الزواج في الإسلام  ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
October 20, 2018

الزواج في الإسلام ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

الزواج في الإسلام

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

إن الإنسان مدني بطبعه، أي لا يستطيع أن يعيش منفردا، فالله سبحانه وتعالى فطره على خلقة معينة تتطلب منه أن يشبع جوعاته وغرائزه التي فطرها فيه. والرجل والمرأة في ذلك سواء.. وقد جعلهما يعيشان في مجتمع واحد وجعل بقاء النوع الإنساني متوقفا على اجتماعهما وعلى غريزة النوع، وحديثنا عن هذه الغريزة هنا حديث إنساني مرتفع عن الحيوانية لنرتقي بما منحنا إياه الله وميزنا به عن الحيوان وأكثر. حتى وإن كان يمكن إشباع هذه الغريزة بطريقة خاطئة أو شاذة فهذا لا يؤدي الغرض والغاية والذي هو بقاء النوع الإنساني، حيث إن الله تعالى جعل التّكاثر في الأرض سنة لإعمارها وعبادة الله وحده، وهذا لا يحصل إلا من خلال سبيل واحد هو الزّواج الشّرعيّ بالكيفيّة التي أمر الله بها في كتابه العزيز.

وقد اعتنى الإسلام بهذا الاجتماع بين الرجل والمرأة عناية محاطة بسياج من الأحكام الشرعية، فحث على الزواج ونهى على التبتل، يقال: (تَبَتَّلَ عن الزواج: تركه زُهدًا فيه)، ففي الزواج يتحقق تكثير النسل ويحقَّق للإنسان الاستخلاف في الأرض والمباهاة بين الأمم يوم القيامة. وهو سنة الله عز وجل في خلقه ومن سنن الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

ومن العوامل المهمة في نجاح الزواج وبناء الأسرة اختيار الزوجين كل منهما للآخر، وهناك مواصفات عدة يتم بناء عليها اختيار الزوج أخبرنا بها rفي أحاديثه الشريفة، فبالنسبة للزوجة قال عليه الصلاة والسلام: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ». وعن أبي هُرَيْرَةَ عن الرسول r قال: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا».

وكذلك على الزوج أن يكون ملتزما بأوامر الله، مجتنباً نواهيه، فلا يظلم زوجته، فإن أحبّها أكرمها وإن لم يحبها لم يظلمها ولم يُهنها. قال r: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»... فنرى أن الدين هو أساس الاختيار الصحيح لكلا الزوجين..

إذاً... فالزّواج نظامٌ جميلٌ جعل الله تعالى أساسه المودّة والرّحمة، والتّفاهم والتّعاون، فأعطى للزوجة حقوقاً وأوجب لها احتراماً لا يجوز للزوج اختراقه، وكذلك الرجل أعطاه الله حقوقاً وأوجب على المرأة احترامها والقيام بها، وجعل أساس التعامل بينهما التّعاون والمودة والسكينة وحسن العشرة والإحسان إلى الآخر.

وكما جاء في كتاب النظام الاجتماعي للشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله فإن الزواج "هو تنظيم صلات الذكورة والأنوثة، أي الاجتماع الجنسي بين الرجل والمرأة بنظام خاص، هذا النظام الذي ينظم الصلات بين الجنسين بشكل معين، وهو وحده الذي يجب أن ينتج التناسل، وهو الذي يحصل التكاثر به في النوع الإنساني، وبه توجد الأسرة وعلى أساسه يجري تنظيم الحياة الخاصة".

وإن العشرة بين الأزواج هي عشرة صحبة لا شراكة تجارية، إذ جعل الله سبحانه وتعالى الزوجية محل اطمئنان للزوجين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. والسكن هو الاطمئنان وهو الأصل في الحياة الزوجية أي ليطمئن كل منهما إلى الآخر، وهذه الصحبة بين الزوجين صحبة هناء وطمأنينة، وقد بيّن الشرع ما للزوجة من حقوق على الزوج وما للزوج من حقوق على الزوجة، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.. وكذلك أوصى الله تعالى بحسن العشرة بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهذه العشرة أهدأ للنفس وأهنأ للعيش، وقد وصى عليه الصلاة والسلام الرجال بالنساء في خطبته في حجة الوداع حيث قال: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ...» وقال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

وقد جعل الله قيادة البيت للزوج وجعله قواما على الزوجة أي راعيا لها لا متسلطا عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وقد أوصى المرأة بطاعة زوجها فيما لا يغضب الله، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ»، وقد غفر الله للمرأة التي أطاعت زوجها ولم تخرج من البيت لعيادة أبيها فقد غفر الله لها بطاعتها لأمر زوجها.

هذا هو الزواج في الإسلام؛ يطبقه الفرد بدافع تقوى الله عز وجل التزاما بالأحكام الشرعية فيكون فيه الصيانة للمرأة زوجة وأما وابنة... وحتى إن حصل ما يعكر صفو الحياة الزوجية والتجأ الأمر إلى الفراق بين الأزواج بحصول الطلاق فإن ذلك يحصل ضمن الأحكام الشرعية، ويحفظ لهما حقوقهما وكرامتهما، وكذلك يُراعى وضع الأبناء وحضانة الأم لهم، والإنفاق عليهم بشكل لا يؤدي إلى متاعب أو مشاكل بينهم. ويمكن للأهل أن يعينوها على تربية أبنائها... أما المرأة في ظل العلمانية فلا صيانة لها ولا حفظ حقوق، فإن كانت المصلحة معها أو لا تعارض بين المصالح فهو يعتني بها كزوجة وأم وابنة، وإن لم تكن هناك مصلحة فهي تائهة حائرة لا تدري ما تعمل يضيع أبناؤها ويتشتتون، وتصبح هي تائهة حائرة لا معين لها ولا حقوق...

تحدثنا فيما سبق عن الحياة الزوجية الإسلامية ومعاييرها وأحكامها والتي ندعو الله عز وجل أن تلتزم بها نساء المسلمين... أما اليوم ونحن نعيش خلاف ذلك نرى أن تلك المعايير اختلفت، ففي اختيار الزوجة مثلا؛ أصبحت المرأة العاملة التي تجلب المال بغض النظر عن عملها أفضل من المرأة الملتزمة بأحكام الشرع، وأصبح النظر إلى تكوين الأسرة يعتريه مفاهيم خاطئة مغلوطة عن الزواج والأسرة. فالنساء اليوم يردن المال والسيارات والرحلات وكأن الزواج صفقة مالية يجب أن تكون رابحة بالنسبة للمرأة، وهذا نتج بسبب عيشنا في ظل النفعية الرأسمالية العلمانية ولبعدنا عن دولة تطبق أحكام الإسلام في جميع مجالات الحياة وليس في مجال الزواج والأسرة فقط...

فالهدف من الزواج هو بناء أسرة وتربية أبناء وتنشئة جيل يعمل لرفعة الإسلام... لا جيلاً ضائعاً لا يعي من الإسلام إلا اسمه، ولا تعرف المرأة دورها الحقيقي كأم وربة بيت، وهنا مربط الفرس. فإن كان اختيار الزوجة والزواج بشكل عام وفق معايير الإسلام، كان ما نريد وحصل ما نصبو إليه، وإن لم يتضح الهدف من الزواج ولم يتم اختيار المعايير الصحيحة له أصبح حالنا كحال الغرب من تفكك للأسرة وضياع للأنساب وتهتك للمجتمع.

وأود هنا أن أغتنم هذه الفرصة الطيبة لأبرق رسالة إلى نساء المسلمين في كل مكان:

أختي! إن كنت زوجة فاعلمي أنك أنت العمود الفقري للأسرة وبالتالي للمجتمع، فاعملي على تربية أبنائك ليكونوا رجالا وقادة، وعلى تنشئة بناتك وتربيتهن على أن الأصل في المرأة أنها أم وربة بيت وعرض يجب أن يصان لتفهم الغاية التي تتحقق من فهمها الصحيح لهذا الحكم، وأن دورها هذا لا يقلل من مكانتها أو كرامتها، ولا يهينها ولا يُرجعها للخلف، بل بالعكس يجعلها في المقدمة. أَفهِميها الحياة الزوجية والأحكام المتعلقة بها وبتربية أبنائها حتى تنشئ جيلا واعياً على الإسلام ومفاهيمه...

فيا نساء المسلمين! أما آن الأوان أن نلتزم بقول ربنا عز وجل وكلام رسولنا عليه الصلاة والسلام ونكون زوجات صالحات وأمهات صانعات للرجال وشقائق الرجال، ونكون بذلك فزنا بالدنيا والآخرة، وتركنا علمانية جشعة لا صيانة لنا بها، وأفكاراً بئيسة لا سند لها إلا عقل بشري ناقص محتاج... ففي شرع الله عزنا ومجدنا والطمأنينة التي نسعى إليها وبناء أسرة أساسها متين؛ حبل من الله عز وجل...

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ماريا القبطية

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو