعتساف القانون وتدمير نظم الإدارة، بجانب ارتفاع الأسعار، وغياب الخدمات الضرورية وإفقار المجتمع، وجعله قابلاً للتدمير. فإذا أسقطنا هذه العملية على ما يجري في السودان الآن، فإن السيناريو والمخطط في مراحله الأخيرة، وهو ينذر بذهاب السودان باعتباره دولة إلى واد سحيق، وهذا الأمر لا يحتاج إلى جدل حوله.

إن الأمن باعتباره من الحاجات الأساسية للمجتمع، إذ إنه من الأولويات التي يحتاجها الناس والذي يجب على الدولة أن توفره لهم، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في البخاري في الأدب المفرد والترمذي في السنن: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافىً فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، وروى أنس بن مالك في الأدب المفرد للبخاري، قال: كان رسول الله أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْراً. أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ".

إن الإسلام قد حرص على إيجاد الأمن والطمأنينة والاستقرار بأحكام شرعية تقطع الطريق أمام من يعبث بأمن الناس واستقرارهم، فجاء بحكم قطع يد السارق، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وشرع حكم الحرابة لاستقرار الناس وطمأنينتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ للحفاظ على وحدة البلاد والدولة وتأديب كل من يخرج على الدولة أو قانونها. وهكذا نجد أن أحكام الإسلام العظيم تحافظ على أمن الناس بالتوجيه والتشريع، فجعل التقوى هي الأساس للتقيد بالأحكام فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وإذا لم يلتزم المسلم بدافع التقوى، فهناك عقوبات تنفذها الدولة، وقد قيل إن أمن الناس من عرض السلطان، ففي أواخر الخلافة العثمانية عندما فقدت أسرة نصرانية ابنتها ورجعت يخيم عليها الحزن، فإذا بطارق يطرق الباب بالليل، فتدخل عليهم ابنتهم ومعها شرطة العسس! ففرحوا لعودة ابنتهم وشكروا أولئك النفر من الشرطة، ففهّمهم الشرطي بأن لا تشكرونا لأن أمن ابنتكم من عرض السلطان، هكذا يكون الأمن في ظل دولة المسلمين الخلافة.

نعم، عالج الإسلام موضوع الأمن، وألزم الدولة بالقيام بأقصى ما يمكن لتوفيره للناس، لكن الحكومة الانتقالية العلمانية تتخبط في معالجاتها، وتوجد الأزمات تلو الأزمات. فبدل معالجة هذه السيولة الأمنية، قامت بجمع الأسلحة البيضاء ومصادرة الدراجات النارية، مع العلم أن هذه الإجراءت قد اتخذت من قبل في مدن عدة منها نيالا في دارفور وغيرها، ولا تزال المشكلة تزداد سوءاً، ويمكن تلخيص أسباب الأزمة الأمنية في نقطتين:

1- غياب فكرة حفظ الأمن عند الدولة؛ فالنظام الرأسمالي المطبق في البلاد يجعل الصراع حول الرغيف، آكله أنا لا أنت، بحيث يجعل التنافس على الحياة وفي سبيلها تباع كل القيم، بل التنافس الاستعماري على البلاد عبر جيوشهم كما في البحر الأحمر أو عبر منظماتهم الأخطبوطية (منظمات بريتون وودز، البنك والصندوق الدوليين) لكل ذلك يوجد عدم الاستقرار ويزعزع الأمن، وهذه سياسة أمريكا في العالم بما تسمى بالفوضى الخلاقة التي تنفذ من خلالها لتحقيق مصالحها.

2- تكاثر مليشيات مسلحة داخل العاصمة بأسلحتها وقياداتها المفصولة عن الدولة، نتيجة لاتفاقيات السلام المبرمة مع الحركات المسلحة، مما يشكل تهديداً للأمن، وينذر باشتباكات، فقد حصل اشتباك بالفعل بمنطقة بري. نقلت صحيفة الجريدة الصادرة يوم الجمعة الماضية 2021/3/19 أن رئيس الجبهة الثالثة تمازج الموقعة اتفاق سلام جوبا الفريق محمد علي قرشي أورد تفاصيل اشتباك مع مجموعة تنتحل شخصية تمازج من بينهم أشخاص يرتدون زيا عسكريا فتمت مداهمتهم بواسطة قوة من تمازج، وعندما سئل لماذا قمتم بالاشتباك معهم فهذه من مهام الشرطة؟ قال تأخرت الشرطة والاستخبارات في التدخل لحسم القوات. (فكان الهرج والمرج وإرهاب الناس). فوجود مليشيات متعددة في البلد هو خطر أمني. أما في الإسلام فالأصل أن تكون القوة واحدة؛ الجيش ومنه الشرطة تتولى مهام الأمن الداخلي كما هو مفصل في مشروع دستور دولة الخلافة الذي أعده حزب التحرير، تقول المادة (70): "تتولى دائرة الأمن الداخلي إدارة كل ما له مساس بالأمن، ومنع كل ما يهدد الأمن الداخلي، وتحفظ الأمن في البلاد بواسطة الشرطة، ولا تلجأ إلى الجيش إلا بأمر من الخليفة. ورئيس هذه الدائرة يسمى (مدير الأمن الداخلي). ولهذه الدائرة فروع في الولايات تسمى إدارات الأمن الداخلي، ويسمى رئيس الإدارة (صاحب الشرطة) في الولاية".

فإذا استمر الحال هكذا ولم يتحرك الناس للتغيير الحقيقي على أساس الإسلام، ستنجح مخططات الكفار في بلاد المسلمين، وسيتم تفكيك هذه البلاد المفككة أصلاً، ولا مخرج من هذا الهرج والمرج إلا بنظام الإسلام الذي تطبقه دولة الخلافة الراشدة القائمة قريباً إن شاء الله، وحينئذٍ يقال لخليفة المسلمين: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت".

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ إبراهيم مشرف

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو