أمريكا تُعِد بنغلادش لضمها إلى حربها ضد الإسلام
October 24, 2010

أمريكا تُعِد بنغلادش لضمها إلى حربها ضد الإسلام

في السادس والعشرين من أيلول أصدرت وزارة الخارجية البنغالية تصريحا صحفيا قالت فيه بأنّ الولايات المتحدة دعت بنغلادش إلى إرسال قوات عسكرية إلى أفغانستان للمساعدة في الجهود الرامية إلى إيجاد الاستقرار في البلد الذي مزقته الحروب، أفغانستان، وقد جاء هذا الطلب في نيويورك على لسان مبعوث أمريكا الخاص لباكستان وأفغانستان رتشارد هولبروك (وهو الذي يُعرف بالحاكم الفعلي لباكستان وأفغانستان) في حديثه لوزيرة الخارجية البنغالية ديبي موني، وبحسب ما جاء في البيان الصحفي فإنّ هولبروك قال بأنّ أمريكا بحاجة إلى مساعدة الأصدقاء من أمثال بنغلادش لفرض الأمن في أفغانستان، وأضاف بأنّه "بحاجة إلى مختلف أنواع المساعدات من مثل نشر قوات عسكرية أو مساعدات اقتصادية وتطويرية وتدريبية للقوات العسكرية"، وردا على هذا الطلب أكدت وزيرة الخارجية البنغالية أنّ الحكومة البنغالية متشجعة لبحث هذا الأمر بمزيد من التفصيل وأنّها ربما توافق على هذا الطلب، وقال البيان الصحفي أنّ مصادر وزارة الخارجية تفيد بأنّ هناك ضغوط دبلوماسية قوية تُمَارس على الحكومة البنغالية للموافقة على هذا الطلب.


التعليق
حينما كانت جنوب آسيا ليست من أولوية السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، كان تركيز أمريكا على بنغلادش من خلال مناوراتها مع الجيش البنغالي في سعيها للسيطرة على الوضع السياسي فيها، ولكن منذ العام 1989 وبعد انهيار الاشتراكية فإنّ مناوراتها مع الجيش البنغالي كانت من خلال ما يسمى بقوات حفظ السلام، وهذا طراز آخر للنيتو، وجاء هذا الطراز من المناورات بسبب محدودية القوات الأمريكية وقدرتها، وخصوصا الجانب العددي للجيش الأمريكي إلى جانب التكلفة المالية الباهظة التي تكبدتها أمريكا كدولة عظمى، لذلك كانت بنغلادش مصدراً للجنود رخيصي التكلفة تستخدمهم أمريكا في النزاعات العديدة في جميع أنحاء العالم، حتى بات الجيش البنغالي "جيش مرتزقة" في يد أمريكا بسبب نفاق الطغمة الحاكمة في بنغلادش، ومنذ ذلك الحين شاركت بنغلادش في قوات حفظ السلام في ناميبيا وكمبوديا والصومال وأوغندا ورواندي وموزمبيق ويوغسلافيا السابقة وليبيريا وهاييتي وطاجاكستان وأفريقيا الغربية وسيراليون وكوسوفو وجورجيا وتيمور الشرقية والكونغو وأثيوبيا.


ومع مطلع القرن الواحد والعشرين كانت علاقة الصداقة الإستراتيجية الأمريكية مع الهند دافعاً لأمريكا لإجبار الجيش البنغالي على تغيير وجهة نظره التاريخية المعادية للهند باستخدام شتى السبل، وكان السبيل الأكثر استخداما هو العصا، وهذا الذي جعل أمريكا تقف صامتة عام 2009 على تنفيذ الهند بالتعاون مع الشيخة حسينة لمجزرة حرس الحدود التي راح ضحيتها أكثر من 57 من خيرة ضباط الجيش البنغالي، وبهذه المجزرة تمكنت الهند من كسر إرادة الجيش البنغالي وأجبرته على تغيير موقفه المعادي للهند وإزالة أي تخوفات أمنية تهددها، وعلى صعيد أخر فقد لقنت أمريكا بنغلادش معنى الوقوف في وجهها في أي أمر كان.


وإلى جانب سياسة العصا هذه ومنذ تسلم الشيخة حسينة للحكم مجددا فإنّ أمريكا أرادت أن تربط قيم الجيش البنغالي بالجيش الأمريكي، لذلك شهدنا العديد من التدريبات المشتركة بين كلا الجيشين فيما عُرف بتدريبات القرش النمر 1و2و3و4 التي جرت في الخليج البنغالي.


في ضوء استخدام أمريكا لسياسة العصا والجزرة أمرت أمريكا القيادة البنغالية بالمشاركة بقوات عسكرية في حربها على الإسلام، والمثير للسخرية أنّ هذا الطلب جاء بينما المجاهدون الأفغانيون يلقنون أمريكا درساً قاسياً وهي الآن تواجه هزيمتها المحتومة، وعندما أدركت الدول المشاركة في النيتو بأنّ هزيمة أمريكا محتومة بدأت تنسحب من أفغانستان الواحدة تلو الأخرى.


إنّ إستراتيجية أمريكا في أفغانستان قد فشلت، حتى ورد على لسان الجنرال بترويوس في كتاب "حروب اوباما" قوله " لا أعتقد أننا سنربح هذه الحرب، أعتقد أننا سنظل نقاتل، إنّ هذه النوع من الحروب يستمر إلى الأجيال القادمة"، وزيادة على ذلك فإنّ الجنرال ماكريستال قد وجه انتقاداته لاوباما وبايدن والمستشارين العسكريين قبل تنحيته من منصب قيادة القوات الأمريكية في أفغانستان والمنطقة.


وبالنسبة لأهل بنغلادش فإنّه من غير المقبول عندهم، بل والمفاجئ أن ترد وزيرة الخارجية على الطلب الأمريكي بالقول أنّ الحكومة مستعدة لبحث هذه المسألة بتفصيل أكثر، فهي قبلت الطلب الأمريكي، وقد لوحظ خلال الأسبوع الماضي نقاشات وتحركات دبلوماسية في دكا لبحث هذه المسألة، وفي الواقع فإنّ الحكومة سعيدة بوصف أمريكا لها بـ "بالصديق وقت الضيق".


على المستأسدين الذين أصبحوا حكاماً في ظل غياب دولة الخلافة من أمثال شاه قرشي في باكستان، وديبي موني في بنغلادش وباقي حكام المسلمين، عليهم أن يعلموا بأنّ كل من الغدّار مشرف وزارداري قد ضحوا بأكثر من 30,000 مسلم وأكثر من 3000 جندي وجرح أكثر من 6000 جندي وتهجير الملايين من بيوتهم وخسارة أكثر من 45 مليار دولار حتى أوصلوا باكستان إلى حافة الإفلاس، وفوق كل ذلك فإنّه بتفعيل مشروع "الصداقة مع باكستان 2009" فقد قاموا بتسليم باكستان على طبق من فضة للأمريكان بالرغم من وجود سابع أكبر جيش في العالم فيها، وبالرغم من كل هذه العبودية والتبعية لأمريكا إلا أنّ أمريكا غير راضية عنهم، فكم هي ساذجة حكومة حسينة، إذ تظن بأنّها تستطيع أن تروي تعطش أمريكا لمزيد من دماء المسلمين!


محمد المأمون دكا- بنغلادش

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار