استقطاب المرأة للمشاركة السياسية مجرد سلّم للوصول إلى مناصب ثم تركها تجابه البؤس والتعاسة
January 28, 2014

استقطاب المرأة للمشاركة السياسية مجرد سلّم للوصول إلى مناصب ثم تركها تجابه البؤس والتعاسة

يعتبر الكثيرون أن المرأة في السودان هي الأوفر حظاً من وصيفاتها في الدول العربية في تحقيق نسبة مشاركة حددت بـ (25%) في اتفاقية الشؤم "نيفاشا" في العام (2005م)، بل ظلت جهات تنادي برفع نسبة مشاركتها في السلطة إلى 35% إن لم تكن مناصفة 50% بين الرجال والنساء في الدستور القادم، ولكن هنالك سؤال مهم هل تحققت مكاسب فعلية للمرأة من كل هذا؟ أم هي مجرد مشاركة ديكورية لا تسمن ولا تغني من جوع.


السودان منذ نشأته جرت فيه عدة انتخابات منذ فترة الحكم الذاتي عندما أجريت أول انتخابات تعددية حزبية، ثم توالت الانتخابات التنفيذية والتشريعية حسب التغيرات الدستورية التي طرأت على نظام الحكم، إلى انتخابات 2010م التي تميزت باختلافات عديدة عن جميع ما سبقها من تجارب انتخابية في كثير من النواحي أهمها أنها أسست لانفصال الجنوب، وحاولت الحكومة إشراك القوى السياسية لتجمع أكبر عدد من القوى السياسية يضفي شرعية على انفصال الجنوب وقد وثّق حزب التحرير في نشراته ما نطقت به الحكومة حول هذا الأمر. أيضا حفلت انتخابات 2010م بدعم شهود الزور الدوليين، ومشاركة منظمات المجتمع المدني ومراقبة جهات أجنبية أهمها مركز كارتر وغيره، بل وعد بوصفها حلاً للاستقرار، فاتضح أنها أداة رخيصة لتمرير سياسات لعينة. فهل يتكرر المشهد أم يعي الناس الدرس؟.


بالنسبة لمشاركة المرأة ودورها أكدت مديرة مركز دراسات المجتمع (مدا) "أميرة الفاضل" أن عام 2014م سيكون محوراً للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والتركيز على الدستور والانتخابات القادمة، وكيفية تحريك منظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية لتكون المشاركة في انتخابات 2015م واسعة.


وقالت خلال حديثها في ندوة المرأة والدستور؛ (الكوتة وانعكاساتها على المشاركة السياسية للمرأة السودانية) التي نظمها المركز بقاعة الشهيد "الزبير للمؤتمرات، قالت إن مركز "مدا" قام بإعداد دراسة مشتركة مع الاتحاد العام للمرأة السودانية لقياس الرأي العام النسائي حول دراسات الدستور لتعريف المرأة بالدستور على مستوى الولايات، وكيفية زيادة المكاسب في الدستور القادم، وكيفية تبسيط المفاهيم للمرأة في الريف، مضيفة أن المركز مهتم بتسليط الضوء على تجربة الكوتة النسوية وكيفية استفادة المرأة من التجربة ومعرفة مدى أثر الأعداد النسوية التي دخلت البرلمان والمجالس التشريعية على قضايا المجتمع والمرأة والطفل.


من جهتها نادت القيادية بالمؤتمر الوطني "بدرية سليمان" بتضمين نظام (الكوتة) في الدستور، مشيرة إلى ضرورة تعديل قانون الانتخابات قبل وضع الدستور الجديد حتى يتسنى تمثيل كل السودان، على أن توضع معايير تلتزم بها الأحزاب في تمثيل المرأة.


وطالبت مديرة معهد دراسات (الجندر) بجامعة الأحفاد بروفسور "بلقيس بابكر بدري" بزيادة نسبة تمثيل النساء في الانتخابات مع وضع معايير للاختيار. وقالت إن استمرار نظام (الكوتة) يعمل على زيادة تمثيل المرأة السودانية من أجل النظر في التفاصيل الداخلية للأشياء لتحقيق المساواة، بالإضافة لكون النساء ينحزن أكثر لقضايا الفقراء والمستضعفين من خلال وجودهن في البرلمان ولطبيعة حس النساء البرلمانيات العالي في الرقابة. وقالت إن مجموعات كبيرة اشتكت من عدم تمثيلها مثل مزارعات الجزيرة وستات الشاي. (صحيفة المجهر 2014/1/9م).


إن المشاركة الشعبية الناتجة من الفكر الديمقراطي لا مكان لها في الواقع، بل حتى في الغرب أصبحت المشاركة ضعيفة تصل إلى 20% كما ذكر المفكر والمؤرخ الأمريكي غور فيدل. هذه النماذج التي تتحدث باسم مشاركة المرأة في السودان في السياسة لا تمثل المرأة في السودان؛ والتي تمتاز بالإقبال الشديد على كل ما ترى في أنه يقربها إلى الله فهي أم وأخت وزوجة الشهيد؛ التي زفته بالتكبير والتهليل؛ هي من حملت زاد المجاهد فاستشهدت في الجنوب، هي التي تمتلئ بها الخلاوي والمراكز الإسلامية، حافظة وقارئة للقرآن الذي يدحض كل ما تضمنته كلمات سياسيات يصلن عن طريق المرأة إلى مناصبهن ويترُكْنها عند أول باب الوزارة والبرلمان. إن النساء في السودان لو خُيِّرن لاخترن الإسلام منهج حياة والقرآن دستورهن؛ الذي يتناسب مع عقيدتهن الإسلامية العظيمة التي لا محل للبشر فيها لوضع القوانين والأحكام والدستور كما هو في الديمقراطية التي تعني حكم الشعب للشعب بتشريع الشعب، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.


إن الدستور الذي يناسب المرأة في السودان هو دستور مبدئي عادل لا تغيره العواصف السياسية، دستور رب العالمين الذي هو أحكام شرعية تستند إلى الكتاب والسنة يكون عبادة في الدنيا وفوزًا ونجاة في الآخرة، وليس ديمقراطية اشتاط أهلها غضبا مما عانوه من تهتّك المجتمعات وعبادة الشهوات، وأكل أموال الناس بالربا السحت وهم يدأبون في إيجاد البديل ولو من أحكام الإسلام.


المساواة التي تنادي بها مديرة مركز الجندر هي قيم غربية لا تناسبنا نحن المسلمات، فماذا يعني أن يساوي الرجل المرأة أو أن تساوي المرأة الرجل! وهل عندما يتساويان في الحقوق والواجبات تتحقق العدالة حتى في الغرب؟! المساواة هي فكر شاذ يلغي كل تمييز مع أن الفروق جوهرية، والمناداة بالمساواة هي سير في ركاب الغرب الذي يعاني من ديمقراطيته التي أصبحت حسب المفكرة الاقتصادية والخبيرة الاستراتيجية (ليليان فورستر) في كتابها الشهير (الفظاعات الاقتصادية) مومياء محنطة، يحاول عبثاً مفكرو الغرب والمستميتون في الدفاع عن قيم الغرب بعث الحياة فيها.


وبخصوص إعداد مركز دراسات المجتمع لدراسة لقياس الرأي العام النسائي حول اتجاهات الدستور الجديد بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة السودانية والتي تهدف إلى:


أولاً: إثارة الوعي العام بأهمية الدستور والتعريف بالقضايا المرتبطة به.


ثانياً: المساهمة في إقرار وثيقة دستور دائم مبني على توافق وإجماع وطني أساسه الرضا والقبول.


ثالثاً: إشراك أكبر نسبة من النساء في إعداد الدستور القادم للسودان لتحقيق أكبر قدر من الإجماع الوطني.


رابعاً: تقييم المكاسب التي حققتها الدساتير السابقة للمرأة والتحديات التي واجهتها لتفاديه في الدستور القادم.


خامساً: الاتفاق حول القضايا القومية الكبرى؛ مثل هوية الدولة وعلاقتها بالدين ونوع النظام وحدود السلطة وغيرها من القضايا التي كانت محل اتفاق للتأكيد عليها أو مثار خلاف للاتفاق حولها.


إن الدستور ما زال في غيابات الجب ينبئ عن نفسه ما دام أنه مبني على إجماع وطني وأساسه الرضا والقبول فهو دستور وضعي لا يمت للإسلام إلا بحروفه العربية وكلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" التي كانت مكان نقاش وجدل في دستور نيفاشا، وماذا يعني أن تشارك المرأة أو لا تشارك فإنه لا يستقيم الظلُّ والعُودُ أعوج؛ فالأساس هو الوطنية التي ليس لها أفكار تنبثق عنها معالجات بل هو مجرد لف ودوران، يتولى زمام الأمور في نهايته حزب واحد، بل شخص واحد يحكم الناس بتشريعه هو، بدل تشريع رب الناس. والحديث عن هوية الدولة وعلاقتها بالدين مجرد استهلاك محلي.


وقضية مشاركة المرأة في صياغة القرار الوطني السوداني هي قضية تحظى بالدعم اللامتناهي دولياً وحتى من قبل الجمعيات النسوية التي تتفاخر وتنسب أي مشاركة للمرأة في الحياة السياسية لها، لتضحيات جسام قامت بها لتثبيت دور المرأة في العمل السياسي. لكن هنا سؤال مُلحّ: هل المشاركة في الأحزاب والدوائر الرسمية تكفي؟ وهل ابتداع أمانات باسمها داخل الأحزاب كأمانة المرأة بالمؤتمر الوطني تكفي؟ وهل وجود المرأة في البرلمان أو وزيرة شؤون اجتماعية لامَسَ مشاكل النساء؟ هل خفّض من معاناة الكادحات العاملات في بيع الطعام والشاي للرجال؟ هل حل النزاعات والحروب التي تحصد الأب والزوج والأخ فتجد المرأة نفسها تهيم على وجهها تتكفل الأسرة، وتعاني شظف العيش والانتهاكات التي لا حصر لها؟ هل أوجد للطالبة حلاً لمعاناتها مع الرسوم الدراسية التي جعلتها تمتهن كل شيء، أشرفها أن تكون متسولة تسأل الناس ليسدوا رمقها وهذا أفضل حالاً ومآلا؟ هل حمت المرأة في شرق النيل التي تسكن منذ فيضانات الخريف الماضي وحتى الآن في خيمة لا تقيها برداً ولا حراً وهي تنظر إلى أطلال بيت أصبح أثراً بعد عين، ولا أمل في أن يرجع مرة أخرى، ونار الأسعار تلتهم كل مدخر؟


وأخيرا هل أمِنَتْ المرأة على أطفالها وهم يدرسون مناهج تعليم على أساس أفكار الغرب الرأسمالي ويتعاملون مع إعلام يدس السم في الدسم مع الفضاء المفتوح والشبكة العنكبوتية التي لا دين لها ولا أخلاق تحكمها؟


إن المرأة في السودان لم تجْنٍ من الاستقطاب الحادّ من قبل حكومة ترفع شعار الإسلام وتنكسه في الدستور والقانون ولن تجني شيئا من المتهالكات على فكر الغرب الآسن، ولكنها مستعدة للعمل للإسلام الحقيقي الذي يحكمها فتعيش حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تسوده أفكار ومشاعر الإسلام. فهلم إلى العمل لتحقيق ذلك ببذل الغالي والنفيس.

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو