بالإسلام يُصهر أهل السودان في بوتقة واحدة  ويحيون حياة كريمة عادلة في ظل دولته
September 22, 2025

بالإسلام يُصهر أهل السودان في بوتقة واحدة ويحيون حياة كريمة عادلة في ظل دولته

بالإسلام يُصهر أهل السودان في بوتقة واحدة

ويحيون حياة كريمة عادلة في ظل دولته

يبلغ عدد سكان السودان 49.4 مليون نسمة، بحسب مؤشرات صندوق الأمم المتحدة‏ للسكان عام 2024،  96% منهم مسلمون، وتضم السودان جالية نصرانية صغيرة وأفرادا يتبعون ديانات وثنية. ويتشكل المجتمع في السودان من قبائل تنحدر من أصول عربية وأفريقية ونوبية ترجع إلى أكثر من 500 مجموعة عرقية، ويعد العرب العرق السائد بنسبة 70%، إضافة إلى عرقيات أخرى منها البجة والنوبة والفلاتة والجبرتة والفور والمساليت وغيرها‏. وقد استغل المستعمرون هذا التنوع والاختلاف في إشعال الصراعات والحروب الأهلية وسخروه لتنفيذ مخططاتهم وعلى رأسها تمزيق السودان إلى دويلات بالعزف على وتر الحكم الذاتي وحق تقرير المصير وحقوق العرقيات الصغيرة، فَفُصِلَ الشمال عن الجنوب، والآن يجري الحديث عن فصل دارفور، ولسنا هنا بصدد التأصيل والتفصيل حول مكونات المجتمع في السودان، ولا بصدد الحديث عن آلية ومراحل تمزيق السودان، وإنما ما نحن بصدده هنا هو بيان أن الإسلام وحده القادر على صهر هذه المكونات المختلفة في بوتقة واحدة، وبيان أن دولة الخلافة وحدها الكفيلة بأن تتعامل معها من منطلق الرعاية والتابعية وتحقق لها العدل والمساواة والحياة الكريمة.

لقد جمعت أحكام الإسلام الشعوب والقبائل المختلفة بل والمتناحرة، ووحدت كلمتهم وساوت صفوفهم، فصنعت منهم أمة راقية؛ يعبدون رباً واحداً ويتجهون لقبلة واحدة ويسعى بذمتهم أدناهم ويفدي أحدهم أخاه بدمه بعد أن كان يسفك دمه، فالإسلام وحده المبدأ القادر على صهر الناس في بوتقة واحدة، فهو الذي صهر العرب والقبط والبربر والأتراك والنوبة وغيرهم وجعلهم أمة واحدة قبل أن تمتد يد المستعمر لتحيي هذه العصبيات والصراعات خدمة لمخططاته، فالإسلام لم يفرق بين الناس بناء على العرق أو اللون أو الجنس بل جعل محط نظره الإنسان من حيث هو إنسان، فالناس في نظره سواسية والتفاضل بينهم مبني على أعمالهم لا على أشكالهم وأجناسهم وأعراقهم، ومعيار التفاضل بينهم هو التقوى ومدى التزامهم بأوامر الله ونواهيه في حياتهم، وأما الأمور المختلفة بين الناس من عرق ولون وجنس فهي أمور طبيعية وهي من آيات الله وعلامات قدرته فلا ينظر إليها نظرة سلبية ولا تفضيلية، يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».

وقد جعل الإسلام الرابطة الصحيحة التي تصلح لأن تربط الإنسان بالإنسان هي الرابطة العقائدية التي ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الإنسان في حياته كلها وينظم علاقات الأفراد في المجتمع الواحد، ألا وهي رابطة العقيدة الإسلامية، لا الرابطة الوطنية أو القومية أو القبلية والعصبية الجاهلية حيث قال عنها ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فأصبح بهذه الرابطة صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وأبو بكر العربي القرشي إخوة، وبهذه الرابطة ألّف الإسلام بين الأوس والخزرج بعد أن كانوا متناحرين ويحملون لبعضهم العداوة والبغضاء فتحولوا لإخوة متحابين وصاروا أنصار الدين وكان لهم فضل نصرة رسوله ﷺ وإقامة الدولة الإسلامية، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

إن هذه الأحكام التي جاء بها الإسلام بالتشريع، قد ضمنتها دولة الخلافة بالتنفيذ، فلا يوجد في دولة الخلافة وصف الأقلية والأكثرية كما هو معمول به اليوم، فالإسلام يعتبر الجماعة التي تحكم بموجب نظامه وحدة إنسانية، بغض النظر عن طائفتها وجنسها ولا يُشترط فيها إلا التابعية أي الإقامة فيها والولاء للدولة، فتنظر لجميع الناس باعتبار إنساني فقط وتعتبرهم رعاياها، ما داموا يحملون التابعية، والسياسة الداخلية للدولة الإسلامية هي تنفيذ الشرع الإسلامي على جميع الذين يحملون التابعية سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فكل من يحمل التابعية هو من رعايا الدولة الإسلامية سواء أكان مسلماً أم غير مسلم وله على الدولة من الحقوق وعليه لها من الواجبات ما يستحقه حسب الشرع، والدولة مسؤولة عنه، وعن كفالته، وحمايته وحماية أمواله وعرضه، وتوفير الأمن والعيش والرفاهية والعدل والطمأنينة له، بدون أي فرق بين مسلم وغير مسلم، فالكل أمام الدولة سواسية كأسنان المشط.

وقد جاء الإسلام بأحكام عدة لأهل الذمة، منها أنهم لا يفتنون عن دينهم ولا يكرهون على الدخول في الإسلام، بل يُتركون وما يعتقدون وما يعبدون وما يطعمون، وتفصل أمور الزواج والطلاق بينهم حسب أديانهم، ولا يكلفون بشيء من التكاليف التي يكلف بها المسلمون كالجهاد والزكاة، فلا يُكرهون على القتال، ولكن يجوز لمن شاء منهم أن يقاتل في جيش المسلمين باختيار منه، ويؤدي هؤلاء الذميون الجزية فقط، وهي مبلغ من المال يؤخذ من البالغين الذكور القادرين عليها لقوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾، فاليد كناية عن القدرة، ولا تؤخذ من النساء والأطفال، وإذا صار الذمي فقيرا سقطت عنه الجزية وتتولى الدولة الإنفاق عليه من بيت المال. ويُعامل أهل الذمة معاملة حسنة، ويُنظر لهم أمام الحاكم وأمام القاضي وعند رعاية الشؤون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما يُنظر للمسلمين دون أي تمييز، ويخضعون لأحكام الإسلام كما يخضع لها المسلمون، فهم رعايا للدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما على المسلمين من الانتصاف، فواجب العدل معهم كما هو واجب مع المسلمين. ولكل من يحمل التابعية، وتتوفر فيه الكفاية رجلاً كان أو امرأة، مسلماً كان أو غير مسلم أن يعين مديراً لأية مصلحة من المصالح، أو أية إدارة، وأن يكون موظفاً فيها، ولأهل الذمة أن يكونوا في مجلس الأمة من أجل الشكوى من ظلم الحكام، أو من إساءة تطبيق أحكام الإسلام.

وإذا ما نظرنا في تاريخ الدولة الإسلامية منذ أقامها النبي ﷺ نرى أن غير المسلمين عاشوا معززين مكرمين في ظل حكم الإسلام، وأنه كان ينظر لهم من منظور التابعية والرعاية، وأنه لم يكن في ظل دولة الإسلام تابعي درجة أولى وتابعي درجة ثانية، فقد ساد التنوع في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها النبي ﷺ في المدينة المنورة لحظة قيامها فقد وجد فيها المهاجرون والأنصار وكان من رعاياها العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم، ثم توسعت لتشمل جزيرة العرب كلها في حياة النبي ﷺ واستمر توسعها في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم في زمن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية فازدادوا بذلك التنوع حيث دخل الناس في الإسلام أرسالاً من قبائل وشعوب شتى وخضع لسلطانها أصحاب أديان كثيرة لم تكن معروفة في جزيرة العرب، على ما في جميع هؤلاء من اختلاف في العرق واللون واللغة والثقافة والدين، وكان الغالب في العلاقة فيما بينهم وفي علاقتهم مع الدولة الانسجام والتوافق وحسن المعاشرة، والشواهد على إحسان الدولة الإسلامية للذميين كثيرة تشهد بها كتب التاريخ كقصة ابن عمرو بن العاص مع القبطي، ونتيجة لهذا الإحسان فضلوا العيش فيها ولجأوا إليها، بل إنهم انحازوا إلى صفها ضد بني جلدتهم، ففي الحروب الصليبية انحاز نصارى الشرق إلى المسلمين وقاتلوا معهم ضد الصليبيين على الرغم من محاولة الصليبيين استمالتهم وإثارتهم ضد الدولة الإسلامية، إلى درجة أنهم أفقدوا الصليبيين إحدى الأوراق التي كانوا يعولون عليها في هزيمة المسلمين.

من هذا يتبين أن الإسلام وحده القادر على صهر أهل السودان على اختلاف أعراقهم وأديانهم في بوتقة واحدة كما صهرهم من قبل. يقول الدكتور صلاح إبراهيم عيسى في كتابه "دخول الإسلام السودان وأثره في تصحيح العقائد": (لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراف وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر المسيحية الأرثوذكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق، فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحامية، لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب، وقد أحدث دخول المسلمين السودان انقلاباً هائلاً في هوية هذه المنطقة، غيَّر ملامحها دينياً وثقافياً، حيث أصبح الإسلام هو الدين الغالب لدى معظم شعوب المنطقة. وأصبحت لغة القرآن هي القاسم المشترك بينهم. فتكونت بذلك وحدة بينهم على الصعيد الديني والسياسي والاجتماعي، فبعد اتفاقية البقط بين المسلمين والنوبة عام 652 للهجرة، بدأ المسلمون يتسربون إلى السودان جماعات وأفراداً، حاملين معهم الإسلام واللغة العربية، ساعين وراء المرعى والتجارة واختلطوا بسكان البلاد الأصليين فظهر أثرهم واضحاً في تغيير ملامح المنطقة، وانتقل أهلها من النصرانية أو الوثنية إلى الإسلام، ومن المعتقدات الفاسدة إلى عقيدة التوحيد، ومن العجمة إلى العربية بفضل المسلمين)، ويتبين أن الخلافة هي النظام السياسي الكفيل بأن يحقق لهم الحياة الكريمة والعدل والاستقرار باعتبارهم رعايا للدولة دون أي تمييز أو تفرقة.

#أزمة_السودان           #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

براءة مناصرة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو