التكافل الاجتماعي مثالا لشمولية وتكامل الأحكام لبناء نظام مجتمعي صالح
November 27, 2018

التكافل الاجتماعي مثالا لشمولية وتكامل الأحكام لبناء نظام مجتمعي صالح

التكافل الاجتماعي مثالا لشمولية وتكامل الأحكام لبناء نظام مجتمعي صالح

حين ننظر إلى مجموعة القوانين الناظمة لعلاقات المجتمع، لا بد أن نجد التكامل فيها، وأن يظهر فيها البُعد المجتمعي، فمثلا في الإسلام تجد قوانين وتشريعات تفضي إلى تحقيق نظام التكافل الاجتماعي، "والتكافل في الإسلام، يمثل فكرة متقدمة، تتجاوز مجرد التعاون بين الناس، أو تقديم أوجه المساعدة وقت الضعف والحاجة. ومبناه ليس الحاجة الاجتماعية التي تفرض نفسها في وقت معين أو مكان بعينه، وإنما يستمد التكافل الاجتماعي في الإسلام مبناه من مبدأ مقرر في الشريعة، وهو مبدأ الولاية المتبادلة بين المؤمنين في المجتمع، يقول الله تعالى: A﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].

فالإنسان في التصور الإسلامي، لا يعيش مستقلا بنفسه، منعزلا عن غيره، وإنما يتبادل مع أفراد المجتمع الآخرين الولاية، بما تعنيه من الإشراف والتساند والتكافل والنصرة والعون في أمور الحياة، وفي شؤون المجتمع."[1]

"ويتضمن التكافل الاجتماعي أيضا مبدأ المسؤولية الفردية والجماعية في الإسلام، فقد أوجب الإسلام على المسلمين المسئولية عن الغير حتى في التفكير بالعيش، لأن التفكير بالعيش هو الذي يصوغ الحياة للفرد وللأسرة وللقوم وللمجتمع وللأمة، وللإنسانية جمعاء، ويُبنى على وجهة النظر في الحياة، لذلك تجد المبدأ الرأسمالي يخلو من المسئولية عن الغير، ومن مظاهر المسئولية عن الغير في الإسلام أن على المسلم أن يكرم ضيفه، قال  ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ (فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» (رواه البخاري ومسلم)، وأمره الإسلام أن يتحلى بالإيثار دون الأثرة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وحين يشبع المسلم وأولاده، فعليه أن يشبع جوعة جاره، قال  ﷺ : «مَا آمَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ»[2]، وحين يشعر بالأمن فعليه أن يغيث الخائفين فقال  ﷺ : «إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاهْدُوا السَّبِيلَ، وَرُدُّوا السَّلَامَ، وَأَغِيثُوا الْمَظْلُومَ»، وحين يهتم المسلم بأمر نفسه، فقد أمره الإسلام أن يهتم بأمر المسلمين، ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بايعت النبي  ﷺ  على "إيقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"، وفي صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم الداري رضي الله عنه أن النبي  ﷺ  قال: «الدِّينُ النّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَةِ المُسلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ»، ولم يترك الإسلام أحداً من معتنقيه إلا وكلفه المسئولية طالما كان بالغا عاقلا، روى البخاري رحمه الله: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كان يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  ﷺ  يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وللحديث حوالي 45 رواية[3]... من هذه النصوص نجد أن الإسلام قد أوجب على معتنقيه من رئيس الدولة حتى الراعي الذي يرعى الغنم في سفوح الجبال وبطون الأودية مسئوليات تتسع وتضيق بحسب الجهة المخاطبة بالتكليف، وقدراته".[4]

"والتكافل الاجتماعي يقصد به أن يكون آحاد الشعب في كفالة جماعتهم، وأن يكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلا في مجتمعه، يمده بالخير، وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد ودفع الأضرار، ثم في المحافظة على دفع الأضرار عن البناء الاجتماعي، وإقامته على أسس سليمة... والتكافل الاجتماعي في مغزاه ومؤداه أن يحس كل واحد في المجتمع بأن عليه واجبات لهذا المجتمع يجب عليه أداؤها، وأنه إن تقاصر في أدائها، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار البناء عليه وعلى غيره، وأن للفرد حقوقا في هذا المجتمع يجب على القوامين عليه أن يعطوا كل ذي حق حقه من غير تقصير ولا إهمال، وأن يدفع الضرر عن الضعفاء ويسد خلل العاجزين، وأنه إن لم يكن ذلك تآكلت لَبِنَاتُ البناء، ولا بد أن يخر منهارا بعد حين"[5].

ولعل من أبلغ التعبير الجامع لمعنى التكافل الاجتماعي ما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قوله  ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»[6] ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ  ﷺ  جَالِساً إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»، وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[7]، وفي رواية «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[8].

وقد بين الرسول  ﷺ  مسؤولية المجتمع عن كل فرد محتاج فيه، في عبارة قوية في إنذارها للفرد والمجتمع: «لَيْسَ المؤْمِنُ بِالَّذِيْ يَشْبَعُ وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ»[9].

وعَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفر مَعَ اَلنبِيِّ  ﷺ ، إِذْ جَاءَ رَجُل عَلَى رَاحِلَة لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ الله  ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْل مِن زَاد فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ اَلْمَالِ مَا ذَكَر، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَهُ لا حق لأَحَدٍ منا فِي فَضْل[10]. [11]، بل وامتدت بعض فروع نظام التكافل لتشمل غير المسلمين من الرعية، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.

فعلى صعيد الأسرة يتحمل الزوجان المسئولية المشتركة في القيام بالواجبات كل بحسب ما فطر عليه، وما يستطيع، «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» وحفظ لكل من الزوجين حقوقهما: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وللرجل مسئوليات الإنفاق حتى على المطلقة طوال فترة العدة، وللأطفال حق الرعاية والتربية، وعليهم واجب البر بالوالدين والإحسان لهما ومصاحبتهما بالمعروف، والغني في الأسرة يعين الفقير العاجز، كي تتثبت أركان دعائم الأسرة وتقوى وتتماسك ولا تنحل أواصرها، مما قد يفضي للانحلال المجتمعي، ومن القواعد المقررة في الشريعة أن الحقوق والواجبات متبادلة، فإن كان الميراث حقا للوارث إذا مات الشخص غنيا، فالإنفاق واجب عليه إذا عجز! وعليه أن ينفق على من لو مات ورثه إذا عجز ذلك القريب أو احتاج! هذا وتجب النفقة حتى مع اختلاف الدين، إلى غير ذلك من مظاهر التكافل داخل الأسرة وأحكامه[12]، ثم تنسحب الأحكام على الفقير العاجز أو المحتاج من ذوي القربى والأرحام، والنفقة هذه نوع من صلة الرحم، فإن لم يكن في القرابة قاصيها ودانيها من يستطيع الإنفاق على الفقير العاجز انتقل الوجوب من الأسرة الصغرى إلى الأسرة الكبرى، وهي المجتمع ممثلا بالدولة، كما كان يفعل رسول الله  ﷺ  فقد كان يمد العاجزين، حتى إنه كان يزوجهم، وكما كان يفعل الخلفاء من بعده، إذ كانوا يعسّون الحارات والقوافل القادمة يبحثون عن الفقراء لإعطائهم.

ثم التكافل داخل الجماعة فالأفراد مسئولون عن النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحفاظ على قيم المجتمع، ومازج الإسلام بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، بحيث يكون تحقيق المصلحة الخاصة مكملاً للمصلحة العامة، وتحقيق المصلحة العامة متضمناً لمصلحة الفرد، فالفرد في المجتمع المسلم مسئول تضامنياً عن حفظ النظام العام، وعن التصرف الذي يمكن أن يسيء إلى المجتمع، أو يعطل بعض مصالحه، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]، كما أن الفرد مأمور بإجادة أدائه الاجتماعي بأن يكون وجوده فعالاً ومؤثراً في المجتمع الذي يعيش فيه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]. وقال رسول الله  ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»، وقد بين الرسول  ﷺ  حال أفراد المجتمع في تماسكهم وتكافلهم بصورة تمثيلية رائعة حيث قال  ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». من جانب آخر فإن الجماعة أيضا مسئولة عن حفظ حرمات الفرد وكفالة حقوقه وخصوصياته وعرضه وكرامته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 11- 12]. وقد صور الرسول  ﷺ  هذه الصورة التكافلية في مثال رائع بقوله  ﷺ : «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً».

ومن أحكام التكافل الاجتماعي الأحكام المتعلقة بكفالة كبار السن، وكفالة الأيتام والصغار، وكفالة الفقراء والمساكين، والشيوخ والمطلقات والأرامل، ورعاية اللقطاء، والمنكوبين والمكروبين، ورعاية حق الجار، وحقوق الضيف والغريب، وابن السبيل، وغيرها، ولأجل تحقيق ذلك قام الإسلام بفرض[13] الزكاة، والكفارات، والصدقات، وإسعاف المحتاج، وإغاثة الملهوف، والوقف، والوصية، والعارية، وعلى الدولة مسؤوليات رعوية، روى البخاري رضي الله عنه: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  ﷺ  قال: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ».

"تأمل كيف أن الإسلام قد جعل كفارات الذنوب تعاونا اجتماعيا، فمن أفطر في رمضان فعليه عتق رقبة، أو صيام ستين يوما، أو إطعام ستين مسكينا، ومن حلف وحنث في يمينه كان عليه عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، ومن افترى على نفسه وقال إن امرأته كأمه في التحريم فعليه أن يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع فعليه أن يتصدق بإطعام ستين مسكينا، ومن أفطر في رمضان لعجز أو مرض ولا قدرة له على أدائه في المستقبل بسبب الشيخوخة أو المرض المزمن فعليه فدية عن كل يوم إطعام فقير! وهكذا تجد كفارات الذنوب تكافلا اجتماعيا، وكأن الذنب الذي يرتكب والتقصير في عبادة اعتداء اجتماعي مجتمعي، فلا يكف الاعتداء المجتمعي إلا بالتعاون المجتمعي، بما يسد النقص ويزيل الخلل، ولقد اعتبر النبي  ﷺ  كل إعطاء للفقير مكفرا للسيئات، فقال  ﷺ : «أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ»، إذ كل معصية مهما كبرت أو صغرت ظهرت أو خفيت، تعد اعتداء اجتماعيا فلا يزول أثرها إلا بتعويض للمجتمع."[14] وتأمل كيف أن الإسلام جعل من أقسام بيت المال ومصارف الزكاة للفقراء والمساكين وابن السبيل وللغارمين أسهما، وليست الزكاة صدقة منثورة وليس فيها إذلال للفقير، وإنما هي واجب اجتماعي، وفيها حق معلوم للفقير في مال الغني، وفي زروعه وحيواناته وتجارته، ووسيلة قد يسد بها الغارم ديونه.

فالتكافل الاجتماعي يفضي إلى سد أحوال العجز والعوز، ومعالجة كل أنواع الضعف مهما يكن سبيلها، فهو وسيلة لمحاربة الفقر والعجز. كما ويفضي إلى التعاون، ودفع الأضرار، ومنع التحاسد والتباغض والتفاوت بين أفراد المجتمع، ويساهم في سد الحاجات وإغاثة اللهفان، ورفع الظلم، والتعاون على البر والتقوى.

هذه نبذة سريعة غير جامعة لكل أحكام التكافل الاجتماعي في الإسلام، ولكنها تعطيك لمحة عن هذا النظام، وكيف أن الأحكام الجزئية تصب في إقامة نظام شامل، وكيف يقوم الإسلام بعلاج المشاكل في إطار تحقيق منظومات قيمية مجتمعية تسعد الإنسان وتقيم المجتمعات على أسس من التكافل والتراحم والمسئوليات المفضية لرقي تلك المجتمعات ونهضتها!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ثائر سلامة (أبو مالك)


[1]الإسلام والتكافل الإجتماعي، د. بدر عبد الحميد هميسه.

[2] رواه الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله  ﷺ : «مَا آمَنَ بِيْ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ». ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله  ﷺ : «لَيْسَ المؤْمِنُ بِالَّذِيْ يَشْبَعُ وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ». وصححه الذهبي في التلخيص،

[3] انظر موقع الدرر السنية فيها تخريج الروايات الـ45.

[4] طريق العزة، يوسف السباتين رحمه الله تعالى، ص 22-23 بتصرف.

[5] التكافل الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد أبو زهرة، ص 7.

[6] أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم، (3/ 129) برقم: (2446)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (4/ 1999)، برقم: (2585).

[7] أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (4/ 1999)، برقم: (2586)، والبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، (8/ 10) برقم: (6011)، بلفظ: «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»

[8] أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (4/ 2000) برقم: (67).

[9] رواه البخاري في الأدب المفرد، والمعجم الكبير للطبراني (12/ 154) برقم: (12741).

[10] أخرجه أحمد 3/34 (11313) و"مسلم" 5/138 (4538) و"أبو داود" 1663.

[11]الإسلام والتكافل الإجتماعي، د. بدر عبد الحميد هميسه.

[12] يراجع كتاب: التكافل الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد أبو زهرة ص 60 وما بعدها للتفصيلات الفقهية

[13] يراجع كتاب: التكافل الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد أبو زهرة ص 85 وما بعدها للتفصيلات الفقهية

[14] التكافل الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد أبو زهرة، ص 14

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو