بين وظيفة الدولة في الإسلام ووظيفتها عند عملاء الغرب من الحكام
October 31, 2018

بين وظيفة الدولة في الإسلام ووظيفتها عند عملاء الغرب من الحكام

بين وظيفة الدولة في الإسلام ووظيفتها عند عملاء الغرب من الحكام

الدولة تنشأ بنشوء أفكار جديدة تقوم عليها ويتحوَّل السلطان فيها بتحول هذه الأفكار؛ لأن الأفكار إذا أصبحت مفاهيم أثَّرت على سلوك الإنسان، وجعلت سلوكَه يسير حسَب هذه المفاهيم، فتتغيَّر نظرته إلى الحياة، وتَبَعاً لتغييرها تتغيَّر نظرته إلى المصالح، والسلطة إنما هي رعاية المصالح والإشراف على تسييرها، ولذلك يمكن تعريف الدولة بأنها "كِيان تنفيذي" تتولَّى فيه فئة مختارة من الأمة - تُمثِّل الدولة - تنفيذ "مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقبَّلتها الأمة".

لقد أصبحت وظيفة الدولة الإسلامية في نظر البعض ممن يريدون حكم الإسلام هو وضع دستور وقوانين من الشريعة الإسلامية وكفى، زاعمين أن ذلك يجعل الدولة دولة إسلامية بحسب فهمهم، بينما سكتوا عن برامج الدولة التي لا تولي تلك التشريعات أية أهمية، ذلك لأن الدولة لم تتخذ العقيدة الإسلامية أساساً لكل فكر من أفكارها ولكل جزء من أجزاء كيانها، ولم تدرك وظيفتها على أكمل وجه، إذ الدولة في الإسلام هي دولة هداية ورعاية، فكونها دولة إسلامية يحتم ذلك عليها أن تحمل رسالة تحسن فهمها وإفهامها وتوعية الناس عليها حتى داخل المجتمع نفسه، بل تركت الدولة ذلك لبعض الجمعيات والمنظمات أو الأحزاب حالها كحال الدول الغربية التي فصلت الدين عن الحياة وجعلت مهمة الخطاب الديني - غير السياسي - خاصاً برجال الدين والكنيسة!!

وكم من أحزاب وجمعيات تسمى إسلامية قبلت تلك المهمة، ودعت للعقيدة دون تبيان ما ينبثق عنها من أنظمة تعالج مشكلات الحياة، فاكتفت بالخطاب المشاعري والإيمان الفردي دون حمل العقيدة الإسلامية والدعوة لها بالطابع السياسي العملي، فكان الدستور والقانون ومن يطبقه في واد، والعقيدة دون طابعها السياسي ونظامها المنبثق عنها ودعاتها في واد آخر فلم تتحقق للمسلمين نهضة ولم تفهم الأمة المبدأ كفكرة وطريقة وعقيدة ينبثق عنها نظام تتجسد في دولة تهدي الناس وتصون المجتمع وتحمل رسالة الإسلام عملياً بتطبيقه في الداخل تطبيقاً لافتاً بإحسان قبل أن تحمله بالسيف، وشتان شتان!!

إن من ارتضى من تلك الجمعيات والأحزاب أن يقوم بدور الدولة التي من واجبها رعاية الناس بالإسلام والدعوة إليه وحمله وتطبيقه وجعله وازعاً وسلطاناً روحياً في المجتمع قبل وضعه قانوناً، إنما شارك في علمنة البلاد وإضفاء صبغة فكرة فصل الدين عن الحياة في بلاد المسلمين ولو كانت كل القوانين في الدولة قوانين إسلامية؛ إذ على الدولة حتماً أن توضح للناس صلة تلك الدساتير والقوانين بعقيدتهم في كل مادة من موادها لتوجد بذلك السلطان الروحي الناتج من إدراكهم لصلتهم بالله تجاه تلك القوانين فيسيرون سلوكهم بحسبها ويحاسبون الدولة بموجبها، وإنه وإن يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فإن ذلك صحيح ولكنه ليس لكل الناس ولا في كل الأحوال ولا يصح اعتماده لإحداث نهضة أمة وبناء دولة ابتداءً.

إن الرعاية الدائمية لشئون الناس إنما هي من حق وواجبات الدولة ولا يجوز للتكتلات القيام بذلك ويجب على الدولة منعهم من ذلك، بل الواجب على التكتلات الإسلامية محاسبة الدولة على عدم القيام بواجباتها تجاه الرعية، لقد أصبحت اليوم المنظمات الغربية في اليمن هي التي ترعى شئون الناس وتصرف الرواتب في صنعاء وغيرها وتوزع المساعدات وربما عما قريب تسلم لها عبر الأمم المتحدة واردات البلاد لتتكفل بإدارة الاقتصاد المنهار، بينما أطراف الصراع ترعى القتل والإرهاب وتمارس الإذلال والتجويع والجباية على أهل اليمن!!

إنه بلا شك أن دولة الإسلام هي دولة هداية ورعاية ودول الضرار التي تحكم المسلمين اليوم إنما هي دول فسادٍ وجباية، فهل تذكر أيها المسلم أن دولة من هذه الدول البوليسية التي تحكمنا اليوم قد قالت لك: اتق الله فقد خالفت الإسلام وأحكامه سواء في قنواتها وإعلامها أو في دساتيرها وقوانينها، أو على مستوى قضاتها ودوائرها وأجهزتها؟!!

بل إن ما ستجده أن هذه الدول تعمل لهدم الإيمان في قلبك وإفساد التزامك بالإسلام في سلوكك وحياتك وذلك بما تطبقه من قوانين مخالفة للإسلام أو من خلال إيجادها لأجواء الرذيلة والفساد في المجتمع!!

حين يقضي القاضي بينك وبين خصمك هل ذكَّرَكَ بالله وبحكم الإسلام في القضية، هيهات هيهات فالقاضي أصبح جافاً عديم الإحساس كالقانون في صياغته المبهمة الغامضة ليس له من سلطة روحية على الناس كونه ليس من عقيدتهم ولم تبين للمسلمين أدلته المستنبطة منها، وهيهات أن تعالج انتشار الجريمة ومنعها بقوانين مجردة مهما كانت سطوتها، فالوازع الديني والسلطان الروحي يضبط المجتمع حين تعمل الدولة على الاهتمام به وتوعية المجتمع لتقويته، وهذا ما تفتقده الأنظمة المجرمة التي تحكمنا اليوم بل تعمل لنقيضه! إن ما يحصل عليه الرعية من طرقات وتعليم وتطبيب وغيرها من الخدمات يدفعون أضعاف أضعاف تكاليف هذه الخدمات لهولاء الجباة، بل إن الزكاة التي يدفعها الناس الأغنياء يتم سرقتها أو صرفها على غير مستحقيها شرعاً.

يتشبث المسلمون اليوم ببعض أحكام الإسلام نتيجة كونه الوازع الروحي الذي لديهم نتيجة جعلهم السيادة للإسلام في نفوسهم رغم الغشاوات التي طرأت عليهم من جراء إدخال بعض التأويلات والتأصيلات الفاسدة والقواعد الباطلة التي غشت على الفهم الصحيح للإسلام إذ منها كانت بداية الانحطاط الذي يعانيه المسلمون، ومع أن ذلك حصل إلا أن الجرائم بين المسلمين قليلة بالنسبة للمجتمعات الغربية التي أفسدتها الأنظمة تلك وجعلت معنى السعادة لدى الناس هي أن ينالوا أكبر قدر من المتع الجسدية وبأية كيفية، فأصبحت الجريمة لديهم متأصلة في النفوس في ظل دولة تحرض الفرد على الإشباعات للمتع الجسدية بكل الوسائل والأساليب دون مراعاة لما يجب أن يكون عليه المجتمع إلا باعتبار القيمة المادية، وأفٍ لها من قيمة نفعية آنية أنانية.

وعلى الرغم من عدم وجود السلطان (الحاكم) بالإسلام في بلاد المسلمين بل توجد دول أشبه بالعصابات تسير على خطا دول الغرب في فلسفته ونهضته، وفساده وإفساده للعقل والفطرة، فإنا رغم ذلك نجد المسلمين الذين تكتوي بلادهم بالصراعات والحروب نتيجة الصراع الدولي على بلادهم مستخدمين بعض الأدوات من العملاء من أبناء المسلمين، إلا أننا مع ذلك نجد الجرائم قليلة قليلة في ظل غياب الدولة ووجود عصابات المتصارعين التي تجر الناس إلى الجريمة جراً، فما بالك بالمسلمين حين توجد لهم دولة من جنس عقيدتهم تحكمهم بما انبثق من هذه العقيدة الإسلامية من نظام وتحسن تطبيقه في شتى مجالات الحياة فإنها لا شك ستسمو نفوسهم وتصقلهم لتظهر أصالة معدنهم الذي صدأ من جراء ما طرأ عليه من غشاوات وأتربة.

نعم إن المسلمين اليوم لم يفكروا جادين في التغيير الصحيح لهذه الأنظمة كما يجب، وسكتوا عن هذه الأنظمة العميلة التي لا تطبق الشرع لكنهم كأفراد ملتزمون بالإسلام جملةً رغم عدم تقيدهم بالشرع تقيداً تاماً وجعله هو السلطان في الحياة، إلا أن الخير فيهم موجود، ولولا وجود هذه الأنظمة وبرامجها الهدامة والعلماء المضللون والحركات الإصلاحية الانبطاحية وتسلط الغرب الكافر المستعمر بأفكاره عليهم بالحديد والنار أو عبر منظماته الغربية الخبيثة التي تستغل عوزهم وفقرهم بأموالها القذرة خاصة في بلاد الحروب والصراعات مثل اليمن، كل ذلك لتفسدهم وتغير أفكارهم وتقضي على هيبة الإسلام ووازعه الروحي في نفوسهم، ولكن هيهات هيهات! ولو كانت هذه الهجمات والبرامج الهدامة تتعرض لها أي أمة غير أمة الإسلام لكانت اندثرت منذ زمن بعيد.

إذاً فدعوتنا وقضيتنا اليوم ليست دعوة لإيجاد الإسلام كقوانين مجردة عن عقيدتها تنفذ بقوة السلطان، بل دعوتنا هي دعوة لاستئناف الحياة الإسلامية وذلك بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة حيث يكون للإسلام فيها سلطانه في النفوس على مستوى الفرد والدولة والمجتمع قبل سلطان الحاكم الذي لا بد منه لرعاية الشؤون وإنفاذ أحكام الإسلام، حيث سمى الإسلام الحاكم أنه راع «...وَالإِمَامُ رَاعٍ» ولم يجعله الإسلام متسلطاً على رقاب الناس.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المؤمن الزيلعي

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو