التفكير الاستراتيجي والأحكام الشرعية
التفكير الاستراتيجي والأحكام الشرعية

التفكير الاستراتيجي مصطلح غربي يقصد به التفكير بالموضوع كواقع مع الأخذ بالنظر جميع الظروف التي تحيط بهذا الواقع ومآلات الأمر بعد حصوله ووقوعه، لذا كان التفكير الاستراتيجي هو أرقى مستوى من التفكير السياسي العميق.

0:00 0:00
السرعة:
March 21, 2024

التفكير الاستراتيجي والأحكام الشرعية

التفكير الاستراتيجي والأحكام الشرعية

التفكير الاستراتيجي مصطلح غربي يقصد به التفكير بالموضوع كواقع مع الأخذ بالنظر جميع الظروف التي تحيط بهذا الواقع ومآلات الأمر بعد حصوله ووقوعه، لذا كان التفكير الاستراتيجي هو أرقى مستوى من التفكير السياسي العميق.

وبسبب هذا التعقيد والمستوى العالي لهذا التفكير نجد أن هناك القليل جدا من الناس من يتميزون بهذا المستوى، بل قد يصل الأمر إلى وجود رجل واحد فقط في كل الأمة بهذا المستوى الراقي والدقيق على الرغم من وجود مفكرين مستنيرين ومخلصين كثر، إلا أن التفكير الاستراتيجي يعتبر تاج هذا التفكير لمن ينعم الله به عليه، هذا أولا.

وثانيا، فإننا باعتبارنا مسلمين نخضع كل أمر وكل فكر لميزان الشرع الحنيف ونقيس الفكر أو الواقع بناء على الحكم الشرعي فيه، فلا يجوز أن نأخذ هذا الفكر على أنه واقع لا يجب تجاوزه أو التخلي عنه، بل يجب دراسة واقع التفكير الاستراتيجي أولا ومن ثم إخضاعه للأحكام الشرعية فإن وافق الأحكام فلا بأس بأخذه وإن خالفها وجب علينا تركه بلا تردد لأن التفكير الاستراتيجي مهما سما وعلا يبقى خاضعا للتفكير البشري المحدود والعاجز والناقص والمحتاج، بينما الحكم الشرعي نابع من وحي الله عز وجل الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ فشتان بين التفكير البشري وبين وحي الله عز وجل!

ولتوضيح هاتين المسألتين نجد أن أصحاب الرسول ﷺ وهم أهل التفكير العميق والمستنير وهم من نزل الوحي فيهم وطبقوه عمليا في واقع حياتهم وأغلبهم مدحهم الرسول الأكرم ﷺ في حياته لصفات وخصائل حميدة فيهم بل كان منهم من الدهاة المعدودين في جزيرة العرب يومئذ، لكنهم جميعا صدموا بالواقع بعد وفاة الرسول ﷺ، حيث بمجرد انتشار الخبر ارتدت غالبية قبائل العرب إما ارتدادا كاملا عن الإسلام أو ارتدادا عن أحكام منه، وبسبب هذا الارتداد لم يبق في المدينة المنورة إلا جيش واحد وهو جيش أسامة رضي الله عنه، وكان الرسول ﷺ قد أعد لهذا الجيش هدفا محددا قبل وفاته ﷺ. هنا اجتمع الصحابة الكرام مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكانوا قد نصبوه خليفة عليهم منذ أيام معدودات، واجتمع معظم الصحابة بمن فيهم كبارهم وأصحاب الرأي السديد فيهم فهداهم (تفكيرهم الاستراتيجي) إلى إبقاء جيش أسامة في المدينة لحمايتها، لكن التزام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بتنفيذ أمر الرسول ﷺ (حكم شرعي) جعله يأمر أسامة بتنفيذ أمر الرسول ﷺ وقال رضي الله عنه: "ما كنت أفك عقدة راية عقدها رسول الله ﷺ"، فهل من التفكير الاستراتيجي إخلاء المدينة المنورة من القوة العسكرية الوحيدة التي تحميها في الوقت الذي وصل فيه إلى أسماع أهل المدينة أن بعض القبائل تستعد لمهاجمتها؟!

فتفكير الصحابة الاستراتيجي كان تفكيرا واقعيا بينما كان تفكير سيدنا أبي بكر تفكيرا نابعا عن تنفيذ الأحكام الشرعية، وشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون الخير كله في إنفاذ هذا الجيش؛ فبهذه الحركة انتقل المسلمون حرفيا من فكرة الدفاع إلى فكرة الهجوم، وأعادت كل القبائل المارقة المرتدة حساباتها وقالوا لبعضهم إن كانت لهم هذه القوة فمن العبث والخطورة بمكان أن نبادئهم بالحرب. فكانت نجاة المسلمين بتنفيذ هذا الحكم وترك ما اقتضاه التفكير الاستراتيجي من عمل.

وبعدها وبعد استقرار الوضع أمر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتجهيز الجيوش لمقاتلة المرتدين كلهم لكن الصحابة الكرام أيضا عارضوه في هذا الرأي وقالوا لنقاتل أولا من ارتد بكليته ومن ثم نتفرغ للآخرين من الذين تركوا حكم الزكاة!

 هنا أيضا ربط سيدنا أبو بكر رضي الله عنه التفكير الاستراتيجي بالأحكام الشرعية فقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، وكان هنا أيضا لوحده في قراره هذا وما زال الصحابة يراجعونه حتى شرح الله صدرهم لما شرح له صدر أبي بكر.

وهنا أيضا كان النصر المؤزر للمسلمين على أعدائهم من المرتدين، وما كان ذلك النصر ليتحقق لولا وجود رجل واحد فقط فريد من نوعه يجمع ما بين التفكير الاستراتيجي والأحكام الشرعية، وبعبارة أخرى إخضاع أعمال التفكير الاستراتيجي للحكم الشرعي، فكما قلنا إذا كان التفكير الاستراتيجي هو تاج التفكير العميق والمستنير فإن الأحكام الشرعية تكون تاجا للتفكير الاستراتيجي ذاته، فالتزامنا بأحكام ربنا جل في علاه وتطبيقنا لها وحرصنا عليها هو الذي يفتح لنا الطريق الصحيح في دياجير الظلام الذي نعيش فيه، فلا خلاص ولا نجاة ولا عز ولا تمكين لنا بمعزل عن أحكام ربنا جل في علاه. "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ريان عادل – ولاية العراق

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو