الطّريق إلى أعلى مراتب الإيمان: "أن نعبد الله كأنّنا نراه"
May 01, 2021

الطّريق إلى أعلى مراتب الإيمان: "أن نعبد الله كأنّنا نراه"

الطّريق إلى أعلى مراتب الإيمان: "أن نعبد الله كأنّنا نراه"

لقد أنعم الله على عباده بنعم كثيرة لا تحصى ولا تعدّ وأعظمها نعمة الإسلام التي كرّم بها أمّة نبيّه الحبيب محمّد ﷺ والتي أنزلها عليه لينشرها في العالمين هدى ورحمة. فأدّى عليه الصّلاة والسّلام الأمانة وترك أمّته خير أمّة تقود النّاس إلى الخير وتنشر فيهم الرّحمة، ولكنّ حالها تغيّر وصارت في ذيل الأمم مسلوبة أراضيها منهوبة ثرواتها منتهكة أعراضها بعد أن هدمت دولة الخلافة التي كانت تحميها وتذود عنها ضدّ الأعداء.

مرّ على هدم هذا الحصن قرن من الزّمن، مرّ على إقصاء الإسلام عن حياة المسلمين مائة عام. مائة عام والمسلمون يحيون "ميّتين"، فما دعاهم رسولهم إليه قد ألغي من حياتهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وفرضت عليهم قوانين وضعيّة سيّرت حياتهم وفق النّظام العالميّ الرّأسماليّ الذي حلّ مكان النّظام الإسلامي وأقصاه. وهل يهنأ المسلمون بعيش أُقصي فيه دينهم وتعطّلت أحكامه؟!

لقد عمل النّظام الرّأسماليّ على أن يبعد المسلمين عن ربّهم، يعبدونه في أماكن ومناسبات ولا يتقرّبون إليه إلّا في بعض الأحكام. تمكّن بمفاهيمه الفاسدة القائمة على المصلحة والمنفعة أن يشكّل عبادتهم على النّحو الذي يريده هو ووفق ما تنصّ عليه حضارته الغربيّة: فصل الدّين عن الحياة، فصارت عبادة المسلمين لربّهم مقتصرة على صلاة وصيام وحجّ وصاروا يعيشون بأحكام غير أحكامه تسيّر حياتهم السّياسيّة والاقتصاديّة وحتّى الاجتماعيّة وامتثلوا لأوامر هذا النّظام الرّأسماليّ.

فعلاوة على ما صارت عليه العلاقات من روابط تقوم على مدى ما ستجلب من فائدة ومنفعة فإنّ المسلم حين غُيِّب عنه مقياس شرعه "الحلال والحرام" صار يعبد الله دون أن يستحضره في حياته ودون أن يعود لحلول يستنبطها من شرعه ليحلّ ما يعترضه من مشاكل بل صار لا يرى إلاّ ما وضعه النّظام الرّأسماليّ من قوانين والذي نصّب نفسه النّظام الوحيد القادر على تسيير الحياة وعلى العالم بأسره والمسلمين أيضا أن يسيروا معه ووفق ما تنصّ عليه مفاهيم حضارته حتّى يلحقوا بالرّكب وإلّا فإنّهم عاجزون - لا محالة - عن حلّ ما هم عليه من تخلّف، فروّج لذلك ووظّف كلّ وسائله من إعلام وعملاء ليبرز في صورة المنقذ والمصلح وجالب الخير الكثير. وهو على النّقيض من ذلك! يكيد لهم ولدينهم ويسعى جاهدا للقضاء عليهم وعلى حضارتهم العريقة التي تمثّل خطرا يهدّد وجوده إن هي عادت من جديد إلى الحياة.

لقد قام الغرب بحرب فكريّة زعزع فيها ثقة أمّة الإسلام بأحكام دينها، حرب نزع فيها شموليّة هذه الأحكام ليحصرها في العبادات دون العلاقات والمعاملات. وزرع أشواك مفاهيمه السّامّة وألغى أحكام الإسلام العطرة وخيرها. وحتّى تستعيد الأمّة عافيتها وتشفى من مرضها عليها أن تقتلع هذه الأشواك وتعود للشّجرة الطّيبة التي تطرح ثمارا طيّبة، عليها أن تلفظ هذه المفاهيم الفاسدة وتعود لمفاهيم دينها النّقيّة الصّافية.

فأن نعبد الله معناه أن نمتثل لأوامره ونواهيه في كلّ كبيرة وصغيرة من حياتنا: في علاقتنا بالله وبأنفسنا وبالآخرين؛ في صلاتنا وصيامنا وقيامنا، في أكلنا وشربنا ولباسنا، في برّنا بآبائنا وصلة رحمنا، في معاملتنا لجيراننا، في بيعنا وشرائنا، في معاملاتنا وعلاقاتنا مهما تنوّعت واختلفت فندور حيث تدور أحكامه ونلتزم بها. فللّه الخلق والأمر وهو ربّنا وخالقنا ومولانا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.

أن نعبد الله هو أن نؤمن به ونوحّده ونعمل على أن لا نعصي له أمرا، نعبده ونتنافس لأن نبلغ أعلى درجات الإيمان، أن نبلغ درجة الإحسان. فما هو الإحسان؟

«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»: كان هذا ردّ النّبيّ ﷺ حين سأله جبريل عليه السّلام عن الإحسان. فالإحسان هو أن يقوم المسلم بالعمل وكأنّه يرى ربّه، واقف بين يديه يجتهد في أعماله ويؤدّيها على خير وجه وأكمله. فعلى المسلم أن يربط صلته بربّه في كلّ حين وفي كلّ حال ولا تغيب عنه ولو للحظة حقيقة أنّ الله يراه ويراقب أعماله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

تناول العديد من الباحثين والعلماء موضوع الإحسان وأطنبوا الحديث فيه وجعلوه من مراتب الإيمان.

فأن تعبد الله كأنّك تراه: معناه أن تراه في العبادة والخلوة، تراه في معاملاتك وعلاقاتك، تراه في كلّ كبيرة وصغيرة من حياتك. وهذه درجة من الإيمان إذا بلغها المسلم فإنّه يكون بذلك قد ارتقى إلى مَنزلةٍ رفيعة. ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.

فالإنسان إن أحسن وعبد ربّه على الوجه الذي يرضيه عنه فإنّ جزاءه سيكون رضوان الله وجنّته، وما أعظمه من جزاء! ما أجمل أن يلقى الإنسان قبولا من ربّه ورضا نتيجة لما قدّمه من أعمال حسنة! ما أحسن أن يقوم الإنسان بأعماله وهو يستحضر خشية ربّه، يخشاه ويطلب رضاه! وما ألذّه من شعور والمسلم يبلغ أعلى مراتب العبوديّة وأفضلها، فيلقى من ربّه حسن الثّواب! ﴿فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فهنيئاً للمحسنين، هنيئا لهم حبّ الله لهم، ونسأل الله أن يكتبنا منهم وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى ويثبّتنا على طاعته.

فأين أمّة الإسلام اليوم من دينها؟ هل تحيا في كنف أحكامه؟ وكيف رضيت بالحياة دون أن تكون مسيّرة بأحكام ربّها؟ كيف تعيش بقوانين من وضع البشر وتتخلّى عن قوانين خالقها؟!

أين المسلمون ممّا يجري اليوم في حياتهم؟ هل يعبدون الله كما أمرهم؟ هل يستحضرون رضا ربّهم وشرعه معطّل ومقصيّ؟ هل يخشون الله ويرونه والأعداء يتطاولون على أحكام الله ويستهزئون برسوله؟ ألا يأملون ويتنافسون لنيل شرف درجة عليا فيعملوا ليكونوا من المحسنين؟

إنّ واقع أمّة الإسلام يحتّم على أبنائها العمل للخروج من هذه الظّلمات التي خيّمت على حياتهم وأن يتحرّروا من قيود النّظام الرّأسماليّ الذي أذاقهم والبشريّة جمعاء الويلات وضنك العيش. عليهم أن يعبدوا الله وكأنّهم يرونه فيستحضرون رضاه عنهم إن عملوا على إعادة شرعه وأحكامه إلى حياتهم ونشره للنّاس كافّة. عليهم أن يحثّوا السّير لبلوغ هذه الغاية السّامية الرّفيعة فيلقوا من ربّهم ما يسعدهم في الدّنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهذه معيّة خاصّة، ومعنى الذين اتّقوا أي تركوا المحرّمات، والذين هم محسنون أي فعلوا الطّاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيّدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم). وهل هناك أعظم حرمة من العيش بدون شرع الله وأحكامه تطبّق في حياة المسلم؟ هل ثمّة طاعة أعظم من تحكيم شرع الله في الأرض؟

حتى يَسير المؤمنُ في درب الإحسان في جميع ما يَصدر عنه من أعمالٍ، وأقوالٍ، وتصرّفات؛ عليه أن يعبد الله سبحانه وتعالى كما يحبّ ويرضى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾، وعليه أن يستحضر مراقبة الله سبحانه وتعالى له في كلّ الأحوال، وأن يَتيقّن بأنّ الله على كلّ شيء رقيبٌ شهيد ولا يغيب عن علمه مِثقال ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، فإذا استحضر المسلم ذلك فإنّه سيسعى لأن يَسمو بعمله ويرفع من سقف مطالبه وأهدافه ويجعل من إقامة دولة الخلافة التي ستطبّق شرع الله همّه وشغله الشّاغل فيجتهد ويعمل مع العاملين لبلوغ تلك الغاية ويستحضر مراقبة الله سبحانه وتعالى له في جميع أعماله، وحركاته، وسكناته.

على المسلم أن يعبد الله كما يحبّ لا كما يريد هو فيبحث عن الحجج الواهية ليبرّر تجاوزه لأحكام ربّه ويلوي عنق النّصوص الشّرعيّة حتّى تتماشى والواقع الذي يعيشه. هي آثار الحضارة الخبيثة التي حلّت وسادت حياة المسلم فصار يتأرجح بين أحكام دينه وبين واقع مادّيّ فاسد فساد الحضارة التي تسيّره، صار يحاول أن يتأقلم مع الواقع. فكيف له أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ كيف لا يعضّ بالنّواجذ على أحكام دينه ويقبض على دينه كما يقبض على الجمر ولا يحيد عنها قيد أنملة؟! يسير في طريق بلوغ مرتبة المحسنين كلّفه ذلك ما كلّفه.

إنّ يقين المسلم بمراقبة الله له في جميع أعماله يقيه من الوقوع في المحرّمات ويدفعه للسّعي المتواصل لنيل رضوان الله بأن لا يقوم إلّا بما فيه طاعة ويبتعد عن المعاصي ويتغلّب على ما تحدّثه به نفسه وما يغويه به الشّيطان. يتغلّب على واقع تحكمه حضارة تعادي حضارته فيصارع ويكافح ويعمل على أن لا يسير في ركابها ويتمسّك بكتاب ربّه وسنّة نبيّه ﷺ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَداً: كِتَابُ اللهِ، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ» فيكون المسلم بذلك مع ربّه في كلّ تحرّكاته وتكون أحكام الله حصنه المنيع أمام إغراءات الواقع وملذّات الحياة وشهوات النّفس وتكون له سلاحا في حربه ضدّ الحضارة الرّأسماليّة "العدوّ".

#رمضان_والإحسان

#Ramadan_And_Ihsan

#Ramazan_ve_İhsan

كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو