أوقات الفراغ
November 10, 2010

أوقات الفراغ

تكلم شابٌّ معي مِمَّن آملُ فيهم الخير وقال لي : إني أشعرُ بضيقٍ وأبحثُ عن شيئٍ أملأُ فيه وقتي ، فما تقولُ بالذهابِ إلى حفلةٍ يجتمعُ فيها الشبابُ ويستمعون الى مغنٍّ ؟


إنَّ هذا الشابَ يعلمُ أنَّ عندي جوابٌ وردٌّ عليه في هذا الطرحِ، لهذا يسألُ ، ليس للعرضِ بل لمعرفةِ الأمورِ التي تترتبُ عليه إن قام بهذا الفعل.


فهو يعلم أنني سوف أبحث معه الأمرَ من أصلهِ وليس من فروعه.


فدعونا نقفُ على هذا السؤالِ وعلى هذا السلوكِ الذي نشاهدُه في أيامنا هذه بين جيلِ الشباب .


مما لا شكَّ فيه أنَّ أيَّ أمةٍ تريدُ أن تنهضَ لا بدَّ لها من فكرٍ تنهضُ به وتستمدُّ منه طريقَ هذه النهضة , وإن أيَّ نوعٍ منَ النهضةِ يحتاجُ إلى مَنْ يقومُ به ولا يوجدُ أفضلَ من الشبابِ للقيامِ بهذا العمل لما فيهم من مميزاتٍ تجعلُهم يستطيعون ذلك ويتحمَّلون أعباءه . ومنَ المعلومِ أنَّ النهضةَ ترفعُ الأمةَ في نظرتِها عن الحياةِ والكونِ والانسان ويكون لها مبدأٌ مُطبَّقٌ عليها فيه رقيٌّ ورفعةٌ لها . فمَنْ يمكنُ أن يرتقيَ بهذه الأمةِ سوى شبابَها!؟ ففيهم النشاطُ الذي تحتاجه النهضةُ وفيهم الاندفاعُ الذي يوصلُهم إلى الغاية و فيهم القدرةُ على التحملِ ولو طال الأمدُ، بعكسِ الآخرين من الصبيةِ الذين لا يعونَ ما يفعلون أو كبارِالسن الذين أكل منهم الدهر.


بعد هذا العرضِ لما في الشبابِ من مميزاتٍ والتي تجعلُهم الهدفَ الرئيسيَّ أمامَ أيِّ فكرةٍ تحتاجُ إلى حامل لها، فليس من المُستغربِ أن نرى هذه الهجمةَ على هذا النسيجِ من المجتمعِ من أجلِ كسبِه إلى فكره أو تضييعِ ما عندهم من أفكارَ ومفاهيمَ وسلوكياتٍ تحتاجُها أمتُهم ، مما جعلَ أعداءُ رقيِّ أمتِنا وونهضتِها يتَّخِذون أساليبَ عدةٍ لتحقيقِ ذلك. وعلى سبيلِ المثال لا الحصر لتلك الأساليبِ حصرُ التفكيرِ عند الشبابِ في جَعْلِهم يفَكِّرون في كيفيةِ قضاءِ الوقتِ الطويلِ إما لعدمِ توفُّرِ الوظائفِ و فرصِ العملِ، أو لوجودِ دافعٍ قويٍّ مُسَيَّرٍ ومنظمٍ لغايةٍ مقصودةٍ منَ البيئةِ المحيطةِ حوله تدفعُه لها. فعلى سبيلِ المثال نجدُ في بعضِ الدولِ أن عددَ ساعاتِ العمل ِليست كثيرةُ واليومَ طويلٌ فيقف الشابُ بعد انتهاءِ العملِ لا يعلم كيف يملأ فراغًه فيبحث عن طريقةٍ لذلك فيرى مثلا فكرةَ تمتَّع بوقتِك فأنت شابٌ، وهناك أماكنُ كثيرةٌ لهذا الغرضِ فيجدُ مغنيا له حفلةٌ أو فيلماً يٌعرض أو مهرجاناً له برنامجٌ مغرٍ فيذهب لها, فيسمع المغني يتكلمُ عن الحبِّ والغرامِ ويشاهدُ الفيلمَ يعرضُ العشقَ والانحلالَ ويتابعُ المهرجانَ وفيه الاختلاطُ بكلِّ أجناسِ البشر بما فيهم النساءُ والرجال. بعد هذا تتكوَّنُ عنده أفكارٌ يُهدِف أن توجَدَ عنده وهي أن َّ الحياةَ من غيرِ حبٍّ تصبحُ لا معنى لها وأنَّ العشقَ هو المُساعدُ على البقاءِ وأنَّ الجنةَ لا تُدخل إلا إذا كان فيها بشر.


فيا ترى بعد هذه الأفكارِ أنطلب من الشابِ أن يفكرَ بشكل جدِّيٍّ ومنضَبِطٍ ومسؤول ؟!! نعم نطلبُ بسببِ أن هذا الانسانَ يحتاج إلى من ينير له الطريقَ ويدلُه على الغايةِ ويرشدُه إلى الهدفِ الذي يجبُ أن يقضي له وقته. فما علينا سوى أن نربطَ الروحَ التي في داخله بسلوكِه الذي نراهُ منه، بمعنى نجعلُ هذا الشابَّ يشعرُ بالخالقِ ويِعي ما طَلبَ منه اللهُ ويجعلُ حياتَه تدورُ في دائرةٍ مغزاها مرضاةُ اللهِ تعالى ويُطبِّقُ هذا الأمرَ في حياتِه. لهذا نُذَكِّرُه بقول الله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)) و نشرح له معنى هذه الآيةِ التي فيها نصٌّ واضحٌ أنَّ كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ نعملُها تُكتبُ علينا وتُحصى إلى يومِ الحساب. و نُذَكِّرُ أن كلَّ شابٍ بما أعطاه اللهُ له من مميزاتٍ وخصائصَ وأنه سوف يُسألُ عنها، كما ورد في الحديث الشريف في قول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسْألَ عن أربعِ خصال : عن عمرِه فيما أفناه ، وعن شبابِه فيما أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسَبَه وفيما أنفَقَه ، وعن علمِه ماذا عملَ فيه ) رواه الطبراني.


فبعد هذا الحديث الصحيح لن يبقى لشابٍّ عذرٌ على ما يفعل وعلى ماذا يقدمُ من أعمالٍ تنفعُه يومَ القيامة.


ونُذكِّرُ الشبابَ أنه يملك الآن أشياء يُغبطُ عليها من قِبَلِ الشيوخِ ،ويتمنَّى الكثيرُ منا أن يبقى في هذه الدنيا ليس للمُتَع|ِ واللَّهوِ، ولكن منْ أجلِ الاجتهادِ والجِدِّ في العمل الصالح ، ونذكُرُ بحديثَ الرسولِ الكريمِ عن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغ ".


فإذا توفر عندنا فراغٌ من الوقتِ فلنُنْفِقْهُ في طاعةِ الله تعالى .قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إني لأمقتُ الرجلَ أن أراه فارغا ليس في شيئٍ من عملِ الدنيا ولا عملِ الآخرة " .


وأخير فلْنُحْسنِ استغلالَ أوقاتِنا فيما يعودُ علينا وعلى أمَّتِنا بالنفعِ في الدنيا والآخرة، فنحن الآن بأشدِّ الحاجة إلى سواد الرجال وأن نسابقَ الوقتَ من أجلِ رفعِ الظلمِ وإحقاقِ الحقِّ وإنصافِ المظلومِ وردِّ الحقوقِ ، ولا يتأتَّى هذا إلا بوصل الليل بالنهار من أجلِ هذه الغايةِ ، فلا يليقُ بنا نحن شبابَ هذه الأمة أن نقضيَ أوقاتِنا في اللعبِ واللَّهوِ بينما الأمة تنزف والنساء تُنتهَكُ أعراضُها والأطفالُ تصيحُ وتستصرخُ وتنادينا لِعَوْنِهم وبلادنا تُقَسَّمُ ، وخيراتُنا تُسرق تحت نظرنا .


فهل نضيِّعُ الوقتَ فيما يرغبُ به أعداؤنا حتى يبقوا جاثمين على صدرنا ونقول أنا ومن بعدي الطوفان ؟

أبو يوسف

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.