الطلاق حلال وإن كان أبغضه
October 23, 2018

الطلاق حلال وإن كان أبغضه

الطلاق حلال وإن كان أبغضه

لأنّه تشريع كامل فقد أحاط الإنسان بالرّعاية ووفّر له الطّرق التي تمكّنه من إشباع حاجاته العضويّة وغرائزه دون أن تتسبّب هذه الطرق له ولغيره من بني جنسه في الشّقاء وأوجد الحلول الشّافية الكافية لكلّ ما يعترضه من مشاكل وصعوبات... هذا هو الإسلام الدّين الذي ارتضاه الخالق لعباده حتّى يحيوا هانئين راضين مرضين ربّهم. وغريزة النّوع والحفاظ على النّوع البشري كغيرها من الغرائز تناولها الإسلام بالدّرس وبيّن الّطريقة الشّرعيّة لإشباعها فسنّ الزّواج ليكون العلاقة المقدّسة بين الزّوجين... رباط وثيق يجمع بينهما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]

هذا الرّباط الذي ينبغي على كلّ من آمن بالله أن يسير عليه دون غيره من الحلول التي تشبع هذه الغريزة. لهذا أوجب الإسلام حسن الاختيار وأكّد على الحرص على أن يكون الطّيبون للطّيّبات ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ حتّى تكون هذه الشّراكة متينة قويّة دائمة مدى حياتهما.

لكن! يمكن أن يحصل خطأ في الاختيار سواء اختيار الزّوج أو الزّوجة فتفسد العلاقة بينهما ويستحيل العيش بينهما لتباين في طباعهما أو تضارب في مصالحهما أو عدم الوفاق والمحبّة بينهما، فتتحوّل هذه الحياة إلى جحيم لا يطاق ويفرض الحلّ - الذي لا مفرّ منه - نفسَه: الطّلاق! نعم لقد شرّع الإسلام الطّلاق واعتبره - أبغض الحلال - ولكنّه حلّ لا بدّ منه في بعض حالات زواج استعصى توافق الطرفين فيها بل استحال عيشهما معا.

حتّى يحافظ على هذه الخليّة من مخاطر أخرى هدّامة لها وللمجتمع بأسره شرّع الإسلام الطّلاق... وحتّى لا تتلوّث هذه العلاقة ولا يشوب هذا الرّباط الغليظ أيّ شائبة بعد أن انعدم الوفاق والتّآلف بين الزّوجين شرع الإسلام الطّلاق... لأنّ الله يعلم من خلق ويعلم ما جبل عليه خلقه، جعل للزّوجين متنفّسا "بالحلال" ليفكّا هذا الرّباط حتّى لا يسلكا طرقا تهوي بهما إلى ما يدنّسان بها تلك العلاقة ويغضبان ربّهما.

حين تناولت النصرانيّة هذه المسألة اعتبرتها غير مقبولة ولم تسمح للزّوجين بالطلاق فهي تعتبره رباطا مقدّسا فعلى الرّجل أن يرتبط بامرأة واحدة مدى الحياة وعلى كلا الزّوجين أن يكون أميناً لعهود الزّوجية المقدّسة. فحرّمت الطّلاق مبدئياً كقاعدة عامّة. ولكنّها وجدت نفسها أمام وضعيّات استحال عيش الزّوجين معا فيها وهو ما يمكن أن يدفع بهما إلى طرق أخرى يحيون فيها كلّ يلبّي رغباته وحاجاته كما يشاء فتنتشر العلاقات غير الشّرعيّة وتهتزّ الرّوابط الأسريّة ويفسد المجتمع. تعتمد الكنيسة على مرجعها الأوّل "الكتاب المقدّس" والذي ينصّ في كثير من المواضع على أنّ "من طلّق امرأته إلا لعلّة الزّنا، يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلّقة فإنّه يزني"، لكنّها وأمام صعوبات اعترضتها في البتّ في علاقات زوجيّة مضطربة اضطرّت لوضع تشريعات واجتهادات حتّى يصبح الطّلاق مقبولا ومنها اقتراف أحد الطّرفين جريمة الزّنا وتدنيس قدسيّة الزّواج أو إصابة أحد الزوجين بالجنون والانفعالات النفسية الشديدة التي لا يمكن شفاؤها والتي تشكّل خطراً على الحياة الزوجية والأولاد فيما بعد أو عند ترك الزوجين بيت الزوجية، دون إذن أو علم الآخر، ودوام ذلك لفترة طويلة قد تكون ثلاث سنوات أو أكثر وأيضا عندما يكون زواج أحد الطرفين من الآخر بالإكراه ودون موافقته ورضاه.

هذا موقف الكنيسة التي تعترف بالزّواج رباطا مقدّسا يجب أن يدوم ولا يفكّ ورغم ذلك وأمام التحدّيات التي اعترضت العديد من الأسر والتي صعب تعايش الزّوجين فيها أقرّت في حالات عديدة الطّلاقَ...

موقف آخر يروّج له دعاة الحرّيّات والأنثويّة وينادون فيه إلى العيش دون هذا الرّباط فلكلّ طرف أن يحيا كما يشاء!! موقف يسعى فيه أصحابه إلى تقويض الأسرة وهدم كيانها.

تعتبر الكاتبة الوجوديّة سيمون دي بوفوار الزّواج "السّجن الأبديّ للمرأة يقطع آمالها وأحلامها" واعتبرت مؤسّسة الزّواج مؤسّسة لقهر المرأة يجب هدمها وإلغاؤها، كما دعت الفلسفة الأنثويّة إلى "حرّيّة الاقتران وحرّيّة الافتراق في أيّ لحظة وذلك بين أيّ فردين مثلين أو مختلفين"... موقف يؤسّس لحياة تسيّب وعبث واختلاط أنساب وهدم للأسر وللمجتمع بأكمله...

الإسلام شرع الله وهو أفضل ما تسيّر به حياة الإنسان، فمن أعلم بالخلق سوى خالقهم ومن أقدر على تسيير حياتهم وضبط أعمالهم سواه؟ شرع لهم الزّواج ليشبعوا غرائزهم وليتكاثروا ويتناسلوا فيستمرّ نوعهم وتستمرّ حياتهم وحثّهم على حسن الاختيار ليتواصل هذا الزّواج ويحيوا حياة تفاهم ووئام، لكن قد يطرأ على هذه العلاقة ما يعكّر صفوها ويعمل الشيطان على أن يفرّق بين الزّوجين متباهيا بذلك سعيدا بتحقيقه، قال رسول الله ﷺ: «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثمّ يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول: نِعم أنت...» هو عمل من أعمال الشّيطان ورغم أنّه أبغض الحلال عند الله إلّا أنّه يبقى حلالا ويبقى حلّا بعد أن فشلت كلّ المحاولات لفصل النّزاعات والخلافات واستحالت الحياة بين الزّوجين فتحتّم انحلاله وأصبح الحلّ الأفضل لأنّ استمرار الحياة بين الزوجين صار أسوأ وأخطر من هذا الانحلال.

جاء الإسلام فنقّى المجتمعات من كلّ الشّوائب والأفكار الفاسدة والعلاقات الخاطئة وركّز فيها النّقاء والصّفاء في الأفكار والعلاقات فصارت واضحة صافية... تلك مفاهيمه وتلك معالجاته وما طرحه من حلّ لعلاقة الزّوجين حين استحالتها إنّما هو لتصفية هذه القضيّة لأنّ العلاقة قد خلت من الصّفاء والرّحمة والمودّة وحلّ محلّها الكره والبغض وعدم الوفاق.

خصّ الله هذه المسألة بسورة كاملة "الطّلاق" وأطنب الحديث عنها كذلك في سورة "البقرة" حتّى يبيّن أحكامه فيها ويحدّدها للنّاس فيسيّروا حياتهم وفقها - كما يريد ربّهم - فيحافظ على المجتمع الذي - وإن تعرّضت خلايا من خلاياه إلى الإصابة - يثبت أمام الهزّات التي تستهدفه وتريد النّيل منه. ففي هذا الدّين العظيم من الحلول ما يدفع به المجتمع عن كيانه الأذى ويثبّت به دعائمه.

في الإسلام الخير كلّه مهما بدا لنا في الأمور من مساوئ ومن شرور فحكمنا عليها وما ترتّب عنها منقوص لا نرى خفاياها ولا يعلمها إلّا الله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والطّلاق وإن كان فيه ما فيه من مساوئ فإنّه بإذن الله خير للزّوجين وللأبناء وللأسرة عموما وهو أفضل من بقائهما معا - وقد استحال - لأنّه سيحوّل الحياة جحيما ويجلب الشّرور والمفاسد.

الزّواج رباط وثيق وغليظ وقد حثّ الإسلام على أن يُبنى على ركائز ثابتة قويّة تجعله يصمد أمام الصّعوبات والخلافات التي من الممكن أن تعترض الزّوجين والتي يعالجانها بما تبنّياه من أحكام وبما قامت عليه علاقتهما من حبّ في الله وعمل على إرضائه. هذا ما شرّعه الله لعباده حتّى تكون الأسرة متلاحمة تربطها علاقات الودّ والحبّ والرّحمة ويكون المجتمع بذلك مجتمعا متماسكا يجمع بين أفراده تنافس على نيل الخيرات وسعي لإرضاء ربّ الأرض والسّماوات، ولئن شاب هذه العلاقات شيء من الخلل والنقصان فالحلول متوفّرة فصّلها شرع الرّحمن.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو