دعم التفاهة، طوق نجاةٍ للأنظمة، أم الحجر الذي سيهوي بها إلى القاع؟
July 11, 2025

دعم التفاهة، طوق نجاةٍ للأنظمة، أم الحجر الذي سيهوي بها إلى القاع؟

دعم التفاهة، طوق نجاةٍ للأنظمة، أم الحجر الذي سيهوي بها إلى القاع؟


لم يعد يخفى على أحدٍ أن هذه التفاهة المتسارعة التي أصبحنا نلاحظها في كل مكان (تمجيد لاعبي كرة القدم، المغنين، الراقصين، التافهين، الفُجّار،... وإغداق الأموال الطائلة عليهم، وجعلهم النجوم والقدوة والمثل الأعلى)، ليست وليدة الصُّدف، وليست قدراً مقدوراً، ولا نتيجةً طبيعيةً في عالم غول التواصل الإلكتروني، بل هي نتيجة تخطيطٍ ومكرٍ لشياطين الإنس بالليل والنهار، وقد ظهرت كتاباتٌ عديدة في هذا المجال تؤكد هذا الأمر، بل وتُنظِّر له، وتضع أسس وآليات السيطرة على الناس وإغوائهم وإشغالهم و...


وهذا الأمر (نشر وصناعة التفاهة) ليس مقصوراً على العالم الثالث، وإنما هو ظاهرةٌ عالمية، لم تَخْلُ منها بلاد، ما يدل دلالةً واضحةً أن المخطط ليس محلياً وإنما هو عالمي، وأن يداً واحدة هي التي تدبر الأمر ويسير خلفها الباقون سواءً عن قناعةٍ أو عن إجبار.


مما لا خلاف فيها أيضاً أن المقصود من هذا الإغواء أمران أساسيان:


1. إبعاد الناس عن السياسة وانتقاد الحكام والأنظمة، وكل الأمور الجدية، أو كل الأمور الكفيلة بإيجاد تغييرٍ حقيقي، وبالتالي الحفاظ على استقرار الأنظمة، واستقرار الحكام والدول العميقة على عروشهم،
2. دفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك الأهوج غير المقنن ولا المبرر، لمزيد من إثراء الشركات الكبرى المتحكمة في دواليب الاقتصاد العالمي،


والسؤال هل يحقق نشر التفاهة بهذا الشكل الغرض المطلوب؟


أما النقطة الثانية، فالأغلب أن الجواب نعم، فيكفي أن مؤثراً أو مؤثرة ما تضع إعلاناً لمنتج معين حتى تتقاطر الطلبات نحوه سواء أكان المنتج مفيداً فعلاً أو لا، وسواء أكان ما قاله فيه المؤثر صحيحاً أم لا، فمن الواضح أن هناك تسابقاً محموماً بين الناس نحو الشكليات وبالظهور بمظهر معين يوافق ما عليه "الترند" أو ما عليه "علية" القوم! فالتفاهة من هذه الناحية شلّت قدرة الناس على التفكير والتمييز، وشلت قدرتهم على اتخاذ القرار، وأحلّت محله ما يسمى روح القطيع، فأنا أشتري ما يشتريه الناس ليس لحاجةٍ عندي وإنما لأن الناس يفعلون أو لأن المؤثر الذي يعجبني فعل، أو لأن امتلاكي لهذا الشيء يجعلني أنتمي لطبقة اجتماعية معينة، وقس على هذا اللباس والأحذية والحقائب، والمطاعم والأسفار والماركات، فالحاجة العملية ليست هي التي تحرك قرار الشراء أو الصرف، بل حتى إذا كان لها أثر، فهو أثر بسيط، ولكن الذي يجعل الشخص يتخذ القرار هو بالأساس ضغط "التفاهة".


فماذا عن النقطة الأولى؟


من المؤكد أن "التتفيه" يوجد عند الناس نفوراً من السياسة وأمور الحكم، فالانشغال بهذه الأمور لا شك يقتضي قدراً كبيراً من الجدية والتفكير والنضال، فضلاً عن أن له تكاليف، فقد يؤدي بصاحبه إلى التضييق في الرزق أو الاعتقال أو... وهذه الأمور لا يمكن أن ينشغل بها من همُّه الأساسي بل والوحيد هو الغرائز والضحك واللهو. لكن الإشكال هو أن إنتاج هذه العينات "التافهة" من الناس بشكل مكثف، يحرم المجتمع من الطاقات التي يحتاج إليها للاستمرار فضلاً عن الرقي والتوسع. فالمجتمعات كي تنهض تحتاج إلى العلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والباحثين، وتحتاج إلى الرجال الأشداء في الجيوش لقتال الأعداء ورسم الخطط والتصدي للمؤامرات، الرجال المستعدين للتضحية بالغالي والنفيس لحماية أوطانهم وأهاليهم. فإذا تم تتفيه الناس، فمن يقوم بهذه المهام؟


أضف إلى ذلك أن التتفيه كما يوجد أناساً خانعين، لا في العير ولا في النفير، فإنه يوجد أناساً ذوي عدوانيةٍ عالية، وهذا ملاحظٌ مشهود، فالمجتمعات حيث تنتشر التفاهة تنتشر فيها الجريمة والشراسة المجتمعية جنباً إلى جنب، فالتافه مستعدٌّ للقتال بضراوةٍ لأتفه الأسباب، ومستعدٌّ للانجرار في صراعٍ دموي والتدمير والتخريب تحت أي راية، طمعاً في المال، أو لمجرد نصرة فريقه في الكرة، أو انتصاراً لابن حارته، أو لأن أحدهم لم يُكلمه كما ينبغي لمقامه الكريم،... وهذا يضيف عبئاً إضافياً على المجتمعات، من حيث وجوب زيادة عديد وإمكانيات الأجهزة الأمنية، الخسائر والأضرار التي تلحق بالممتلكات نتيجة أعمال الشغب، ومصاريف بناء السجون والنفقة على المساجين.


قد يقال، إن قيام المجتمعات ونهضتها لا يقتضي بالضرورة أن يكون كلُّ أفرادها واعين مثقفين وجديين، فيكفي أن يكون فيها نخبةٌ تنطبق عليها تلك الأوصاف وأن تكون هذه النخبة هي التي تتولى الحكم كي تستقيم أمورها. ولكن ما ينبغي الانتباه إليه، أن التفاهة مُغريةٌ مُعديةٌ، فلا توجد ضمانةٌ ألا تتسرّب هذه التفاهة والدّعة في شتى طبقات المجتمع بما فيها النخبة المُعوَّل عليها في نهضة المجتمع، فيستنزف مخزون الصالحين المصلحين مع الزمن، وهذا كذلك ملاحظٌ مشهودٌ، فالأصل في الدول التي تعاني من مشاكل، أن يكون انخراط الناس فيها في العمل السياسي مرتفعاً لأن كل الناس معنيون بالتغيير، إلا أن الواقع يظهر العكس، فالمنخرطون في الأحزاب والنقابات وهيئات العمل السياسي في تناقصٍ مستمر.


قد يقول قائلٌ إن الأمر ليس أبيض وأسود، فليس كل مبتلىً بالتفاهة بالضرورة ميئوساً منه كلياً، فقد يكون الشخص تافهاً لاهياً في الليل، في وقته الشخصي، جاداً مثابراً في النهار في وقت عمله، وهذا كذلك ملاحظ خصوصاً في الغرب، حيث يبيت الناس في لهوهم وفجورهم في الليل أو في عطلهم، فإذا أصبح الصباح أو انتهت عُطلهم وجدتهم في أعمالهم بكل جدية، فهذه تفاهةٌ لا ضرر منها.


وأقول، نعم قد يبدو الأمر صحيحاً، ولكن المُطَّلع على أحوال الغرب يعلم أن بقعة زيت التفاهة في اتساع، وأن قطاعاتٍ واسعةً من الشباب في الغرب التي جرفها تيار التفاهة أصبحت عالةً على مجتمعاتها، عازفةً عن التحصيل العلمي العالي، بل عازفةً عن مجرد العمل، منشغلة باستهلاك المخدرات خصوصاً مع اتساع تقنين استهلاك المخدرات بما فيها ذات التأثير القوي، أو قضاء الساعات الطويلة في الألعاب الإلكترونية أو ما يسمى الفن، وأعدادٌ كبيرة منهم انخرطت في عصابات الأحياء التي تمتهن الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات. ويعلم المطلع كذلك أن نسبةً كبيرةً من حملة الشهادات العليا في الغرب والذين يقوم عليهم صرح النهضة العلمية اليوم عندهم، هم قادمون من دول العالم الثالث، وأن الغرب يستقطبهم للتغطية على النقص الذي يعاني منه، وأنه لولا هذا الاستقطاب لتراجعت الدول الغربية في الناحية العلمية لصالح الدول الصاعدة.


وقد يقول قائلٌ، إن ما يسمى التفاهة هو في جوهره حرية شخصية، ولا يملك أحدٌ أن يمنع الناس أن يصنعوا ما يشاؤون بأموالهم أو أوقات فراغهم، وأن استنكار التفاهة هو تخصُّص ذوي المرجعية الإسلامية الذين يريدون أن يحجروا على الناس ويقولبوا المجتمع وفق تصورهم.


والجواب: إن انتشار التفاهة كما أسلفنا ليس من باب ممارسة الناس لحرياتهم الشخصية فقط، بل هو كما قلنا عمل مدروس مخطط، لإشغال الناس وإلهائهم، والعقلاء من المفكرين حتى من غير المسلمين، يستنكرونه ويحذرون من مخاطره، ومن بين المفكرين الذين استنكروا الترويج للتفاهة وانتقدوا انتشارها في المجتمعات الحديثة، نجد عدداً من الأسماء البارزة التي تطرقت لهذا الموضوع من زوايا فلسفية، اجتماعية، إعلامية أو تربوية. نذكر منهم:


1. تيودور أدورنو (1903-1969)، الذي ألف مع ماكس هوركهايمر (1895-1973) كتاب "جدل التنوير"، حيث حذرا من أن الثقافة الجماهيرية ليست حيادية بل "مُبرمَجة" وتخدم مصالح رأس المال والسيطرة السياسية وأنها أصبحت أداة للهيمنة، فهي ترفّه عن الناس وتخدر وعيهم، وتحولهم إلى مستهلكين سلبيين، وانتقدا "الصناعة الثقافية" التي تنتج محتوى تافهاً يخدر الجماهير ويمنعهم من التفكير النقدي. "تجعل الناس يتقبلون الواقع كما هو، دون رغبة في تغييره".


2. نيل بوستمان (1931-2003) في كتابه "تسلية أنفسنا حتى الموت" (Amusing Ourselves to Death)، انتقد كيف تحولت وسائل الإعلام إلى أدوات للترفيه السطحي على حساب المعرفة الجادة، فالسياسة، والتعليم، والدين، والثقافة لم يعودوا محل نقاش جدي، بل تُعرض وكأنها "عروض مسرحية" ترفيهية، ويقول: "لن نموت من القمع، بل من الضحك"، "الخطر الأكبر ليس في من يمنعنا من القراءة، بل في من يجعلنا لا نريد القراءة".


3. بيير بورديو (1930-2002): في كتابه "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول" اعتبر أن التلفزيون يكرّس "التفاهة الرمزية" ويُقصي النخب الفكرية الجادة لصالح الوجوه السطحية والجاذبة جماهيرياً، ويقول: "التلفزيون لا يقول ما لا يُقال، بل يمنع قول ما يجب أن يُقال".


4. آلان دونو (1970) صاحب كتاب "نظام التفاهة" (La Médiocratie)، تحدث فيه عن صعود (الرداءة/التفاهة) كمعيارٍ للنجاح في مجالات السياسة، والاقتصاد، والإعلام والتعليم، بدل الكفاءة أو الأخلاق، يقول في كتابه: نحن نعيش في عصر تحوّلت فيه الرداءة (التفاهة) إلى نظام متكامل، لا مجرد ظاهرة هامشية، وأن الكفاءة لم تعد مقياس النجاح، بل أصبح المعيار هو القدرة على الطاعة، عدم التفكير النقدي، والاندماج في "اللعبة"، وأنه أصبح يهيمن على المجتمع أشخاص تافهون، يرتقون لأنهم لا يُهددون النظام، بل يكرسونه، وأن التفاهة أصبحت "شرطاً للنجاح"، في السياسة، والاقتصاد، والإعلام، وحتى في التعليم والبحث العلمي.


5. جورج أورويل (1903-1950) في رواية "1984" حيث أدان الاستبداد الناعم وقال: لا حاجة للبطش الجسدي حين يمكنك إعادة تشكيل وعي الناس لغوياً وثقافياً.


6. ألدوس هكسلي (1894-1963) في رواية "عالم جديد شجاع" (Brave New World) الصادرة سنة 1932، ونسختها المعدلة سنة 1958 حيث يرى أن الخطر الأكبر لم يعد من "الديكتاتورية الصلبة"، بل من الديكتاتورية الناعمة القائمة على سطوة الاستهلاك، ووسائل الإعلام، والإدمان على المتعة والتفاهة المنظمة، يقول فيها: "الطغاة سيُسيطرون لا بالعنف، بل بإلهائنا حتى نضحك ونحن نُساق إلى القيود".


إذن فاستنكار هذه الدعوة المحمومة إلى التفاهة ليست من تخصُّص الإسلاميين، ولكن كل ذي عقلٍ وغيرةٍ لا يمكن إلا أن ينكر هذا، ويدق ناقوس الخطر للتحذير منه. وإذا كان هؤلاء الغربيون يستنكرون هذا مع أن دولهم متقدمة، ومع أنهم يؤمنون بفكرة الحريات الشخصية، وأن معظم هذه الممارسات لا تعارض معتقداتهم، فماذا عنا نحن؟


بالنسبة لبلادنا الإسلامية، المصيبة مضاعفةٌ، لعدة أسبابٍ:

1. دولنا متخلفةٌ علمياً وصناعياً وفي مؤخرة الترتيب، ومن كان هذا حالُه فالأصل فيه أن يُشمِّر عن ساعد الجدِّ للعمل، لا أن ينشغل بالتوافه،


2. دولنا مستضعفةٌ مستباحةٌ، يهاجمها العدو فلا يكاد يجد من يصدُّه نتيجة فارق التقدم التقني الهائل في الصناعة الحربية، ومن كان هذا حالُه، فالأصل فيه أيضاً أن يشمر عن ساعد الجد، لا أن ينشغل بسفساف الأمور ويترك الأمر للغرب يفعل فينا ما يشاء،


3. معظم هذه التوافه التي ينشغل بها الناس هي من المحرمات وليست من اللهو المباح، فالانشغال بها حرامٌ يعرض صاحبه للعقوبة يوم القيامة، فيكون صاحبها قد جمع على نفسه ذلَّ الدنيا وصغارها ثم الخزي في الآخرة.


إن نشر التفاهة لتثبيت أركان حكم هذه الأنظمة هو جريمةٌ وأيُّ جريمة، فهؤلاء الظلمة لم يكتفوا بظلم الناس ونهب مقدراتهم، بل يعملون على إفساد المجتمعات ككل، وإغوائها وإلهائها، ويغدقون على ذلك أنفس الأموال، ما الناس أحوج إليه في ظل الفقر والعوز الذي يعانون منه، وكل هذا حتى يستتب لهم الأمر ويستديم، ولا يعكر صفو الحكم عليهم أحد، ولو كانوا يعقلون لعلموا أنهم لو أحسنوا رعاية الناس، لحماهم الناس بصدورهم، وثبّتوهم على كراسيهم، ولعمّ الخير عليهم وعلى رعيتهم، ولنالوا منه ما يكفي حاجياتهم وزيادةً، بل وفوق الزيادة، وما احتاجوا لأن يظلموا ويُفسدوا ويُغووا خلق الله.


إن الظلم حين يطال فرداً يمكن تداركه بالتوبة والاعتذار من المظلوم، ولكنه حين يطال مجموعاتٍ كبيرة، بل وأجيالاً متعاقبة، فإن أثره يكون مدمراً. فهذا التافه إذا تزوج تافهةً مثله، كلاهما لم ينل تحصيلاً علمياً كافياً وكلاهما يقضي سحابة يومه فيما لا يفيد، فماذا يُنتظر من ذريتهم؟ أي قيمٍ سيغرسونها فيهم؟ وماذا سيستفيد المجتمع منهم؟ وأي كلفةٍ سيكون على المجتمع تحمُّلها لإصلاح ذرياتهم؟


قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، وقال ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، ويَكرَهُ سَفْسَافَها» أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق سهل بن سعد الساعدي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ومما أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: "إنِّي لأكرَهُ أنْ أرَى أحدَكم فارغاً سبَهلَلاً، لا في عملِ دُنيا ولا في عملِ آخرةٍ".


إن التفاهة ليست طوق نجاةٍ للحكام، وإن بدا لهم الأمر كذلك، وإن النظر إليها على أنها منجاة دليلٌ على قصر نظرٍ فظيع، فقد تصرف التفاهة فعلاً أنظار الناس عنهم لوهلة، ولكنها بموازاة ذلك تنخر أركان حكمهم وتضرب نقاط قوتهم نقطة بعد نقطة، حتى ينهار فوق رؤوسهم، أو حتى لا يبقى فيه أي مَنَعَةٍ إذا دهمه داهمٌ، فيسلم لعدوه دون مقاومة، وحينها لات حين مناص.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو