التعليم في تونس
December 14, 2014

التعليم في تونس


إن الأمم والشعوب ترتقي بنهضتها الفكرية التي تنتج عنها النهضة العلمية والتطور التكنولوجي. والمجتمع الغربي يقوم على أساس نهضة فكرية وإن كانت فاسدة وخاطئة، إلا أنها أنتجت نهضة علمية تقوم على مقياس نظرتهم للحياة.


ولأن الأمة الإسلامية اليوم تفتقر إلى النهضة الفكرية أساسا، فإن نظام حياتها من سياسة دولية واقتصادية وتعليم يعتمد على تبعية الغرب وإملاءاته وليس لها الخيار في ذلك؛ فهي قوانين وبرامج ومناهج تُفرض عليه فرضاً وتُسقط عليه إسقاطا، ولم يكن هذا ممكناً ولا متاحاً لو لم تتوفر نخبة عميلة استلمت مقاليد الحكم ورسمت مصائر العباد.


هذا هو حال بلاد الإسلام بأكملها، وسنبين واقع تونس على سبيل المثال لا الحصر، فنجد أن النخب التي تدرس ثقافة الغرب تتشبع بها وتتربع على ازدراء كل ما يمثل ثقافة المسلمين، حتى نصل إلى السوربون الذي هو نموذج لصناعة نخبة تشرف على تربية أبنائنا وتلقنهم دروساً في الولاء للغرب والبراء من عقيدتهم الإسلامية، تلك النخبة تشرف على إدارة التعليم وصياغة البرامج التي ضربت كل المجالات والقطاعات.


فجامعة جامع الزيتونة المعمور التي لم يجرؤ الاستعمار على المساس بها خلال 75 عاماً من الوصاية على البلاد تم إلغاؤها بجرة قلم في كنف ما يسمى بدولة الاستقلال.


ولم يسؤهم أن يأتي خبراء غربيون يسطرون برامج التعليم وقوانينه ورتبه وكل ما يتعلق به على أساس ضرب القاعدة الفكرية؛ فإن أول ما قاموا به هو تهميش اللغة العربية وإقصاؤها عن كونها وعاء يضخ مناهل العلم الثابت والنافع. وفَصَلوا العلوم الشرعية عن باقي المعارف؛ فكانت مادة التربية الإسلامية تدرّس فقط بعض الدقائق من كل أسبوع لسرد آيات من القرآن يستظهر بها الطفل يوم الامتحان، أو لقيمة أخلاقية لا عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام حكم واقتصاد واجتماع وتعليم وتصنيع. ومقابل التربية الإسلامية نجد التربية المدنية؛ فأي تخطيط سياسي ماكر يسلط على رقابنا فصل الدين عن الحياة، مادة يدعى فيها إلى فهم النظام الديمقراطي وأشكاله بل إلى تبنيه بشكل مُسقَط لا يفكَّر في أساسه بل يتم تصويره بالمثالية وجعل نظام الإسلام الذي يضادّه في دائرة الدكتاتورية. مادة يتعلم فيها الطفل القوانين الوضعية والروابط الفاسدة كالوطنية والقومية ومعاهدات غربية تصور على أنها اتفاقات على مستوى حضاري تقدمي. ناهيك عن مادة التاريخ الذي لا مصدر له إلا المستشرقون والمعادون للحضارة الإسلامية، تاريخ جعل من دولة الخلافة دولة احتلال وامبراطورية ومن فرنسا دولة حماية!


وبذلك تمكنوا من بعث جيل مذبذب لا يملك مقاييس ثابتة ولا مبدأ واضحا، لم يستطع يوما أن يحل عقدته الكبرى فيعرف حياته وما قبلها وما بعدها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها.


إن المنظومة التعليمية لا يستقيم وصفها بالهشة أو الخطأ، ولا الدعوة إلى إصلاحها بين الحين والآخر حسب أوضاع وظروف سياسية موقوتة؛ فهي فاسدة في أساسها. وهنا يحق لنا أن نتساءل: لو لم يكن هذا الأمر لغايات مقصودة ولتمريرات سياسية معينة فما الداعي للمراجعة؟ أليس الغرب هو من أنتجها وهو الذي سيعيد رسكلتها؟ أليسوا هم من تسببوا في حشو الأدمغة بمعلومات وثقافات لا صلة لها بعقيدتنا وبواقعنا واحتياجاتنا وخصائصنا وإرادتنا؟ بل أصبح الأصل الذي كان علينا أن نستمد منه ثقافتنا يحرَّف ليطوعوه حسب نظرتهم للحياة وحسب مصالحهم.


أليسوا هم بمعية عملائهم من جعلوا أبناءنا خير مستهلك لما يروجونه من منتوج فكري؟ فأصبح كم هائل من العلوم والمعارف يسلَّط على التلميذ والطالب، ولا يحق لهم حتى السؤال لماذا يهدر الوقت والجهد في التعلم الذي لا ولن يصلح لشيء.


أليس من الغريب أن يدرس أبناؤنا مواد ومعارف دون أن يتسنى لهم ممارسة ما يدرسون، بل يقتصر على القصف العشوائي والمكثف لمعلومات لا أحد يفسر كيف نشأت أو طورت أو كيف يتم تنزيلها في الواقع المعاش أو كيف يستفاد منها؟


نحن الآن في ذمة ثورة الأصل أن يقول الناس فيها كلمتهم:


لا لنظام جثم على صدورنا أكثر من 70 عاما.


لا لنظام جعل الكافر ومفاهيمه هي الأساس بدلا عن العقيدة الإسلامية.


لا لإفراغ الشريعة الإسلامية من مضمونها في المدارس والجامعات وجعلها تخصصا لمن يرغب فيها مما أدى إلى علمنة التعليم وفصله عن العقيدة الإسلامية.


لا لسلب العلم والمعرفة قيمتهما حيث تحول إلى مجرد سبيل للحياة الوظيفية.


لا لهيمنة اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية.


وأخيراً لا تجعلوا أبناءنا ورقة مقايضة تتلاعب بها الأحزاب حسب محسوبيات ومصالح آنية أنانية.


لقد أدرك الغرب أن أغلى ما نملك هو ثروتنا التشريعية فخطط ليضربها ضربا مفصليا، فآن لنا أن ننهض النهضة الصحيحة وتكون لنا القيادة الفكرية للمسلمين قاطبة ثم حملها إلى العالم.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أ. شادية الصيادي - تونس

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو