أوضاع المسلمين ليست بخير!
March 27, 2019

أوضاع المسلمين ليست بخير!

أوضاع المسلمين ليست بخير!

قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّـهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّـهِ فَيَقتُلونَ وَيُقتَلونَ وَعداً عَلَيهِ حَقّاً فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ وَالقُرآنِ وَمَن أَوفى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّـهِ فَاستَبشِروا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ * التّائِبونَ العابِدونَ الحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ وَالنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحافِظونَ لِحُدودِ اللَّـهِ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ * ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذينَ آمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلَو كانوا أُولي قُربى مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحابُ الجَحيمِ﴾ [التوبة: 111-113]

إنها بيعة العقبة الثانية التي أقام بها رسول الله e الدولة الإسلامية بهؤلاء الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، أسياد هذه الأمة أصحاب رسول الله e.

كانت بيعة العقبة الثانية عقداً وعهداً بين رسول الله e وبين الأنصار رضي الله عنهم، الذي أسلموا في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة من بعثة رسول الله e، ولم تكن بيعة للدخول بالإسلام، بل كان الجميع مسلمين والحمد لله، كانت بيعة على الحكم ونصرة رسول الله e، وحمايته وتمكينه من الحكم بما أنزل الله عليه وأمره به ولنشر الإسلام والسمع والطاعة في المنشط والمكره.

وقد أقام رسول الله e الدولة الإسلامية في المدينة المنورة منذ أن وصلها على العقيدة الإسلامية، وجعل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي الأساس الذي تقوم عليه حياة المسلمين، وكان محور قوتهم الالتزام بشرع الله وحسن تطبيقه، وسبب ضعفهم التغشية التي حدثت لفهمهم لشرع الله الحنيف وبلبلة الثقة بالإسلام مما أدى إلى ضعف الفهم وضعف الالتزام بالإسلام.

وفي بيعة العقبة الثانية قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله e: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ». قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الْجَنَّةُ»، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...

وهذا عهد وعقد بين الله تبارك وتعالى وبين المؤمنين أن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولتحقيق دين الله في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

والله تبارك وتعالى واهب الأنفس والأموال ومالكها وله المنة والفضل، فقد كرم الإنسان وجعل له أن يختار بين الضلالة والهدى، فمن بايع وارتضى الثمن - وهو الجنة - ووفى ما عاهد الله عليه، هم المؤمنون الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. وهذه البيعة في عنق كل مسلم ما دام يؤمن بالله ورسوله، ولا ينقض عقدها إلا بالخروج من الإسلام، ومن يريد أن يعود إلى الكفر وقد خرج منه؟

﴿التّائِبونَ العابِدونَ الحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ وَالنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحافِظونَ لِحُدودِ اللَّـهِ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾.

هذه صفات المؤمنين الذين وفوا ما عاهدوا الله عليه وصفات من يوفي عهد الله ويخلص عبادته ونصرة دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

فحين لا تكون الدولة الإسلامية قائمة ولا الشريعة الإسلامية مطبقة، والناس لا ينعمون بحياتهم تحت ظل حكم الله، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة الدولة الإسلامية التي تنفذ وتطبق شرع الله تبارك وتعالى، بالرحمة والرأفة والهدى على منهاج رسول الله e، إذ إن إقصاء الشريعة الإسلامية عن تنظيم شؤون حياة الناس هو رأس المنكر ورأس كل بلاء، والدعوة لإقامة دين الله وتطبيق شرعه هو أس كل معروف ورأس كل خير.

أما المسلمون اليوم فهم يجمدون هذه البيعة، كمن لا يريد أن يدخل مع الله في عهد ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...﴾ وعلماء السوء يفرغون هذه الآيات من مفهومها ومن مدلولها، ويزينون لحكام بلاد المسلمين سوء أعمالهم، ويقرونهم على إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم وتنظيم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية، كمن يبيع بآخرته دنيا غيره. والمسلمون شذر مذر متفرقون ضعاف لهم أكثر من خمسين دويلة حكامها لا يحكمون بشريعة الله ولا يمتثلون لأمر الله ورسوله.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذينَ آمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلَو كانوا أُولي قُربى مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحابُ الجَحيمِ﴾ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وليس لوشائج القربى والدم، ولا لأي كان، فحين يجعل المسلمون ولاءهم لغير الله ورسوله والمؤمنين، يتسلط عليهم عدوهم ويحكمهم أشرارهم ويستحر فيهم القتل والتنكيل كما هو حاصل هذه الأيام، في بلادهم وفي غير بلادهم في فلسطين وفي العراق وفي سوريا وفي اليمن وفي مصر وفي الصومال وفي ميانمار وفي أفريقيا الوسطى، لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، بأيدي الكفار وبأيدي أبناء المسلمين، وذلك لعدم الإخلاص بطاعة الله سبحانه ورسوله e وتطبيق الشريعة الإسلامية وتنظيم شؤون حياة الناس بالأحكام الشرعية...

 عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي e أنه قال: «لتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ»

ومعنى الحديث وقد شبه الإسلام بسلسلة ذات عرى متداخلة ببعضها بعضاً يصعب فكها، وشبه الفك بالنقض الذي يحتاج إلى مجهود، ويبدأ النقض (الفك) بعروة الحكم بإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم، والحكم هو المظلة الحامية للمسلمين، وهو القوة التي تمثل المسلمين وترعاهم، فإذا ذهب الحكم بما أنزل الله يكاد يذهب الإسلام ويصبح ضعيفا لا شوكة له ولا حامي ولا معين، وقد استمر الحكم بالشريعة الإسلامية إلى أن أبعد السلطان عبد الحميد الثاني عن الحكم رحمه الله، ولم تعد أيٌّ من بلاد الإسلام تحكم بما أنزل الله، مع أن الحكم بما أنزل الله من مقتضى الإيمان بالله ورسوله، ومن واجب المسلمين الحكم بشريعة الله، والحذر من مخالفة أمر الله ورسوله والحكم بالقوانين والأنظمة الوضعية، لقوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65]. وقوله أيضا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 49-50].

ويقف نقض عرى الإسلام عند الصلاة وهي آخر حصن (عروة) يحتمي فيه المسلم، فإذا تركها أو نقضها فهو في خطر. والتمسك بالصلاة وأداؤها على وجهها، كفيل بإعادة تمسك المسلم والالتزام بالإسلام، فالحكم بما أنزل الله فرض كفرض الصلاة، لا بد من الانتباه للصلاة والحكم لأنهما السياج الحامي للمسلم والإسلام.

 فأوضاع المسلمون ليست طبيعية أي أنهم لا يعيشون حياة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية، وهذا لا يعني أن المسلمين (كفار) لا سمح الله، بل يعني أن الأنظمة والقوانين التي تطبق وتنفذ عليهم ليس لها علاقة بالإسلام، فهي قوانين وضعية رأسمالية وضعها الكفار...

فنظام الحكم والنظام الاقتصادي الرأسمالي الاستعماري ونظام القضاء والتبعية السياسية والسياسة الداخلية، كلها حسب النظام الرأسمالي بالإدارة الاستعمارية، وقد ترك الناس يصلون ويصومون تحت الرقابة، وترك قانون (النظام الاجتماعي) الأحوال الشخصية إلى حد ما يطبق حسب الشريعة الإسلامية، ذرا للرماد في العيون لأن المسلمين لا يتصور أن يقبلوا بالزواج على غير الشريعة الإسلامية أو أن يقبلوا بترك الصلاة، وحال المسلمين تحت الحكم الشيوعي يوضح أن المسلمين في غالبيتهم لم يتركوا الصلاة رغم البطش والملاحقة من الشيوعيين.

المطلوب من المسلمين هو العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، والعمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله وتوحد المسلمين وترعاهم وتحفظ دماءهم وبلادهم وتنصفهم على منهاج رسول الله e.

ربنا اغفر لنا إسرافنا في أمرنا وارحمنا وارحم والدينا وارحم المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو