October 31, 2010

دعوة الى الاندماج ومزيد من سكان السجون المسلمين

قبل بضع سنوات التقيت صحفيا كان قد عاد لتوه من العيش في الشرق الأوسط وكان مندهشا جدا من وسائل الإعلام وهستيرية وجود المسلمين في المملكة المتحدة.. أراد أن يفهم القضايا التي تؤثر على المجتمع المسلم. فخطر في باله سؤال " لماذا أعلى نسبة في السجون هي من المسلمين مقارنة بعدد السكان المسلمين في المملكة المتحدة ؟ " وفي الواقع يشكل المسلمون 3 ٪ من سكان المملكة المتحدة ولكن 11 ٪ من نزلاء السجون. ذكرني هذا الحديث بما قرأته مؤخرا في الصحف حول ثلاث جرائم مروعة ارتكبها بعض المسلمين.


منها صبي مسلم قتل صديقته السابقة بعد تفكك علاقته بها وطعن شخصاً ماراً . وآخر قتل اثنين من أصحاب المعاشات لسداد ديونه. وفي جريمة مروعة ثالثة قتل اثنان من الصبية الصغار حارس متجر حلويات وسرقا نقوداً وسجائر وكحولا .


ما الذي يمكن أن يحدث لو أن المسلمين تحولوا في قيمهم الى القيم الغربية ؟! هل سيكون لهذا تأثير على الجريمة ؟ وماذا سيحدث إذا اندمج المسلمون في المجتمعات الغربية كما ينادي ديفيد كاميرون ، أنجيلا ميركل ، نيكولا ساركوزي وغيرهم باستمرار؟!


حتى نجيب على هذه التساؤلات يجب الإشارة إلى أمور معينة . فمنذ عام 1993 ارتفع عدد السجناء المسلمين الى ثلاثة أضعاف وهذه النسبة في تزايد مستمر. والحقيقة المحزنة هي أن الناس هنا تقول أن معظم المسلمين سوف ينتهون إلى السجون بسبب تورطهم في الجرائم الصغيرة والمخدرات والكحول وكذلك الجرائم العنيفة. فلماذا وصلنا الى هذا؟

وهنا نقف على النقاط التالية :


أولا: أولياء الأمور والتزامهم .
هاجر المسلمون الأوائل الى الغرب في بدايات الخمسينبات والستينينات ومعهم ما تبقى عندهم من مفاهيم وممارسات إسلامية وطبعا عقيدتهم الصحيحة التي لا يشوبها الأخطاء والمغالطات الحالية ، وأفكار عن الحياة وكيف يمكن أن تسير حسب شرع الله وأحكامه مثل أن الزواج هو الطريق الصحيح لبناء العائلة وليس الصداقة والمصاحبة ومثل هذه الأفكار. كما أنهم ايضا جاءوا إلى الغرب وعندهم رادع في السلوك هو خشيتهم من الله ومعرفتهم بمدى العقوبة التي سوف يستحقونها اذا قاموا بعصيان الله تعالى ،وكانوا يخشون السؤال امام الله والذي لا يمكن لأحد منهم أن يتهرب أو يغش أو يتحايل عليه في الجواب عن سبب العصيان ومخالفة الأحكام. وكل هذا ناتج من فهمهم الآية الكريمهة { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

ثانيا: القيم الغربية والجريمة :
إن الغرب يقدم المفاهيم والقيم التي تبناها كغذاء ثابت للأطفال ، ومن هذه القيم والأفكار الحرية المطلقة وأن السعادة هي في تحصيل أكبر قدر من المتع ، فعاش الجيل الثاني من أبناء المسلمين في مثل هذا الجو من المغالطات و التضاربات الفكرية بين ما يعتقد الجيل الاول من مفاهيم عن الحياة والسلوك السوي وبين المفاهيم الغربية التي تترك الشخص يغرق في الملذات الدنيوية ومفهوم انك تعيش حياة واحدة فتمتع بالحياة إلى أقصى الحدود. لهذا بدأنا نشهد زيادة في عدد المسلمين الذي يرتكبون الجرائم بسبب اعتناقهم لهذه الأفكار والمفاهيم . و لا ننسى تغذيتهم بفكرة عدم احترام الكبار والتمرد على كل شئ بما في ذلك القانون.

ثالثا : الاندماج في المجتمع و أثره في المشاكل الناتجة عن ذلك :
تعالت أصوات في المجتمعات الغربية مؤخرا بدعوى الاندماج في المجتمعات وتبني القيم الغربية والعيش حسب تلك القيم . لكن يجب أن لا ننسى أن لهذا الأمر ضريبة يدفعها من يحملها, منها التخلي عن معنى الحياة التي من أجلها وُجدنا فيها وأيضا التخلي عن القيم التي تهذب وتنظم سلوك المجتمع والأفراد ، منها على سبيل المثال التعامل مع الآخرين وكيف يكون مضبوطاً بحدود شرعية ، والتعامل مع الذات وأنه يجب لا تتعدى على الآخرين أو تأخذ ما ليس لك بغير حق . ولا ننسى ما نرى في هذه المجتمعات من التفكك الأسري والإهمال الناتج عنه والدوافع الحقيقية وراء الجريمة وفكرة افعل كل شئ من أجل ان تكون سعيدا . كل هذا سوف ينتج حقيقة اندماج المسلم في هذه المجتمعات فيخسر كل شئ الحياة التي من أجلها خلقه الله وكذلك الآخرة التي يستحقها.


فهنا يجب أن لا ننسى أثر هذه الدعوات على المسلمين منها التخلي عن معتقداتهم وقيمهم الإسلامية ، وأيضا أثرها على الحياة حيث سنصبح بلا أدنى شك جزءاً من هذه المشاكل ، إما من ناحية صانعيها مثل إهمال الآباء والنساء والتعدي على الآخرين بالجريمة والسرقة وإما واقعه علينا مثل أن نتهم بأننا نحن من نقف وراء هذه المشاكل ونحن من جلبناها إلى هذه المجتمعات ، وبالتالي سوف نكون الشماعة التي يعلَّق عليها فشل هذه القيم والمبادئ التي يعتنقونها أويطبقونها.

ونعود إلى موضوع السجون ، فقد ذكر مؤخراً في تقرير كتبه كبير مفتشي السجون أن العديد من المسجونين المسلمين هم أكثر السجناء انضباطا و تفهما واحتراما للقانون من غيرهم، وهذا لأن هناك أثر كبير للعقيدة الاسلامية وتأثيرها في ترويض الذات بحيث يصبح الانسان منضبطاً .وذكر أيضاً أن سلوك السجناء المسلمين كان دافعا لغيرهم لتقليدهم وأن أكثر من 30% من المساجين يحولون دينهم إلى الإسلام.


لهذا نقول أننا كمسلمين يجب أن لا ننسى الغاية الحقيقية التي من أجلها خلقنا الله ويجب أن نكون سفراء للإسلام والقيم الاسلامية في الغرب ،وعلينا أن نعزز هذا الأمر في مراكزنا ومدارسنا ومساجدنا ،وأيضا حمل الإسلام للغير وأن نكون بالتزامنا منارة لغيرنا في جميع المجالات بحيث لا نقبل قيمهم بل نحول قيمهم الفاشلة إلى القيم الاسلامية التي توجِد مجتمعا متكاملا خالياً من الجريمة والتفكك والانهيار الخلقي ، ونبقى في طليعة المتحِّدين لهذه الفوضى في القيم والمفاهيم والسلوكيات الشاذة عن القيم الاسلامية التي فيها الهناء والسعادة والارتقاء الخلقي والروحي .

تاجي مصطفى
الممثل الاعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار