اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟
November 28, 2020

اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟

اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟

إن اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي أو اتفاقية إسطنبول هي اتفاقية تستهدف حضارتنا الإسلامية. فإن كان ظاهرها مناهضة العنف ضد المرأة فإن باطنها هو ضرب الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة في خطوة جريئة وحثيثة لهدم الأسرة المسلمة وتفكيكها ونزع حياء المرأة حتى في اللاوعي كما صرّحت به كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية ذات مرة.

وهذه الاتفاقية ليست الأولى من نوعها ولا هي بمعزل عن سابقاتها. فرغم أن من وضعها هو مجلس أوروبا وليس الأمم المتحدة إلا أنها تذكر في ديباجتها مراعاتها للاتفاقيات الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة، مثل:

- الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)

- اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" (1979) وبروتوكولها الاختياري (1999) وكذلك التوصية العامة رقم 19 للجنة سيداو حول العنف ضد المرأة.

- اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل (1989) وبروتوكولاتها الاختيارية (2000) وغيرها...

ولبيان خطر هذه الاتفاقية على قيمنا وأخلاقنا الإسلامية سأتناول بالتحليل والنقد فقط بعض النقاط التي وردت في الديباجة، منها:

1- "وإذ تقر أن تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في القانون وفي الواقع، عنصر حاسم في الوقاية من العنف ضد المرأة"

نلاحظ هنا أن الاتفاقية تربط في ديباجتها قضية المساواة بحماية المرأة من العنف وكأن انعدام المساواة يعني آليا عنفا ضد المرأة! وهذه مغالطة وتعسّف على الحقيقة والواقع بل اعتداء صريح على شريعة الإسلام التي تقوم على قيمة العدل بين الرجل والمرأة. فمثلا عندما يحرّم الله سبحانه وتعالى اختلاط النساء بالرجال في الأماكن الخاصة، أو يجعل عقدة النكاح بيد الرجل وليس المرأة، أو يجعل ولاية الأمر للرجل فيكون هو رئيس العائلة شرعا وليس المرأة، وحين يحرّم زواج البكر من دون إذن وليّها، وحين يحرّم السفر دون محرم، وحين يشترط الذكورة في الإمامة في الصلاة أو في تقلّد مناصب الحكم، كل هذه الأحكام الشرعية تعتبر في الاتفاقية تمييزا ضد النساء وعدم مساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي حسب فهمها تؤدي هذه الأحكام الإسلامية إلى تهيئة حاضنة نفسيّة ومجتمعيّة ترسّخ نظرة دونية للمرأة وتنتقص من مكانتها، وبالتالي تربي المجتمع والرجل خاصة على النظر إلى المرأة كإنسان أقل درجة منه مما يؤدي إلى استسهاله الاعتداء على كرامة المرأة واعتباره ضربه لها وتعنيفها نفسيا أمرا طبيعيا ومشروعا ومن حقه كون الدين أعطاه مرتبة فوقية بالنسبة للمرأة، طبعا هذا فهم العلمانيين للأديان بصفة عامة وخاصة منها الإسلام، حيث يفسرون أحكام الله التي تخصّ الرجل دون المرأة أو المرأة دون الرجل تمييزا يرسّخ ثقافة تعنيف وإهانة المرأة.

2- "وإذ تقر أن العنف ضد المرأة تجل لموازين القوى غير المتكافئة تاريخيا بين المرأة والرجل، والتي أدت إلى سيطرة الرجل على المرأة والتمييز ضدها، وحرمان النساء من الانعتاق الكامل"

تؤكد هذه النقطة ما سبق وتحصر علاقة الرجل بالمرأة في منظور الصراع لا غير، أي أن جل مفاهيمها ومنطلقاتها تقوم على نظرة ترى أن هناك تنافسا تاريخيا بين النساء والرجال وأن هناك انتصاراً تاريخياً للرجل على المرأة، ولفظ "تاريخي" هنا يُحيل على كلّ ما هو ثقافة ودين، فمثلا بالنسبة للبلاد الإسلامية يُقصد بموازين القوى غير المتكافئة تاريخيا: أحكام الإسلام، حيث يذكر عبد المجيد الشرفي في كتابه "الإسلام والحداثة"، ص 225: "الأفكار الشائعة في اعتبار منزلة المرأة الدونية في (المجتمعات) الإسلامية عموما و(المجتمعات) العربية على وجه الخصوص، تعود إلى ما اختص به الإسلام من تعاليم وأحكام عطلت مساهمتها في الحياة الاجتماعية وجعلتها تحت سلطة الرجل أبا كان أم زوجا حبسها في البيت لتكون أداة متعة وإنجاب وخدمة".

وهو نفس تصور "أدونيس" في كتابه "الثابت والمتحول" حينما يشير إلى أن الإسلام فعلا قد حرر المرأة من الكثير من القيود الاجتماعية والإنسانية إلا أنه لم يغير طبيعة النظر إليها. وبالتالي فهذه النظرة الدونية هي امتداد لتلك الرؤية التي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي.

إن ما يقوله المستشرق أدونيس أو عبد المجيد الشرفي ليس إلا ترديدا لما قاله المفكرون العلمانيون في الغرب، حيث يرى كل هؤلاء أن الميزان المختل تاريخيا بين النساء والرجال سببه الأساسي هو الدين والعادات والثقافة والممارسات المجتمعية التاريخية التي تؤصل لدونية النساء وعبوديتهن.

وعلى هذا الأساس الفاسد تقوم اتفاقية إسطنبول التي تسعى النخب السياسية والأكاديمية في تونس لتمريرها من أجل مزيد من تأصيل المفاهيم العلمانية في المجتمع من خلال استعمال العنف المسلط على النساء كواجهة لتمرير أيديولوجية نسوية متطرفة، بل وأسوأ من ذلك أيديولوجية مجتمع الشواذ أو ما يشير إليه الغربيون بتعبير "مجتمع LGPT".

3- "وإذ تقر أن الطبيعة البنيوية للعنف ضد المرأة قائمة على النوع، وأن العنف ضد المرأة آلية من الآليات التي تستبقى بواسطتها النساء في وضعية خضوع للرجال؛ الاجتماعية والسياسية".

إن تعريف طبيعة العنف الذي تتعرض له المرأة سواء في البيت من الزوج أو الأخ أو الأب، أو في الفضاء العام من الذكور بصفة عامة، تعتبره اتفاقية إسطنبول نتيجة لعقلية ونفسية مبنية عند الرجل على هذا الأساس: أنه حين يُعنّفها فذلك لاعتقاد دفين عنده بأنها لا تفهم إلا بتلك الطريقة! ويضرب العلمانيون لنا مثلا قولة شعبية متفشية وهي "النساء لا تفهم إلا بالضرب" أي أن عقلية الذكر في مجتمعنا تقوم على أن الخطاب والتواصل الوحيد مع الجنس المغاير له أي الأنثى هو العنف حتى تستقيم وتقوم بما يريده الرجل، وهذا المفهوم المنحرف خطير جدا لأنه يفتح الباب للصراع والاقتتال بين الذكر والأنثى سواء في العائلة أو في الحياة العامة مما يشق عصا المسلمين ويفتت الجماعة الإسلامية والتعاون بين النساء والرجال في الحياة العامة.

إضافة إلى أنه محض كذب وتزييف يغض الطرف عن أحد أهم الأسباب الرئيسية للعنف التي لا يذكرها وهي تفشي المخدرات والخمور بمباركة من الأنظمة الرأسمالية النفعية التي تحصد الضرائب من الخمور.

فالمخدرات والخمر تذهب ميزة العقل عن الإنسان، ومن عدل الإسلام وضع حد جلد شارب الخمر لوعيه بالآثار الخطيرة على المجتمع البشري التي يتسبب فيها انتشار الخمور، ثم من حكم الله أنه لا يحتسب أعمال مسلم وهو شارب للخمر ولا يقبلها منه كالبيع والشراء والكراء والطلاق فكلها باطلة لأنّ شارب الخمر هو شخص قد ذهبت عنه ميزة العقل وقتياً، وبالتالي ارتكاب الإنسان لأي نوع من العنف وهو تحت تأثير المخدر أو الخمور خالٍ من الإرادة الحقيقية لأن عقله مغيَّب، وبالتالي يعلّمنا الإسلام هنا أن الإنسان والرجل تحديدا إذا كان في حالة وعي ويملك زمام عقله فالأصل فيه فطريا أن لا يرتكب العمل المؤذي إلا من شذّ وخرج عن الفطرة وعن الحق، وبالتالي الأصل في الرجل أنه لا يُعنف المرأة لمجرد الاستمتاع بذلك أو لأن طبيعته حاقدة على النوع الآخر، ولكن استهلاك المخدر له نسبة كبيرة في التسبب في ارتكاب العنف والإجرام مع المرأة وغيرها.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21] فعبارة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ دليل شرعي قاطع أن الأصل أن الذكر يحنو إلى السكينة والمودة عند الأنثى والعكس صحيح أيضا. وبالتالي جعْل الأصل هو الحقد والاستصغار والكراهية يتنافى وما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى عن الفطرة والطبيعة البشرية. وبهذا يظهر مدى خطورة المفاهيم التي تنطلق منها اتفاقية إسطنبول ومدى تناقضها مع الإسلام.

#اتفاقية_إسطنبول_جريمة

#أوقفوا_التوقيع

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة زينة الصامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو