التجديد ودوره في حياة المسلم  وما سر مماحكة دعاة على أبواب جهنم بـ"التجديد"؟  الجزء الثاني
التجديد ودوره في حياة المسلم  وما سر مماحكة دعاة على أبواب جهنم بـ"التجديد"؟  الجزء الثاني

بعدما بيّنا تلك الحقائق الجوهرية التي عرضناها في الجزء الأول، وفي سياق التمهيد لتمييز الحقائق عن الأباطيل، فقد رأينا أن التجديد هو ديدن العقلاء إذا كان مناسبا للفطرة وللعقل، وأنه، أي التجديد، إن كان بعيداً عن السعي لنوال رضوانه سبحانه وتعالى، كان وبالاً على صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، وإنَّ من نعمة الله على الإنسانية أن أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يحيدوا عن نظام العبودية له سبحانه وتعالى

0:00 0:00
السرعة:
February 15, 2020

التجديد ودوره في حياة المسلم وما سر مماحكة دعاة على أبواب جهنم بـ"التجديد"؟ الجزء الثاني

التجديد ودوره في حياة المسلم

وما سر مماحكة دعاة على أبواب جهنم بـ"التجديد"؟

الجزء الثاني

بعدما بيّنا تلك الحقائق الجوهرية التي عرضناها في الجزء الأول، وفي سياق التمهيد لتمييز الحقائق عن الأباطيل، فقد رأينا أن التجديد هو ديدن العقلاء إذا كان مناسبا للفطرة وللعقل، وأنه، أي التجديد، إن كان بعيداً عن السعي لنوال رضوانه سبحانه وتعالى، كان وبالاً على صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، وإنَّ من نعمة الله على الإنسانية أن أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يحيدوا عن نظام العبودية له سبحانه وتعالى، وكيف تجسد التجديد في جيل الصحابة فأنشأهم نشأة أخرى وأنهضهم النهضة الصحيحة، وكيف تلقوا عقيدة الإسلام تلقيا فكرياً فكانت بحقٍّ قيادةً فكريةً تقود كل مسلم لخيره وخير البشرية جمعاء.

وكما كانت الأمة في قرون الخير الثلاثة الأولى فينبغي للمسلمين أن يتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين؛ فالإسلام يجمعنا جميعا ويصبغنا بصبغة الله، أمة واحدة من دون الناس؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].

قال ابن كثير في تفسيرها: "قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: دينكم دين واحد.

وقال الحسن البصري، في هذه الآية: "بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: سنتكم سنة واحدة. فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ إن واسمها، و﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصب على الحال؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52]، وقال رسول الله ﷺ: «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد». يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله" أ.ه.

ويقول عز من قائل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].

ويخاطب الله أمة الإسلام في قرآنه عشرات المرات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾...

ويكرر المسلمون تلاوة الفاتحة يوميا مرات ومرات، تشهد ميثاقهم أنهم أمة واحدة دون من عداهم من المغضوب عليهم والضالين؛ مبدأ المسلمين الإسلام، فعقيدتهم واحدة، وشريعتهم واحدة، حواهما الكتاب والسنة.

فإن نزغ الشيطان بين طائفتين منهم أمرهم الله أن يعيدوا الأمر إلى نصابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].

وعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْنَا: "هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟" قَالَ: "لاَ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا"، فَأَخْرَجَ كِتَاباً مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً فَعَلَى نَفْسِهِ، أَوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين». أخرجه الإمام أحمد، وعنه: وابنه عبد الله في "السنة"، وأبو داود، والبيهقي في "الكبرى"، والنسائي، وفي "الكبرى"، وغيرهم من طرقهم، وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": "وإسناده صحيح". وقال أيضا: "رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ورجاله رجال الصحيحين" "المحرر في الحديث". وروي بعض هذا الحديث في الصحيحين، وغيرهما من رواية يزيد بن شريك التيمي، والد إبراهيم، عن علي رضي الله عنه.

هذا كيان الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة، كيان واحد لأمة واحدة تؤمن بالله الواحد، قائدها للأبد سيدنا محمد ﷺ. يجير ﷺ، من أجارت أم هانئ، وينصر من استنصره من المسلمين، وعلى سنته ﷺ سارت الأمة تختار من بينها من يقودها بالإسلام لتحمل رسالة الإسلام للعالم، وتقود الأمم، من خلف إمامها الجُنة، لتوحيد الله الخالص، تغير مفاهيم الناس المنخفِضة والجاهلة بالإسلام عقيدة وشريعة، لتجعلَهم يسلكون سلوكاً راقياً يتفق ونظام الحياة الذي جاء به الوحي، هذه هي رسالتهم للناس، وديدنهم في حملها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

والأمة في سبيل حملها رسالة الإسلام قد رسم الإسلام طريقة شرعية لها لتقوم بواجبها، وقد بينتها سيرة الرسول ﷺ، وسارت عليها طليعة الأمة، الخلفاء الراشدون وقرون الخير الثلاثة الأولى، وأمرنا الله على لسان رسوله أن نتأسى بهم لنبقى خير أمة أخرجت للناس، تحمل الخير للناس وتجدد وتضيء وتنير لهم سبيلهم بإقناعهم قناعة فكرية مستنيرة بمبدأ الإسلام.. ووضع للمسلمين حصونا وأسيجة فكرية وأطراً شرعية تحول بينهم وبين أن يتأخروا عن وسطيتهم التي هي سؤددهم وشرفهم وإشرافهم وقوامتهم على سائر الأمم بالإسلام لا غير... منها أن الإسلام نهى وحذر وحرم على المسلمين موادّة كل من حادَّ الله بأدنى قدر من الموادّة... فضلاً عن أن يتلوثوا بشيء من حضاراتهم المحاربة والمضادة للإسلام تحت أي دعوى كانت ولو تمت تسميتها باسم برَّاقٍ مثل "التجديد"!

تلك الفكرة التي دسها علينا الغرب الكافر المستعمر (بقيادة إنجلترا)، قبل أكثر من مئة عام، وسماها، تدليسا، "الإصلاح"، وجعل لها مدرسة وزعماء أسقط بدعوتهم "الإصلاحية" دولة الإسلام والمسلمين سنة 1924م، بعدما أشاع حولهم مكراً هالات "الزعامة" و"الإمامة"، وأغدق عليهم سرا وجهرا النفقات والأموال، بل ونصب أحدهم شيخا للأزهر؛ وعلى خطا الإنجليز يسير اليوم المستعمر الجديد (أمريكا) في نهج تضليل الأمة، ويسمي خطته "التجديد".

ونبدأ، تاليا، بحول الله تعالى وقوته، في كشف قدامى دعاة "التجديد"، الملقبين بـ"زعماء الإصلاح الحديث"، أو "مدرسة الإصلاح"؛ أصحاب "مدرسة التفسير العقلي للقرآن الكريم"، ودعاتها على أبواب جهنم؛ وسنقتصر في الاستدلال على أفكارهم، التي حاولوا بها تضليل الأمة، من مذكراتهم ومن كتابات تلاميذهم المقربين ومحبيهم فقط.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ طاهر عبد الرحمن – ولاية مصر

لقراءة الجزء الأول اضغط هنــا

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو