دروس من تحرير صلاح الدين لفلسطين
May 26, 2021

دروس من تحرير صلاح الدين لفلسطين

دروس من تحرير صلاح الدين لفلسطين

(مترجم)

يواصل الكثيرون مشاهدة المجزرة المرعبة التي تحدث في فلسطين. فما بدأ في الشيخ جراح وامتد إلى القدس بالهجوم على المسجد الأقصى صدم الكثيرين في جميع أنحاء العالم. هذا التحول في الأحداث هو تكرار للاحتلال والطرد البطيء للسكان الأصليين الذي استمر لقرن من الزمن على يد يهود وأنصارهم. بعد سنوات من المطالبة بقرارات الأمم المتحدة وتدخل الغرب، أدرك الكثيرون الآن أن الاحتلال يجب أن يُجتث على يد جيوش المسلمين.

تزخر النصوص والتاريخ الإسلامي بالأدلة والأمثلة على حروب التحرير التي طردت المحتلين. ولعل أكثرها أهمية الدروس المستفادة من تحرير صلاح الدين لفلسطين عام 1187م، بعد 88 عاماً من احتلال الصليبيين لها.

الجغرافيا السياسية في القرن الحادي عشر الميلادي

الديناميات السياسية في القرن الحادي عشر الميلادي للكيانات المتنافسة وتوازن سياسات القوة لا تختلف كثيراً عنها اليوم في البلاد الإسلامية.

فقد كانت الخلافة العباسية هي القيادة المركزية للأمة، ولكن بحلول القرن الحادي عشر، كانوا قد تجاوزوا مجدهم السابق وأصبحوا مجرد ظل مقارنة بقوتهم السابقة. وكان قلب البلاد الإسلامية بين مصر وبلاد فارس مفككاً، وقد أدت اللامركزية السياسية إلى ظهور ولايات وراثية، مما أدى إلى إنشاء مراكز قوة متنافسة ضد الخلافة.

وكان المنافسون الرئيسيون هم الفاطميون، وهم طائفة إسماعيلية زعموا أن لهم الحق في الحكم كونهم من نسل الإمام علي وفاطمة رضي الله عنهما، ما أدى إلى تسميتهم "بالفاطمية". جعل الفاطميون من واجبهم السيطرة على البلاد الإسلامية وتأسيس الحكم الإسماعيلي، وبدءاً من عام 909م تحدوا مباشرة سلطة العباسيين. وعندما احتلوا مصر عام 969م، أصبحوا القوة الأولى في البلاد الإسلامية. وبحلول نهاية القرن الحادي عشر، حكم الفاطميون شمال أفريقيا ومصر ومكة والمدينة وأجزاء من سوريا وفلسطين.

ولقد كان السلاجقة بمثابة لاعب سياسي آخر؛ فخلال حقبة اللامركزية استخدم العباسيون الجنود العبيد الذين تم جلبهم من الأراضي التركية في آسيا الوسطى للخدمة في جيوشهم من أجل تحقيق التوازن ضد الفاطميين. حيث هاجرت هذه القبائل التركية إلى الأراضي الإسلامية واعتنقت الإسلام ثم أقامت دولها في الفوضى السياسية في القرن العاشر الميلادي. بنى السلاجقة دولة مستقرة امتدت من سوريا إلى آسيا الوسطى لكنهم تولوا دور حماة الخلافة حيث منعوا التوسع الفاطمي في القرن الحادي عشر. وبحلول نهاية القرن الحادي عشر توسع السلاجقة في جميع أنحاء الأناضول حتى ظهروا على الشواطئ المقابلة للقسطنطينية.

حتى قبل أن تبدأ الحروب الصليبية كان المسلمون مفككين حيث كان هناك حكام وممالك متنافسة. هذا الوضع، مثله مثل البلاد الإسلامية اليوم المتنافسة والحكام المتنافسين، كان جاهزاً للاستغلال من أي شخص لديه مخططات للمنطقة.

الاستعمار الأوروبي في القرن الحادي عشر

عندما أدرك الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس أنه لا يستطيع محاربة المسلمين عام 1095م، لمنع سقوط الإمبراطورية البيزنطية، ناشد منافسه البابا أوربان الثاني في روما. انتهز البابا أوربان الفرصة لحشد جيش صليبي لعموم أوروبا باسم المسيح بلغ عدده عشرات الآلاف. في الواقع لقد كانت القدس نصب أعين البابا ودعا جميع النصارى إلى دعم حملة استكشافية لاحتلال المدينة وإقامة مملكة صليبية في فلسطين تحت سلطة البابوية.

ومنذ عام 1096م، بدأت الجيوش بقيادة النبلاء والفرسان في السير نحو أوروبا الشرقية من فرنسا وألمانيا وإيطاليا الحديثة. وعلى طول الطريق تم ذبح يهود أوروبا بسبب الحماس الديني الذي أججته الكنيسة، وعندما وصل الصليبيون إلى أسوار القسطنطينية رفض الإمبراطور ألكسيوس السماح لهم بالدخول إلى المدينة خوفاً من أن ينهبوها كما فعلوا مع عشرات المدن والبلدات على طول الطريق.

وعندما وصل الصليبيون إلى مدينة أنطاكية القديمة على الحدود السورية التركية كانت السياسة في المنطقة في مصلحتهم. حيث كانت أنطاكية، مثل العديد من البلدات والمدن، جزيرة وحيدة بالفعل. ولم تكن الإمبراطورية السلجوقية كياناً سياسياً موحداً بل بدلاً من ذلك أدار الأمراء الترك الصغار مدناً فردية، وكانوا يتشاجرون باستمرار مع بعضهم البعض. تم تفكيك المدن الرئيسية في دمشق وحلب والموصل، وكان أمراؤها جميعاً في حرب دائمة. وعندما طلب حاكم أنطاكيا المساعدة من الأمراء الآخرين ضد الصليبيين الذين أحاطوا بمدينته لم يتلق أي رد.

بمجرد أن استولى الصليبيون على المدينة قتلوا سكانها، ولقد أدت مذبحة أنطاكيا، بالإضافة إلى مذابح أخرى على طول الطريق إلى القدس، إلى نشر الذعر في المناطق المحيطة. ولذلك حرص أمراء المسلمين على تجنب الصراع مع الصليبيين، وبمجرد أن أدركوا أن الهدف هو القدس، قرر الكثيرون دعم الصليبيين بالطعام والسلاح والممر الآمن بدلاً من قتالهم. وبحلول صيف عام 1099م وصل الصليبيون إلى أسوار القدس. ففي 15 تموز/يوليو 1099، بعد حصار استمر أسبوعاً واحداً فقط تمكن الصليبيون من الاستيلاء على القدس من المسلمين. ولأول مرة منذ دخول عمر رضي الله عنه المدينة قبل 462 سنة، فُقدت القدس، وقد كان هذا ممكنا بسبب انقسام قادة المسلمين وأمثال الشريف حسين ومير جعفر في ذلك الوقت الذين ساعدوا الصليبيين.

تم ذبح جميع السكان المدنيين، أكثر من 70000 شخص، حيث كانت دماء المسلمين حتى ركب المستعمرين في الأقصى. وقد تم تدمير المساجد والمعابد اليهودية في جميع أنحاء المدينة، حتى النصارى عانوا؛ حيث سعى الصليبيون إلى فرض نسختهم الكاثوليكية الخاصة من النصرانية بدلاً من الكنائس اليونانية والأرمنية والجورجية التقليدية وغيرها من الكنائس في المدينة.

الدول التابعة

مع فوضى البلاد الإسلامية تمكن الصليبيون من ترسيخ موقعهم في القدس، وفي غضون أربع سنوات تم إنشاء أربع ممالك صليبية هي مقاطعة الرها، وإمارة أنطاكية، وإمارة أرمن كيليكيا، ومحافظة طرابلس مع مملكة القدس.

بسبب الانقسامات الداخلية كانت البلاد الإسلامية أضعف من أن تقاوم، إذ لم تكن مراكز القوة التقليدية في بغداد أو دمشق أو القاهرة في وضع يسمح لها بالرد على ذلك. حتى إن بعض القرى والمدن الإسلامية المحيطة بدأت التجارة مع الدول الصليبية مما عزز وجودها.

القوة في الوحدة

استغرق الأمر نصف قرن من فقدان القدس حتى تبلور رد مسلم حيث بدأ من الأمير التركي عماد الدين زنكي الذي حكم مدينة الموصل في شمال العراق. ووحّد الموصل وحلب في دولة واحدة وبقوة مشتركة لاثنتين من أكبر المدن في المنطقة، وغزا جيشه محافظة الرها، الدولة الصليبية في أقصى الشمال عام 1044م. في ذلك الوقت كانت الرها أضعف دولة صليبية. نظر الصليبيون إلى خسارتها مثلما فعل الأمراء الصغار مع أنطاكية وكان هذا خطأً كبيراً.

كانت استراتيجية عماد الدين تتمثل في تشكيل سوريا موحدة في مواجهة التهديد الصليبي من خلال وضع دمشق تحت سيطرته لكن المدينة القديمة ظلت بعيدة عن قبضته لأن أمير دمشق لم يرغب في التنازل عن سيطرته حتى باسم وحدة المسلمين.

توفي عماد الدين زنكي في عام 1146م وتولى ابنه نور الدين زنكي الكفاح من أجل توحيد البلاد الإسلامية. استعاد عماد الدين معظم الأراضي المحيطة بأنطاكية عام 1149م، وفي عام 1154م أطاح بأمير دمشق بمساعدة السكان المحليين الذين سئموا تحالفه مع الدول الصليبية.

مع توحيد سوريا في ظل حاكم واحد بقيت قضية مصر فقط، وعند هذه النقطة تحول الصليبيون جنوباً لاحتلال مصر من أجل توسيع موطئ قدمهم في المنطقة. وشعر الفاطميون بأنهم سيُهزمون وتواصلوا مع عماد الدين الذي أرسل جيشا باسم الوحدة الإسلامية، ولكن بمجرد هزيمة الصليبيين تحالف الفاطميون مع الصليبيين الذين هزموا للتو لطرد نور الدين وجيشه من مصر. كانت هذه خيانة من الدرجة الأولى وانسحب جيش نور الدين من مصر، ولكن بعد أربع سنوات فقط اضطر الفاطميون للتواصل مع نور الدين مرة أخرى حيث عاد الصليبيون لاحتلال مصر وفي هذه المرة انتصر نور الدين زنكي على الصليبيين في مصر ثم هزم الفاطميين وترك قائده الجنرال شيركوه واليا على مصر والذي توفي بعد بضعة أشهر بسبب المرض وتم تعيين ابن أخيه يوسف مكانه عام 1169م والذي نعرفه جميعاً باسم صلاح الدين الأيوبي.

محاصرة العدو

وضع صلاح الدين الأساس لتحرير القدس وبدأ على الفور في البناء على ذلك. فقد بدأ بتوحيد مصر ووضع جميع فلول الفاطميين في مزبلة التاريخ. وتم إلغاء حكم الفاطميين الضال والذين كانوا شوكة في البلاد الإسلامية لقرون رسمياً، وقد تم تحويل جامعة الأزهر التي كانت ذات يوم معقلاً للدعاية الإسماعيلية إلى جامعة إسلامية تقليدية ولا تزال كذلك حتى يومنا هذا.

وقع صلاح الدين معاهدات سلام مع مملكة القدس لمنحه الوقت لتوحيد أراضي المسلمين حول القدس، وعندما توفي نور الدين عام 1174م جراء المرض اتجه صلاح الدين كوالٍ إلى سوريا دون معارضة وبدعم عام واسع وحد مصر وسوريا بالكامل لأول مرة منذ الحكم الفاطمي. ثم وحد العراق تحت سلطته وهذا يعني الآن أن مملكة القدس الصليبية كانت محاطة بدولة إسلامية قوية وموحدة تحت حكم كان يعتقد أن من واجبه تحرير القدس.

في معركة حطين عام 1187م هزم جيش صلاح الدين الجيش الصليبي في القدس بشكل كامل ولم يبق سوى عدد قليل من الفرسان في المدينة المقدسة التي استسلمت لصلاح الدين. على عكس الصليبيين الذين ذبحوا الجميع في المدينة أعطى صلاح الدين لجميع السكان ممراً آمناً إلى الأراضي النصرانية وسمح لهم بأخذ ممتلكاتهم معهم وتمت حماية المواقع النصرانية في المدينة والسماح بالحج إليها.

هناك العديد من الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تحرير القدس والتي تنطبق على وضعنا اليوم.

الانقسام: تمكن الصليبيون من الحصول على موطئ قدم في البلاد الإسلامية بسبب عدم وجود وحدة بين حكام المسلمين حيث جعلتهم اختلافاتهم البسيطة منافسين لبعضهم بعضاً وكانوا أكثر قلقاً بشأن قتال بعضهم أكثر من التعامل مع التهديد الصليبي، وهذا يشبه إلى حد كبير حال المسلمين اليوم حيث نحن منقسمون إلى دول قومية ونتنافس مع بعضنا بينما يستخدم الغرب الكافر هذه الاختلافات القومية الصغيرة لتحقيق مصالحه الخاصة.

إزالة الحكام: أوضح لنا صلاح الدين كيف نتعامل مع الشقاق حيث حارب وأزال كل الحكام الذين رفضوا الاتحاد لاستعادة القدس، وعندما قاد الفتح لمصر الفاطمية حصل على دعم الناس الذين لم يرغبوا في التحرر من الفاطميين فحسب بل أرادوا أيضاً تحرير القدس. كان صلاح الدين منسجما مع مشاعر الناس وليس مع الحكام الفاطميين. وها نحن نواجه اليوم وضعا مماثلا حيث لدينا حكام على خلاف تام مع مشاعر الأمة بينما تتوق الأمة إلى تحرير فلسطين ولكن يتذرع الحكام بمدى ضعف المسلمين ومدى قوة كيان يهود ومدى تقييد أيديهم. ولكن صلاح الدين قد بين لنا في هذا السيناريو أن هؤلاء الحكام بحاجة إلى إزاحتهم واستبدال أولئك الذين تتماشى مشاعرهم مع الأمة بهم.

الحكام العملاء: تمكنت الدول الصليبية من ترسيخ موقعها في المنطقة كما سهلها الحكام المسلمون الصغار حول القدس. كان هدف المملكة الصليبية هو استخدام القدس لتقوية موقعها في بلاد الشام والتوسع. يلعب كيان يهود اليوم دور المملكة الصليبية في القرن الحادي والعشرين، فلدى حكام مصر والأردن وسوريا معاهدات وعلاقات عززته، والتي بدونها لا يمكن أن يستمر. واجه صلاح الدين الواقع نفسه وغزا جميع المناطق المحيطة بالقدس وأزال هؤلاء الحكام العملاء، وفي الواقع قطع خط الإمداد الذي دعم المملكة الصليبية.

خط الإمداد: رأى صلاح الدين منذ البداية أن التجارة بين القرى والحكام المسلمين الصغار هي التي دعمت اقتصاد المملكة الصليبية في القدس لذلك قطع خط الإمداد عن طريق تحرير هذه الأراضي وبالتالي قطع شريان الحياة الاقتصادي عن المملكة الصليبية. وعندما بدأ حصار القدس لم يتمكن النصارى من المقاومة واستسلموا لأنهم لم يتمكنوا من خوض حرب مع قوات صلاح الدين. ونجد اليوم وضعا مماثلا مع كيان يهود حيث يتم توفير المياه له من الأردن والغاز الطبيعي من مصر والحكام في المنطقة يدعمون هذا الكيان الغاصب.

القاعدة الأمامية: تم إنشاء الدول الصليبية كقاعدة أمامية من الكنيسة في أوروبا من أجل الحصول على الأراضي المقدسة واستعمار المنطقة. على الرغم من الحروب الصليبية العديدة لم يتمكن الصليبيون من الحفاظ على قاعدتهم الأمامية. الاستعمار الأطول كان 88 عاماً والذي قضى عليه صلاح الدين. هذا هو دور كيان يهود في المنطقة اليوم، فقد أقيم لاستخدامه كقاعدة للتدخل في المنطقة ولهذا السبب يسلحه الغرب ويموله ويدعمه مثل الدول الصليبية التي أبرمت معاهدات واتفاقيات مع الحكام المسلمين الصغار من أجل تعزيز موقفهم وأن يكونوا قاعدة أمامية لإخوانهم النصارى في أوروبا، فإن كيان يهود هو حاملة طائرات للولايات المتحدة في المنطقة اليوم وهو أحد الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها في المنطقة. إن طرد المملكة الصليبية من المنطقة كما فعل صلاح الدين في القرن الحادي عشر هو تماما ما يجب القيام به اليوم من أجل قطع هذه الأداة عن التدخل الأجنبي في المنطقة.

لقد أوضح لنا صلاح الدين أن لم الشمل بين المسلمين وإخراج الحكام العملاء من بيننا وتحرير فلسطين هو كيف نحرر الأرض المباركة بإذن الله تعالى ويجب أن يكون هذا هو الأولوية وهذا وحده هو الذي سينهي الوضع الذي نشهده اليوم.

#الأقصى_يستصرخ_الجيوش

#Aqsa_calls_armies     #AqsaCallsArmies

#OrdularAksaya

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عدنان خان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو