دستور "مرملاد"
December 13, 2020

دستور "مرملاد"

دستور "مرملاد"

هل تتذكرون قصة "مرملاد" تشيخوف؟

ذات يوم جاءت ثلاث نساء يُظهرن أنهن مهتمات بالسياسة إلى تشيخوف وسحبنه إلى المحادثة:

- "أنطون بافلوفيتش، في رأيك بم تنتهي الحرب؟"

- "بسلام..."

- "نعم بالطبع. ولكن من سيفوز، اليونانيون أم الأتراك؟"...

كانت الأسئلة تستمر على هذا النحو، ويُجيب عليها تشيخوف بشكل عام.

سألته إحدى النساء: - "من الذين تحبونهم أكثر، اليونانيون أم الأتراك؟"

فأجاب أنطون بافلوفيتش: - "أنا أحب مرملاد، وأنت...؟"

قالت: "أوه، أنا أيضاً أحبه".

وقالت زميلتها: "كم هو رائع".

بعد ذلك، استمرت المحادثة حول مرملاد، وبقيت السياسة في الهامش.

(* مرملاد هو مربّى الحمضيات مع قشورها، ويعدّ أشهر أنواعه من البرتقال)

والآن نعود إلى موضوعنا... إن شعب قرغيزستان الذي عاني مصاعب الحياة يتمرد دائماً ويضحي بنفسه أملا في حياة أفضل، ولكنّ السياسيين يثيرون دائماً مسألة الإصلاح الدستوري رداً على ذلك، ثم تنتقل المناقشة إلى نظام الإدارة، وبعد ذلك يُوَجه الرأي العام على الاستفتاء، وفي نهاية المطاف سيبقي الناس عَضّا "مرملاد".

إذاً "انقلاب أكتوبر" الماضي سار في الاتجاه نفسه، والآن النقاش بين الناس يدور فقط حول الدستور الجديد، والحكومة الجديدة تدفع الحكم الرئاسي إلى الأمام، وتسعى المعارضة للحفاظ على الحكم البرلماني.

لطالما استخدم السياسيون عبارة "حرمة الدستور" و"الدستور مقدس" و"الدستور قانون حتمي (Imperiative)". في الواقع، الدساتير الحالية لا حرمة لها، بل صارت كمنديل اليد. كان أكاييف يقول عن الدستور الأول "إنه كتب لقرن واحد"، ومع ذلك فقد تدخّل هو نفسه أربع مرات. وفي عهد باكييف تغير الدستور مرتين في غضون شهرين، وتم تغييره ثلاث مرات على العموم. فيما بعدُ وضع أعضاء الحكومة المؤقتة دستوراً جديداً وأوقفوا التعديلات حتى عام 2020، ولكن أتامباييف عدله في عام 2016... إن تحويل هذه الدساتير إلى منديل يد من مطوريها يعني أنها ليست مقدسة على الإطلاق.

الآن، بالنسبة لكون الدساتير الحالية ليست "قانوناً حتميا (Imperiative)" فهذا يتعلق بالسياسة العالمية. فقد أنشأت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية الأممَ المتحدة لإبقاء العالم في قبضتها. ومنذ ذلك الحين، تمت صياغة دساتير دول العالم وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. إن هذه القوى الاستعمارية الكبرى كانت تسن قوانين اتفاقية فينّا منذ الستينات في إطار ميثاق الأمم المتحدة من أجل تعزيز هيمنتها وتوسيع نفوذها. هذه القوانين تعد رسمياً قواعد إجبارية للبلدان في جميع أنحاء العالم. المعنى اللغوي لكلمة "Imperiative" هو الإلزامي، ولذلك تسمى قوانين اتفاقية فينا في المصطلحات قواعد إلزامية. وبالتالي فإن دساتيرنا ليست قوانين إلزامية، عليها تقف اتفاقية فينّا.

أما السياسة الدولية، فإن القوى الاستعمارية تستخدمها لمصالحها الخاصة، بغض النظر عن نظام الحكم في دستورنا. على سبيل المثال، الحكم الرئاسي في قرغيزستان يطابق مصلحة روسيا، لأنها مهتمة بتحقيق استعمارها من خلال شخص واحد. فإذا كان الرئيس يتمتع بصلاحيات كبيرة وكان موالياً لروسيا، فسيكون من الأسهل إبرام العقود معه وتنفيذها. وإذا ظهرت حركة خطيرة ضد روسيا فإنها تهدد البلاد بإنشاء عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وإذا بلغ الوضع مبلغ الجدّ ستدخل وتستقر عسكريا بحجة طلب المساعدة من الرئيس الرسمي.

بينما الغرب يهتم بوجود حكم برلماني في قرغيزستان، فإذا كان هناك حكم برلماني، فإنه يخلق مشاكل للحكومة الموالية لروسيا من خلال حل الائتلاف الحاكم وتشكيل حكومة جديدة. ويجبرهم على تشريعات حول حقوق الإنسان وحرية التعبير واستقلال القضاء ومجالات أخرى. لأن هذه القوانين تسمح للسياسيين الموالين للغرب بانتقاد المؤيدين لروسيا. وبهذه الطريقة يزيد الغرب من هيبة كوادره بين الشعب، وعندما يحين الوقت المناسب يقودهم الغرب إلى شن الانتفاضة، حتى المسلحة، ضد الحكومة الموالية لروسيا. (ومع ذلك، فقد ذرفوا "دموع التماسيح" قائلين إنهم "يؤيدون حلاً سلمياً للمشكلة"). إن إظهار مخاوف المنظمات الغربية بما في ذلك لجنة فينا ولجنة هلسنكي فيما يتعلق بمشروع الدستور الجديد، ينبع من هذه السياسة الدولية.

إن الحجج التي طرحها السياسيون المحليون حول نظام الحكم الذي هو أساس الإصلاحات الدستورية هي مجرد كلمات جوفاء. فعلى سبيل المثال، هم يقولون "إذا تخلينا عن الحكم البرلماني سنعود 20 عاماً إلى الوراء". فهل أمريكا وراءنا وفيها الحكم الرئاسي؟ وتقول جماعات المعارضة "لن نكون قادرين على محاربة الفساد بدون الحكم الرئاسي. نحن نعلم جيداً أن مخططات الفساد الفائقة عملت في النظام الرئاسي. فما الذي يضمن عدم حدوث ذلك الآن؟"

النقطة المهمة هي أن كل من يتحدث عن كلا النظامين يَعِدُ بنهضة الأمة نحو حياة أفضل. بعبارة أخرى يقولون "إننا سننهض بالاقتصاد من خلال الإصلاحات ومن خلالها ستتطور الدولة". وفي الواقع ليس الاقتصاد عاملا للتطور. فمن المستحيل تحقيق التنمية الاقتصادية التي يعِد بها السياسيون في النظام الدولي الحالي، لأن النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي تحت غطاء الديمقراطية لن يسمح أبداً بالتطور الاقتصادي لبلدان العالم الثالث. وهذا النظام قائم على أساس نهب ثرواتنا واستعباد شعبنا. وهذا النظام الديمقراطي الفاسد لا يأتي إلينا إلا بكفر المستعمرين وعلمانيتهم وأنانيتهم وجشعهم ودعارتهم وما إلى ذلك... ونظل فقط عبيداً نعيش حياة فاسدة بالخضوع لهذا النظام بالإضافة إلى ضمان الحياة الفاسدة للمستعمرين.

إضافة إلى ذلك يقول مؤيدو النظام البرلماني إن "السلطة تتجمع في يد واحدة". وفي الواقع من طبيعة السلطة أنها تكون في يد فرد واحد. ولذلك في الإدارة الرئاسية يركز الرئيس السلطة في يديه، وفي الإدارة البرلمانية يركز رئيس الوزراء السلطة في يديه، وإلا فما الفائدة من الطموح للسلطة؟ إذا لم يكن كذلك فإنه يفقد السلطة. ومع ذلك، فإن حكام الدول الاستعمارية ليس لديهم مثل هذه الميزة، لأنه ليس لديهم سلطة حقيقية، فأيّ المستعمرين أقوى تأثيرا، سيكون عميله في السلطة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض سياسيينا المشهورين يقولون "إن التهديد الرئيسي لنا هم الذين ينشطون لتطبيق الشريعة. في هذه الحالة يجب علينا أن نتحد ونحافظ على النظام العلماني". تبعا لذلك، هم يحبون النظام الذي يأتي بالعلمانية والأنانية والمثلية الجنسية وما إلى ذلك. هم وافقوا على نهب ثرواتنا واستعباد شعبنا مقابل العظام التي تركها أسيادهم. وعندما يندلع نزاع بين العظام سيدفعون الناس ضد بعضهم بعضا وأنفسهم يشتغلون في الإصلاح الدستوري. نعم، هم كذلك، وأنتم أيها الناس؟ ألم تسأموا "مرملاد"؟!

 في الواقع، أنتم تعيشون على أمل تحقيق حياة أفضل، ومع ذلك لا تجدون طريقا للقيام بذلك، وللعثور عليه تذكروا بأنكم مسلمون. عندما كنتم تحاسبون من هم في السلطة حاسبتموهم لأنكم كنتم مسلمين لا ديمقراطيين، إنكم تحاسبون الحكام بسبب عقلية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الموروثة عن آبائكم المسلمين. عودوا كما كنتم، وتعلموا إسلامكم، تجدون فيه أفضل الدساتير؛ هو دستور مبني على الكتاب والسنة، ثم أسرعوا لتطبيقه في الحياة. ومن خلال هذا تحققون السعادة في الدنيا والآخرة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ عبد الحكيم كاراهاني

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو