أين المفر؟!
أين المفر؟!

لقد ضاقت الأرض وحُوصِر الإنسان فيها بكل أنواع المخاطر التي من شأنها أن تعرضه للفناء، وأصبح الإنسان يسير فيها وكأنه يسير في حقل ألغام، ﻻ يكاد يتفادى لغما حتى يخشى أن يصيبه آخر.  

0:00 0:00
السرعة:
March 12, 2020

أين المفر؟!

أين المفر؟!

لقد ضاقت الأرض وحُوصِر الإنسان فيها بكل أنواع المخاطر التي من شأنها أن تعرضه للفناء، وأصبح الإنسان يسير فيها وكأنه يسير في حقل ألغام، ﻻ يكاد يتفادى لغما حتى يخشى أن يصيبه آخر.

في دراسة إحصائية لحالات موت الإنسان، وبدأت بخط بياني رفيع جدا يمثل أسماك القرش والتي سجلت العدد الأقل من حالات قتل البشر، وتدرجت بنسب ضئيلة من حيوان مفترس إلى آخر أشرس مرورا بالزواحف والحشرات السامة، وخط الموت يتسع رويدا رويدا ويتغير لونه بحسب القاتل وعدد ضحاياه إلى أن يغمر الشاشة اللون الأحمر الذي يعبر عن حجم القتل وخطورة القاتل... ويظهر اسم القاتل بالكاد وسط المساحة الكبيرة جدا للخط الأحمر... الإنسان! نعم الإنسان... لم يتفوق على عدد ضحاياه (475 ألفاً في السنة) إلا البعوض (725 ألفاً في السنة).

أما الإنسان، فالإحصائية توقفت عند القتل "الفردي" المباشر وإلا لكان في المرتبة الأولى، بما يسببه من صنوف القتل غير المباشر، جراء بعده عن النظام الصحيح الذي أنزله له ربه، فبدلا من أن يكون مستجيبا لأمر الخالق سبحانه وتعالى: ﴿...فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، جعل ذلك القاتل، نَفسَه، ممن يوصف بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾، ومهما تمتع في الحياة الدنيا فإن الوصف الذي وسمه في هذه الآية هو الذي يصور حالته على الحقيقة.

ولا نجاة، لمسلم ولا لغير المسلم، من شرَرِ هذا الشرِّ المستطير الذي يحيط بالأرض، إﻻ بقضاء الله ورعايته سبحانه، فالكل خاضع لأنظمة وقوانين تسنها دول علمانية، وتطبقها أنظمة ما أنزل الله بها من سلطان، وكل تشريع وقانون وقرار فيها، من ورائِه هوى من يشرعون من دون الله، وينصبون أنفسهم أربابا من دونه. والطامة أن ذلك النظام الرأسمالي، والذي يرزح العالم تحت نير مختلف أشكاله الترقيعية، يسوق تلك الأنظمة سوقا لتقديم المصلحية والنفعية الرأسمالية على سائر القيم الإنسانية للبشر الذين يعيشون في كنف تلك الأنظمة، فتجد أن دولة يعتمد جانب من اقتصادها على السياحة تفكر ألف مرة قبل أن تعلن تفشي وباء قتَّال فتاك فيها، ودولة تقوم على الصناعة والتصدير؛ جل تفكيرها وسياستها تصب في توقي الخسائر الاقتصادية، دونما أدنى اعتبار للخسائر في الأرواح البشرية، ودولة يحكمها طاغية ديكتاتور متجبر تعتم على الإصابات، تنتظر أمرا من الدكتاتور قبل أن تحذر الناس وتصرح بالأزمة، فالأهم هو صحة وراحة الدكتاتور!!

ترددت الصين لأشهر في أخذ الإجراءات الحاسمة لمحاصرة (فيروس كورونا المستجد) فتفشى بصورة متسارعة حتى صار وباء يرعب البشرية في أنحاء العالم؛ بل ونظرا لعدم ثقة الناس في النظام والقائمين عليه جعلهم لا يلتزمون بإجراءاته، فقد غادر الآلاف منطقة ووهان الصينية قبل دخول الحظر حيز التنفيذ، والذي تم الإعلان عنه قبل موعد تنفيذه بخمس ساعات!

أما عندنا، في الدول التي يتلاعن فيها الحكام والمحكومون، حيث لا رعاية ولا شفافية وﻻ ثقة، حتى أضحت لدى الشعوب خبرة متراكمة بالفشل المزمن، للحكام العملاء، في حل أي قضية مصيرية تهم المسلمين أو غير المسلمين؛ عندنا الوضع أخطر منه في دولة كبرى كالصين، فالناس هنا يتصرفون بدون قيادة، وقيادات الأنظمة تتصرف للرياء والسمعة والاستعراض المسرحي الخالي من الرعاية، أو بغية تحصيل الإعانات والمعونات، والتي، فوق حرمتها وتكلفتها السياسية، لا تصل إﻻ للحكام وأعوانهم والمرضيِّ عنهم من الأغنياء، ناهيك عن انعدام البنى التحتية لتنفيذ إجراءات الحظر، فضلاً عن معهود سياسات أولئك الحكام الارتجالية... بل والمتخبطة.

وفي غياب الراعي والخليفة الذي يقودها بالإسلام فتتقي به نوائب الدهر، لجأت الأمة، مباشرة إلى ربها ترفع أكف الضراعة إليه ليكف عنها ذلك الخطر المحدق، فتنامت الدعوة عبر وسائل التواصل الإلكتروني لصلاة موحدة في التوقيت، في أرجاء البلاد الإسلامية يوم الثلاثاء 3/3 وتوحيد الدعاء فيها لله بأن يرفع وباء "كورونا" عن الأرض.

وهذه الدعوة رغم أن فيها محاولةً لِلَمِّ شمل الأمة على عمل مندوب هو صلاة الحاجة؛ وما فيها من معاني اتساع الأمة وتحدِّيها لحدود الدم الاستعمارية؛ إلا أنها دعوة انهزامية، تنم عن إحساس شعوري بالخطر المحدق، حيث ﻻ حاكم يرعى شئونها، بل قل وأنت من الصادقين أنه ﻻ حاكم يُتصور أن يُفكر في رعايتها، في ظل الرأسمالية وعقيدتها العلمانية وشريعة الكفر المنبثقة عنها، ناهيك عن فرضها بالحديد والنار، في تبعيةٍ مقيتةٍ من الحكام للغرب المستعمر. وهنا لا بد من نقل الدعوة للصلاة الموحدة من منطلق شعوري إلى منطلق فكري. ليسأل كل مسلم نفسه: لماذا نلجأ للحلول التي نراعي بها أعداءنا وعملاءهم من حكامنا فنصير من حيث ندري أو ﻻ ندري، عونا لهم على الاستمرار في نهج إعراضهم عن ذكر الله تعالى؟!

وحري أن نتساءل عن سر نقل كل شاشات إعلامهم، إعلام أعور الدجال، منذ أيام لصلاة "الفجر العظيم" التي دعا لها أحدهم "نصرة للأقصى"، بينما تلك الشاشات عينُها، عميت عن أن تنقل تظاهرات تناشد الجيوش لنصرة وتحرير الأقصى كما أمرها ربها؟! الغرب الكافر المستعمر يعلم جيدا أن الأقصى ﻻ تنصره إلا الجيوش، ويعلم أن أي دعوة لهذا الفهم ستؤول إلى تحرير المسلمين وبالتالي إقامة الدين، عدوهم الأول.

هذا الفهم الذي ما فتئ حزب التحرير، يرشد الأمة إليه، يهيل عليه أعداء الأمة كمّاً هائلا من الأفكار والمفاهيم المغلوطة، عساها تستطيع تغييبه، وإن تسترت برداء دعوات لصلاة فريضة أو نافلة؛ بل ربما شجعوها بمشاركات الكنائس والمعابد تكريسا لـ"دين الإنسانية" الجديد! يريدون للأمة أن تلتفت عن الحل الجذري واتخاذ القرار المصيري بخلع حكام الضرار وجلاوزة الاستعمار؛ خوفا من أن تسترد الأمة سلطانها وقرارها المسلوب وتتخير من بينها رجلا يحكمها بما أنزل الله في ظل دولة الرعاية التي أمر الله سبحانه بها، وبشر رسوله e وأمر بإنهاء الملك الجبري وإعادتها سيرتها الأولى، خلافة راشدة على منهاج النبوة، تشمل العالم برعايتها.

فيا أمة الإسلام لنختصر الطريق باسترداد السلطان واستئناف الحياة الإسلامية، لا تلهنا دعوات من هنا أو هناك تلفتنا عن معالجة مكمن الداء، أﻻ وهو تغييب الحكم بما أنزل الله تعالى؛ فذلك أس الأمراض ومكمن الأدواء... وهل من مقتل للمسلمين أنكى من الإعراض عن ذكر الله تعالى بتغييب الحكم بكتابه وسنة نبيه e؟!

فلتلتفت العقول إلى آيات الله أن تعود دولتها، ولتلتف القلوب حول الإحساس الفكري بسر ضنك العيش الذي طال بنا، ولتتعال الدعوات إلى استئناف الحكم بما أنزل الله، مصداقا وتصديقا وطواعية لأمره تعالى حيث يقول في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

جمال علي – ولاية مصر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو