September 07, 2008

أزمة القوقاز بين مخالب الدبّ الروسي و غطرسة السياسة الأمريكية

لقد أصبح واضحاً لكلّ ذي بصيرةٍ أنّ الإدارة الأمريكية الحالية قد أصابها العمى و الغرور نتيجة لجشعها الاستعماري و محاولات فرض هيمنتها وسيطرتها على العالم ، فديدَنُها خلق الأزمات و إثارة المشاكل و إيجاد التوترات و إشعال الحروب ، بل إنها نفسها أصبحت تقع في هذه الأزمات و ترتدّ عليها المشاكل و تكتوي بنار هذه الحروب التي أشعلتها أو تسببت بها ، و صدق الله العظيم حيث يقول في كتابه العزيز { اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } سورة فاطر - آية 43 ، فكان باكورة أعمالها القذرة الغزو و الاحتلال العسكري لأفغانستان و من ثم للعراق ، فأوقعت نفسها في ورطةٍ و أزمة لم تحسب نتائجهما و خسرت الكثير الكثير و في كل المجالات نتيجة لهذا التورط .

و لخشيتها من التورط المباشر و لاستمرار نهجها الاستعماري و مصادرتها لحرية الشعوب و عدائها للإسلام و المسلمين ، فقد دفعت أثيوبيا للتدخل العسكري المباشر في الصومال نيابة عنها ، و بالرغم من عدم قدرة أثيوبيا و مَن وراءَها على حسم هذا الصراع لصالحهم بسبب تصدي الشعب الصومالي و المجاهدين لهذا الغزو العسكري ، إلا أنّ هذه الحرب أوقعت الكثير من القتلى في صفوف الطرفين و تركت بصماتِها المأساويةَ و آثارَها المؤلمةَ على الشعب الصومالي المسلم الذي نسأل الله أن يتعافى من هذه الحرب و آثارها، و أن يخرج منتصراً منها و أن يكون الخزي و الهزيمة من نصيب أمريكا و الدمى التي تحركها .

و لم يقتصر الأمر على ما ذكرنا بل وصل الصلف الأمريكي إلى تحدي روسيا في عقر دارها في أوكرانيا و جورجيا و جمهورية التشيك و بولندا عبر مشروع الدرع الصاروخي ، و تأبى هذه الإدارة الأمريكية المتعجرفة أن تغادر البيت الأبيض إلا و وجهُها الأسودُ يزداد سواداً و بأزمة دولية جديدة تسببت بها و نعني أزمة القوقاز التي وقعت مطلع آب المنصرم ، و التي بدا واضحاً فيها أن أمريكا و معها إسرائيل قد دفعتا جورجيا بزعامة رئيسها رجل أمريكا ميخائيل سكاشفيلي الذي لا يُخْفِي أصوله اليهودية و وزير دفاعه دافيد كزرشفيلي الذي يتقن اللغة العبرية و يحمل الجنسية الإسرائيلية ، قد دفعتاها إلى هذه المغامرة الفاشلة بشنها هجوماً على أوسيتيا الجنوبية غير آبهة بنتائج هذا التدخل العسكري ، و لم تدرك أمريكا التي تتسم سياستها بالغرور و الغطرسة أن هنالك متغيراتٍ دوليةً و أن حساب الحقل لا ينطبق على البيدر و أن حساباتها لا تزال خاطئة و تعود عليها بالضرر و الخسارة ، ذلك أن روسيا اليوم قد توفرت لها إمكانيات السيطرة داخلياً في عهدي قيصر روسيا الجديد بوتين و توفرت لها إمكانيات الدفاع العسكرية و النووية و أنها أصبحت تتمتع باقتصاد يتعافى تدريجياً نتيجة للفورة النفطية و الحصول على عوائد ضخمة من أسعار النفط و الغاز و أن بإمكانها إحداث التأثير الفعال في الموقف الدولي ، فكان التدخل الروسي العسكري السريع و الحاسم في جورجيا و تبعه بعد ذلك اعتراف روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية و أبخازيا ، و هنا شعر الغرب الأمريكي و الأوروبي باللطمة الروسية فأصابته بالصدمة و الحيرة ، فارتأى أسلوب الوساطة و الدبلوماسية فكانت الوساطة الفرنسية و محاولة الرئيس الفرنسي ساركوزي معالجة هذه الأزمة و وضع حلول لها ، و عقدت قمة الأتحاد الأوروبي و اتخذت قرارات هادئة و أبدت ردود فعل غير متشنجة باتخاذها قرار تجميد الشراكة الإستراتيجية مع روسيا و عدم فرض عقوبات اقتصادية و سياسية و دبلوماسية عليها .

و ما أزمة القوقاز التي نحن بصددها إلا مثالاً حياً للتنافس الشديد بين الدول الكبرى على المواقع و الثروات و النفط و الغاز و المجالات الحيوية و القوة غير المسبوقة التي أضحت عليها الشركات الرأسمالية الكبرى عابرة القارات في ظل عولمة متوحشة فتحت الباب على مصراعيه لنهب ثروات الشعوب و كبلت الدول الفقيرة و رهنتها للثالوث غير المقدس البنك الدولي و الصندوق الدولي و منظمة التجارة العالمية ، و كذلك فإن أزمة القوقاز مثالاً حياً لاستعمال هذه الدول الكبرى كل الوسائل و الأساليب الخبيثة و منها الحروب و الدمار لتحقيق غاياتها الاستعمارية غير آبهة بحرية الشعوب و أرواحها .

ألا يدفع هذا الواقع المؤلم الأمة الأسلامية للإنعتاق من نير المبادئ و الأنظمة الفاسدة التي تُطبّق عليها و العمل على تغيير هذا الواقع الفاسد الذي تعيشه و العمل على إنقاذ البشرية من شقاء الدول الكبرى و أدواتها و مصالحها الاستعمارية ، فتأخذ موقعها الرائد الذي أراده لها ربّ العزة بحمل مشعل الهداية و العدل للعالم أجمعين حتى ينطبق فيها قول الله عزّ و جل { وَ مِمّنْ خلقنا أمّةٌ يهدون بالحقِّ و به يعدلون } صدق الله العظيم ، سورة الأعراف - آية 181 .

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: الأستاذ ياسر غيث

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار