عذرا يا رسول الله، فما أحوجنا لمنهاج النبوّة!
October 11, 2022

عذرا يا رسول الله، فما أحوجنا لمنهاج النبوّة!

عذرا يا رسول الله، فما أحوجنا لمنهاج النبوّة!

إن قائد الأمّة ونبيّ الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كنز محفوظ لا يوفيه حقّه الكلام، وهو علَمٌ شامخٌ لا تُنْصِفه الأقلام، ولذلك فإن ألف مقال ومقال، لا يجزي مقام النبوة ولا يوفّي نبيّنا الأكرم حقّه، فهو خير البريّة ومعلّم البشرية ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، بل هو سيّد الكونين والثقلين وهو أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وهو أول من يقرع باب الجنّة. ولكن حسبنا في هذا المقال، ونحن نتعامل مع مقام النبوّة الذي تجرأ عليه حكام هذا الزمان، وأذيالهم من مشايخ السلطان، فأساؤوا إليه وتقوّلوا عليه، أن نعتذر إليه ﷺ، وأن نتبرأ له أمام الله ممن خالفوا طريقته وانتهجوا غير نهجه واهتدوا بغير هديه واستنّوا بغير سنّته، فضلّوا وأضلّوا.

ولذلك، فإنه لا مانع في مناسبة مولده ﷺ من تذكير أنفسنا أوّلا بمقتضيات التعامل مع مقام النبوّة، علّنا نحاسب أنفسنا فنتدارك مواطن الخلل ونسارع إلى سد الثغرات سعيا نحو الكمال، ثم من الهمس في آذان أبناء بعض الحركات والجماعات الإسلامية، توجيها وإرشادا ونصحا، ومعذرة إلى ربّنا، لعلّها تتفطن إلى أوجه التقصير في التعامل مع منهاج البشير النذير، مع أنها تنشدُ الوحدة وتعملُ في حقل الدعوة، ولكن أحيانا بطرق مختلفة وسبل ملتوية، غير الطريقة الشرعيّة وغير سبيل الدعوة المحمديّة، والله سبحانه يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾. كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.

إن إساءة الكفار لمقام النبوّة في زماننا ومحاولة نسف حضارة الإسلام في بلاد الإسلام أمر معلوم غير مجهول، تُسَخّر له الأبواق الدعائية والمواد الإعلامية والغزوات الفكرية والثقافية والرسوم الكاريكاتورية، بل هي في تزايد مستمر في ظل تنامي الحملات الصهيو-صليبية العالميّة التي تستهدف الإسلام عقيدة ونظاما، تُعاضدها في ذلك جهود الأنظمة العميلة الرازحة تحت وطأة الاستعمار، وهي بمثابة الجرح النازف الذي يزداد عمقا كلّما تأخرّت عودة سلطان الإسلام وقيام دولته، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة. حتى غدا مولده ﷺ مناسبة للاحتفال بالدف والرقص والعري واللهو والفسق والفجور ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما حدث في القيروان هذا العام من إساءة للإسلام والمسلمين ومن تجرؤ على مقام النبوّة ليس عنّا ببعيد.

ولكن أن يسيء المسلمون أفرادا وجماعاتٍ لنبيّهم ﷺ، بالقول أو الفعل، أو حتى بمشاعر الخجل من طرح البديل الإسلامي واضحا كالشمس في رابعة النّهار أمام هذا الظلام العلماني الحالك، فذلك مما يسخط المولى سبحانه ويؤخر نصره. فالخلافة على منهاج النبوّة، تنتظر قادة تسير على منهاج النبوة في مستوى صحابة رسول الله، من حيث التقوى والتضحية وسرعة الاستجابة، بل تقتفي أثر النبيّ ﷺ في حمل الدعوة والاعتناء بالكتلة، صراعا فكريا وكفاحا سياسيا ونصرة للحق وجرأة في دحض الباطل، فتسير بالوحي والرأي السديد، حتى إقامة الحكم الرشيد.

هذه الخلافة، هي مشروع أمّة، بل خير أمة أخرجت للنّاس، هي أمة محمد ﷺ، وهذا المشروع ليس حكرا على حزب أو جماعة، وإن تصدّر للعمل له في الأمّة حزب التحرير، فكان الرائد الذي لا يكذب أهله، ولذلك كان حريّا بأبناء الأمّة جميعهم أن يتحرّوا أمر دينهم كي لا يسيئوا إلى مقام نبيّهم ﷺ، وأن يتخيروا قادتهم لإقامة هذا الدين، وتوحيد المسلمين، وبذلك تكون نصرته ﷺ، عسى أن نبايع قريبا إماما عادلا يحكمنا بالكتاب والسنّة، فيلُمّ شملنا ويوحّد صفوفنا على قلب رجل واحد.

إن نصرة النبي ﷺ تبدأ من نصرة الدين الذي جاء به، بالسعي لتطبيق كتاب عطّله الناس، وسنّة أماتوها، وإن مولد النبيّ ﷺ هو فرصة لإحياء سنته وطريقته، ومنها طريقته في إقامة دولة الإسلام وتحقيق تاج الفرائض، فمولد النبيّ ﷺ هو ميلاد لمنهاج النبوّة وللرسالة الخاتمة، فكيف لمن ينتسب لأمة محمد ألّا يسعى لإقامة الدولة التي أقامها سيدنا محمد؟ وكيف لمن يدّعي اتباع منهاج النبوّة أن يتنكر لخلافة راشدة على منهاج النبوة بشر بها المصطفى ﷺ؟!

في المقابل، فإن الإساءة للنبي ﷺ ، تبدأ من عدم اتباع ما نزل عليه من الوحي. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.

نعم، إن الإساءة للنبي ﷺ تبدأ من ترك سنته وسيرته العطرة واقتفاء أثر جان جاك روسو ومونتسكيو واتباع الديمقراطية ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

إن النبي ﷺ لم يتخرج من جامعة غربية ولم يحصل على دكتوراه فخرية في العلوم السياسية ولم يحصل على دورات تدريبية في النواحي الأمنية أو الخطط الحربية ولم يكن صاحب مؤلفات وموسوعات فكرية وسياسية، إنما كان مسددا بالوحي الذي أنزله الله سبحانه تبيانا لكل شيء، فكان نبيا مرسلا وزوجا صالحا وتاجرا صادقا وقائدا عسكريا وميدانيا ورئيس دولة استطاعت في فترة وجيزة إخضاع أكبر إمبراطوريات العالم، لقدرته ﷺ على توظيف كل طاقات الأمة في هذا المشروع الربّاني، بل لنجاحه في صناعة مفهوم الأمة وإيجادها على أرض الواقع، استجابة للوحي، فسجل اسمه ﷺ كصاحب أعظم رسالة خالدة في التاريخ.

ولذلك فإن اشتراط بعض العلماء والخطباء والمشايخ المتصدرين للفتوى في بلاد المسلمين من عبقرية خارقة ومن وجود شخصيات ملائكية من طراز خيالي ومن إلمام وإحاطة بعلوم الدنيا والدين ومن صناعة موسوعات أكاديمية متحركة تلغي الجانب الفكري في التلقي ومن تكثيف للأعمال هنا وهناك دون فكر منتج ولا غاية واضحة، ثم من إقامة لدولة الإسلام في القلب حتى تقوم على الأرض، لهو تعجيز للناس وإحباط لهم، وهو إساءة لمنهاج النبوة وقصر نظر، إذ كان الأجدر بهم محاولة فهم الكتاب والسنة واستنطاق النصوص الشرعية استجابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. و"ما" في هذه الآية هو لفظ شامل للعموم، أي كل ما آتاكم الرسول فخذوه وكل ما نهاكم عنه فانتهوا. فما آتاكم على وجه الوجوب فخذوه على وجه الوجوب وما آتاكم على وجه الندب فخذوه على وجه الندب، وهكذا... فالعبرة إذن، باتباع الوحي، وبعدم مخالفة أمره، وهذا أساس كل إنتاج فكري ومعرفي وثقافي عند المسلمين. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

كما أن الهالة التي يحيط بها قادة بعض الفصائل والجماعات الإسلامية أنفسهم وتجرؤهم على إخوانهم في الدّين، ليست من منهاج النبوة في شيء، بل صار بعضهم يمرق من الدّين كما يمرق السهم من الرميّة وهو يدّعي حبّ النبي واتباع منهاج النبوة، مع أن رسول الله ﷺ كان مثالا في الكرم والتواضع واللين، إذ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». (رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه)

فقد أتي النبي ﷺ في فتح مكّة برجل ترتعد فرائصه وقد تملّكته رهبة الملوك والعظماء فقال له ﷺ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ فِي هَذِهِ الْبَطْحَاءِ». (الحاكم في المستدرك)

كما لم يكن ﷺ يتتبع عورات الناس وزلاتهم، بل كان يُعبّد الخلق لله ويربط صلتهم بالله وحده، لأن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل. عن ابن مسعود رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». متفق عليه.

إن قيادة الناس للإسلام وبالإسلام، لا تتطلب معجزة ولا تنتظر انبعاث نبيّ جديد يعيد الأمة إلى سالف عهدها، فرسولنا الأكرم صلوات ربّي وسلامه عليه، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو من نزل عليه قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾.

إنما المطلوبُ اليوم، إحياءٌ لطريقة رسول الله ﷺ في تغيير واقع الكفر والشرك إلى واقع الإسلام، عبر اقتفاء أثره حذو القذّة بالقذّة وارتسام خطاه وحسن اتباع الوحي مع تحري الصدق. قال ﷺ من حديث ابن مسعود: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقاً».

ختاما، فإن مولد النبيّ ﷺ، فرصة لتجديد العهد مع رسولنا وقائدنا وشفيعنا يوم القيامة، في زمن يتسابق فيه حكامنا على افتتاح معابد الهندوس والصلبان، فهو من علّم الأمّة الصدق وكانت في صحراء الكذب هائمة، وأرشدها إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة، وقادها إلى النّور وكانت في دياجير الزور قائمة، فأنزل عليه القرآن، وحارب به الكفر والبهتان، وحطّم به الطاغوت والأوثان، فهلّا استفاقت الأمّة من هذا السبات العميق وارتفعت عن حضيض الجهل السحيق ليكون قائدها محمد هو الشفيع والشفيق والرفيق؟

صلى عليك الله يا علم الـهـدى *** واستبشرت بقدومك الأيّــامُ

هتفت لك الأرواح من أشواقها *** وازّينت بحــديثك الأقــــــلامُ

نسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنا سيئاتنا وأن يغفر لنا خطايانا وأن يرزقنا حسن اتباع نهج رسوله الكريم ﷺ، وأن يعيننا على إحياء سنّته والسير على طريقته وإقامة دولته، خلافة راشدة على منهاج النبوة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو