الزواج والخلافة في الأرض  ضمن حملة "الأسرة: التحديات والحلول الإسلامية"
الزواج والخلافة في الأرض  ضمن حملة "الأسرة: التحديات والحلول الإسلامية"

"لقد صنعت كل ما وسعني أن أصنع لتحسين حال أولئك المساكين الأبرياء أبناء الزنا. إلا أنك لا تستطيع أن تصنع لهم الشيء الكثير دون المساس بقواعد الزواج. وإلا أحجم الناس عن الزواج إلا القليل" [عبقرية محمد 44/ 11]. هذا رأي لنابليون الذي الذي يُنسب إليه القانون المدني الفرنسي، الذي وضع الأسس الإدارية والقضائية لمعظم دول أوروبا الغربية وكان لأعماله أثر في السياسة الأوروبية.

0:00 0:00
السرعة:
October 19, 2018

الزواج والخلافة في الأرض ضمن حملة "الأسرة: التحديات والحلول الإسلامية"

الزواج والخلافة في الأرض

ضمن حملة "الأسرة: التحديات والحلول الإسلامية"

"لقد صنعت كل ما وسعني أن أصنع لتحسين حال أولئك المساكين الأبرياء أبناء الزنا. إلا أنك لا تستطيع أن تصنع لهم الشيء الكثير دون المساس بقواعد الزواج. وإلا أحجم الناس عن الزواج إلا القليل" [عبقرية محمد 44/ 11]. هذا رأي لنابليون الذي الذي يُنسب إليه القانون المدني الفرنسي، الذي وضع الأسس الإدارية والقضائية لمعظم دول أوروبا الغربية وكان لأعماله أثر في السياسة الأوروبية.

فولتير الذي تأثر به نابليون يقول في الزواج: "المغامرة الوحيدة التي لا يقدم عليها إلا جبان". أما لينين فيرى أنَّه لا رابطة بين الزوجين أوثق من رابطة الرفيقين في الفندق أو الطريق!

هذه بعض من آراء فلاسفة وقادة ومؤثرين في الحضارة الغربية بشقيّها الرأسمالي والشيوعي، عن الزواج وعلاقة الرجل بالمرأة، تُظهر مدى الاستخفاف ومدى الجهل النابع من هاتين الحضارتين - على لسان منظرين غربيين - بشؤون الإنسان ورعايتها والنهضة بالمجتمع الإنساني بشكل راقٍ يحفظ الكرامة ويحمي المجتمع من الانحدار.

لكنَّ هذه النظرة تختلف في الإسلام الذي يجعل التكاثر مدعاة للتفاخر يوم القيامة.

ورد لفظ "خليفة" في القرآن الكريم مرَّتين: الأولى في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [30]، والثانية في سورة (ص) في قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [26]. وفي الآيتين كان المعنى يؤكد على الغاية من وجودنا في هذه الأرض، وهو الاستخلاف الذي أراده الله سبحانه حين خلق آدم ابتداء. ذكر ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" للآية من سورة البقرة: "فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقينُ ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي، ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسَن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم، فكانت الآية من هذا الوجه إيماءً إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر بدون ذلك".

خلق الله الإنسان وأوجد فيه حاجات عضوية وأودع فيه غرائز وجعله - بهذه الصفات - خليفة في الأرض، وأعطاه من صفات كماله بعض الكمالات، ومن قدرته أعطاه قدرة، ومن علمه أعطاه علماً. إلا أن هذا الخليفة حتى يحمل الأمانة، وحتى يكون أهلاً للخلافة في الأرض كان لا بدَّ أن يكون نسلاً شريفاً طاهراً؛ بأن يكون تواجد الذرية وإنشاء الأجيال بصورة واضحة على أعين الناس مفهومة. فتُحفظ الأنساب وتُصان الأعراض وتأمن المجتمعات لتقوم بالواجب الأعظم وهو الخلافة في الأرض. يقول الله سبحانه في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [72]. فالزواج كان تشريع الله لأجل استمرار الخلفاء في الأرض، وضمان طهارة هؤلاء الخلفاء في نسلهم وأعراضهم.

لم تكن غرائز الإنسان يوماً هدفاً أو قضية بذاتها يُسعى لأجل إشباعها، بل هي مَلكات أودعها الله الإنسانَ لكي تكون عوناً له على السير، فليس للمسلم أن يكرس حياته لأجل إشباعها، فما لهذا وُجدت هذه الغرائز. فالله سبحانه وصف قوم لوط بأنهم قوم عادون، مسرفون ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81]. فهم تجاوزوا الحد وأسرفوا في شهواتهم فتعدَّوا حدود الله بأن صرفوا هذه الغريزة في غير موضعها الذي خلقت له. والله سبحانه يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]. فالتعري يعني الهمجية، والتستر رقي وحضارة، فاللباس يواري سوءات الإنسان، وخلع الثياب دليل التوحش، ودليل البعد عن منهج الله عز وجل.

وقد كانت هذه الفكرة واضحة في الآيات والأحاديث والتراث الإسلامي؛ حيث عبَّر الإمام أحمد بن حنبل عن ذلك بقوله: "من دعاك إلى غير التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام". وكانت دولة الخلافة تعلم أهمية الزواج كلبنة أولى في استقرار المجتمعات وحماية النوع البشري من الفساد والانحلال الذي هو أخطر من الزوال. فكانت تنفق من بيت المال على تزويج الشباب، وكانت تحارب عبر تطبيقها أحكام الإسلام كلَّ ما يمس كيان الأسرة ومؤسسة الزواج بأي خطر. من هذه الأحكام تطبيق حدود الزنا ومحاربة الفاحشة ونشر الثقافة الإسلامية التي تضبط علاقة الرجل بالمرأة فتسمو بهما إلى قمة التعامل الإنساني القائم على البناء وعمارة الأرض.

الإسلام الذي صرَّف الغريزة الجنسية عبر الزواج، يحرم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيين، ويمنع إطلاق البصر والنظر بشهوة لغير الزوج، ويحرِّم على المرأة التبرج وإظهار مفاتنها لغير محارمها؛ وفي الوقت نفسه فإن الإسلام يفرض على المرأة حسن التبعل لزوجها، ويجعل في ذلك أجراً يعادل الجهاد في سبيل الله، ويجعل في علاقة الرجل بأهله أجراً. كل ذلك في نظام بديع يعالج مشكلة في المجتمع البشري بشكل فريد يرتقي بالمجتمع بل بالبشرية جمعاء؛ فلا كبت ولا انحلال، بل طهر وفضيلة وحفاظ على الإنسان وارتقاء بالمجتمع البشري لأرقى صورة. أما التشريعات الوضعية فلم تنتج إلا الشذوذ والرذيلة والانحلال الخلقي الذي يشكل خطراً دامغاً على المجتمعات وبنيتها الأساسية: الأسرة. ففي دولة مثل فرنسا أكَّد التقريرُ السنوي الأخير - الذي أعده "المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الديموغرافية"، وقدم إلى البرلمان الفرنسي - الأوضاعَ المتردية التي آلت إليها مؤسسةُ الزواج في فرنسا، وكيف أنها لم تعد إطاراً للعلاقات بين الجنسين، بل أصبحت العلاقاتُ غير الشرعية هي النمطَ السائد بين المرأة والرجل، فمن بين كل عشرة أشخاص متزوجين يوجد تسعة منهم خارج الإطار الشرعي للزواج!!

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أختكم: بيان جمال

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو