في الموت تذكير بالله ولقائه، فهو عبرة للذاكرين
May 17, 2020

في الموت تذكير بالله ولقائه، فهو عبرة للذاكرين

في الموت تذكير بالله ولقائه، فهو عبرة للذاكرين

يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]. قال قتادة: كان رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ أَذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالْمَوْتِ، وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ حَيَاةٍ، ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ». وعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا طَأْطَأَ ابْنُ آدَمَ رَأْسَهُ: الْفَقْرُ وَالْمَرَضُ وَالْمَوْتُ، وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوَثَّابٌ».

إن اليقين المتحصل لدى المسلم أن هذه الدنيا دار ممر وابتلاء، وأنّ مثل العابر فيها كمثل رجل استظل في ظل شجرة ثم ما لبث أن فارقها إلى وجهته. وهذا ما يُنتج عند المؤمن همّة في السعي وعملاً دؤوباً في الاستعداد وعدم الركون لهذه الدنيا، باعتبارها فانية، والعاقل لا يؤثر الفاني على الباقي، ولا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: 36].

وإن العمل هو ثمرة الإيمان، المترتبة على العلم. فمن أيقن بالموت وغفل عن الآخرة كان أحمق، ومن عرف حقيقة الدنيا ثم علّق بها قلبه كان ذلك حسرة عليه. يقول ابن القيم رحمه الله: "طائِر الطَّبْع يرى الحبَّة وعين العقل ترى الشّرك غير أن عين الهوى عميا. وإن الشر كلّه في الغفلة، والنجاة في الفطنة". وفي ذلك يقول رسول الله: « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ». وإني لأرجو أن تكون كلماتي هذه تذكرة واعية تصل القلوب فتفقهها فتنقذ من الغفلة قلوباً وتذكرها بالله، علّها تنفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون.

إنّ النفس البشرية مركبّة على الفتور والنسيان، والركون للدّعة والراحة، غير أنّ العاقل من داوم على محاسبة نفسه، وعرف منها نقاط ضعفها فقوّمها، وكانت أزمنة الدّعة طارئة عنده لا عادة. فكلّما مالت نفسه للدّنيا نهرها، وكلّما رأى منها ميلاً لزخرفها أدّبها حتى تستقيم، فلم يزل كذلك حتى يجدها كما يريد رب العالمين تأتيه طوعاً تقبل على جلاله بالحب، تحب لقاء الله فيحب الله لقاءها.

وفي هذا قولٌ جميل لابن القيّم: "تزخرفت الشَّهَوات لأعين الطباع فغضَّ عَنْها ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ و﴿أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ووَقع تابعوها في بيداء الحسرات وهَؤُلاء يُقال لَهُم ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾. لمّا عرف الموفقون قدر الحَياة الدُّنْيا وقلة المقام فِيها أماتوا فيها الهوى طلبا لحياة الأبَد، لما استيقظوا من نوم الغَفْلَة استرجعوا بالجد ما أنهبه العَدو مِنهُم في زمن البطالة، فَلَمّا طالَتْ عَلَيْهِم الطَّرِيق تلمحوا المَقْصد فَقرب عَلَيْهِم البعيد، وكلما أمرت لَهُم الحَياة، حلى لَهُم تذكر ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾".

وفي حديث رسول الله ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ» ويقول ﷺ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ». رواه أحمد

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُه وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ولْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» [تفسير القرآن العظيم لابن كثير]

لقد نطقت الحقائق الصارخة أن الموت مصيبة عظيمة، وليس أشد على المؤمن من فقد من يحب، لكنّ الله سبحانه قد جعل الموت ابتلاءً يزن به الناس وأعمالهم، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فقد جعل الله في الصبر على هذه المصيبة أجراً عظيماً، لما فيها من الصبر على ألم الفراق. فليس سواء من يجعل الموت واعظاً له، ومن يراه مصيبة يندبها ويبكي لها بعينيه دون قلبه، فإذا انقضت فترة ذكر الموت عاد لما كان عليه من اللهو والغفلة. عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوفي النَّبِيُّ ﷺ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ، جَاءَهُمْ آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبة، وخَلَفاً مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكاً مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. [تفسير القرآن العظيم لابن كثير]

وإن رسول الله قد علّمنا: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ». ولم أرَ شيئاً يعين على طاعة الله، ويردّ طائر الهوى عن المؤمن أن يوقعه في المعصية إلّا ذكر الموت وما بعده من وحدة القبر ثم الوقوف بين يدي الملك الجبّار للحساب. فلذة المعصية كالوهم تدغدغ نفس المؤمن ساعة فإن لم تجد ما يجلوها وقع، وإلّا فإن طالب الجنّة يعلم أنّها حُفّت بما تكره النفس من اجتناب الهوى، وترك الشهوات.

وإنّ الله سبحانه قد جعل المسارعة والتنافس في أمر الآخرة مقدّماً على أمر الدّنيا؛ تَصْغِيراً لِشَأْنِ الدُّنْيَا، وَتَحْقِيراً لأمرها، وأنها دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠] وَفِي الْحَدِيثِ: «واللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَغْمِسُ أحدُكُم إِصْبَعَهُ فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِع إِلَيْهِ؟».

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ هِيَ مَتَاعٌ، هِيَ مَتَاعٌ، مَتْرُوكَةٌ، أَوْشَكَتْ - وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - أَنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أَهْلِهَا، فَخُذُوا مِنْ هَذَ الْمَتَاعِ طَاعَةَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

الإخوة الكرام: عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن، قال له: إن ربّك يقرئك السلام". وهذه أولى البشريات بعد انتهاء فترة الامتحان، ونهاية الزرع الذي قدّمه المؤمن لربّه جلّ وعلا وهو مقدم عليه يرجو رحمته ويخشى عذابه. وعن ابن الزبير رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَخْرُجُ فِي طَلَبِ عِلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ فِي انْتِسَاخِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرَسَ إِلَّا كَانَ كَالْغَادِي الرَّائِحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَا يُسْرِعُ بِهِ نَسَبُهُ».

وإنّ مما يلفت النظر لوجوب المسارعة في الطاعات والتقديم لها قول رسول الله ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ، وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا». فحتّى عند قيام الساعة يلفت رسول الله أنظارنا أنه إن استطعت أن تعمل عملاً صالحاً في ذلك الظرف العصيب فلا تبخل على نفسك به. وما دام المؤمن في بحبوحة الوقت، له على الدنيا نفس فهو أولى بغرس الثمار الطيبة، مسارعة إلى الله وجنّته.

"وإن مما يجب أن يلاحق المرء بل ويرافقه ويلتصق به على الدوام، هي أسئلة فلنسمِّها أسئلة التذكرة: كم بقي من عمري قبل موتي؟ وكم بقي من صحتي؟ وكم بقي من غناي؟ وكم بقي من شبابي؟ وكم بقي من فراغي قبل شغلي؟ وهل في الغد بعد الموت من استدراك لما قد فاتني؟" [من مقال نظرة وتذكرة للحظات العيش الباقية، لحامل دعوة].

وفي ختام هذه المقالة فإني أرجو الله أن يعيننا وإياكم على العمل بما فيها وألّا أكون جسراً يُعبر به إلى الجنة ثم يلقى في النار، وأن يقبل الله سبحانه أعمالنا خالصة لوجهه ويعيننا في هذه الشهر الفضيل على ذكره وشكره وحسن عبادته، إن ربّي لمجيب الدعاء.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال – الأرض المباركة (فلسطين)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو