February 21, 2010

في السماء رزقكم وما توعدون

كثيراً ما يتداول الناس ألفاظ الرزق على ألسنتهم، فتسمعهم يقولون "الرزق على الله" و"الله هو الرزّاق" والأرزاق على الخلاّق" وبعضها صار أمثلة وأشعاراً دارجة على الألسن من مثل قولهم " لا تكن للعيشِ محرومَ الفؤاد إنما الرزقُ على ربِّ العبادِ" وغيرها من الألفاظ التي صارت أشبه ما تكون بالأمثلة الشعبية والعادات اللغوية أكثر منها مفهوما عقدياً مرتبطاً بالعقيدة الإسلامية.
وبالرغم من أن البعض يذكر هذه الأقوال بل وحتى الآيات المتعلقة بالرزق كقوله تعالى "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ" (الذاريات22) وقوله "يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حساب" (ال عمران37 ) إلا أن هذه الأقوال لا تتعدى كونها ألفاظاً أو أمثلة وعادات تداولتها الألسن لكنها لا تلامس شغاف القلب ولا هي صادرة عن إيمان يقيني بمعنى الرزق وأن الله وحده هو الرزّاق العليم.
فتجد من الناس من يتلفظ بهذه الألفاظ وهو في نفس الوقت يتاجر بالحرام، فيبيع الخمر أو الخنزير أو غيرها مما حرم الله، وإن سألته لماذا لا تدع تجارة الحرام وتبحث عن الحلال، يجيب أنه لا يجد مصدراً آخر للرزق، أو يقول "أدعو الله أن يهدينا". وتجد البعض الآخر من الناس يتعامل بالربا في معاملاته التجارية، أو يتاجر بالأسهم أو اليانصيب أوغيرها، وإذا سئل عن معنى إيمانه بالرزق أجاب "إن الله هو الرزاق". وصنف آخر من الناس يتاجر بدينه إرضاءً لحاكم ظالم أو حفاظاً على وظيفته فيُحلُّ ما حرّم الله ويحرم ما أحلّ الله سبحانه إرضاءً لذوي السلطان وهو على علم بما يقول، وإذا ما سُئل عن إيمانه بالرزق، أمطرك بالآيات مطراً، وساق إليك الأحاديث تترى وهي لا تكاد تجاوز حلقومه.
إن آيات الرزق تكررت في كثير من المواضع في القرآن، فجاءت دلالتها قطعية لا ظنية، لا تحتمل تأويلاً ولا تفسيراً بأن الله سبحانه هو الرزاق وحده، ففي سورة الروم يقول سبحانه: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" ففي هذه الآية قد قرَنَ سبحانه الخلقَ والموتَ والحياةَ والرزق معاً حتى لا يتبادر إلى ذهن البشر أي شك بأن هذه جميعاً بيده وحده، فكما أن الذي يخلقُ هو الله، والذي يُحيي هو الله، والذي يميت هو الله، كذلك الذي يرزق هو الله سبحانه، فمن من البشر يدعي أنه يستطيع فعل ذلك؟؟ كذلك في سورة الذاريات يقول سبحانه :" وفي السماءِ رزقُكم ومَا تُوعدون" ويقول في سورة الإسراء "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم" كذلك في سورة الأنعام "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ" وفي سورة النحل "وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ" فهذه وغيرها من الآيات يذكرها الحق مرة تلو المرة ليؤكد للناس أنه وحده الرازق وليس الحاكم، وليس مدير الشركة، ولا رب العمل، ولا رب الأسرة، ولا الإجتهاد والجد في العمل أو التجارة، فهذه كلها ليس لها علاقة بأسباب الرزق من قريب أو بعيد، فالحاكم قد يتوفاه الله، ومدير الشركة قد يخسر وظيفته، ورب العمل قد يخسر تجارته، ورب الأسرة يتوفاه الله، فمن يرزق بعد هؤلاء؟ بل من يرزق هؤلاء أنفسهم ؟ إن الذي رزق هؤلاء جميعاً هو رب السماوات والأرض، ألم تسمع قول الحق سبحانه يخاطب العقول والقلوب في قوله: " أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يعدلون" "أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادقين" النمل 64، فأي برهان أعظم من ذلك يريدون؟
ولكن بعد كل هذه الأدلة القطعية، لماذا لا يزال بعض الناس يطلب رزقه عن طريق الحرام؟ ويخشى على رزقه أن ينقطع، فيحجم عن قول الحق خوفاً على رزقه، ويخشى أن يحمل الإسلام كما أمر الله سبحانه خوفاً على رزقه، وإذا دُعي إلى قول الحق نظرَ إليك نظرَ المغشيّ عليهِ من الموت خوفاً على منصِبه، بل إن البعض يُخفي إسلامه في مكان عمله ويتنكر لأهل دينه وربما بعضهم عمل جاسوساً على أهل دينه كل ذلك حرصاً على رزقه، فلماذا هذه السلوكيات الغريبة عند بعض الناس مع أن رزقهم لن ينقص قيد شعرة لأن الله قد تكفل به حتى آخر لحظة في حياتهم، جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن روحَ القُدُسِ نفثَ في رَوعي لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب » أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك .
وللإجابة على تلك التساؤلات لا بد من إدراك مسألة ذات شقين، أولها: الواقع الذي عاشته ولا زالت تعيشه أمةُ الإسلام حتى يومنا هذا، فهذه ليست ظاهرة فردية في أبناء الأمة بل هي ظاهرة عامة أصيب بها أهل الإسلام بعد أن ضعف فهم الأسلام في نفوس أهله، وبعد التلوث الفكري والثقافي الذي أصابهم من جراء الحملات الغربية على الإسلام والتي كانت الغاية منها حرفُ المسلمين عن عقيدتهم وإدخال الثقافة الغربية على أفكار المسلمين ومحاولة دمجها بأفكار الإسلام وإلباس بعضها ثوب الإسلام كمثل القول "إن الديمقراطية من الإسلام" أو "إن الإسلام إشتراكي" وغيرها الكثير، فكان من جرّاءِ ذلك أن تراكم الكثير من الغبار والأتربة على فهم المسلمين للعقيدة الإسلامية، فلم يعد فهمها ساطعاً مشرقاً كما كان أيام الرعيل الأول من أصحاب رسول الله (ص)،
وما زاد الأمر ضغثاً على إبالة، أن المسلمين وقع في قلبهم حبُّ الدنيا، وفقدوا الشوق إلى الجنة والخوف من النار، وبدل أن تكون النظرة إلى الحياة الدنيا أنها طريق إلى الآخرة وأنها دار امتحان وابتلاء، أصبحت متع الحياة الدنيا هي الغاية التي تلهث وراءها النفوس الضعيفة، ولم تعد آيات القرآن العظيم تأخذ بمجامع القلوب فتهزها هزاً، ولم تعد تقشعر لها جلود الذين آمنوا فتُلينَ قلوبَهم لذكر الله، تلك التي لو نزلت على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، يقرأها كثير من الناس فلا تنهمر لها الدموع، ولا ترتجف من هولها القلوب، تذكّرهم ليل نهار بالجنة والنار فلا تجد من مجيب إلا القليل، تكرر عليهم مرات ومرات أن الرازق هو الله، فهو وحده المعطي ووحده المانع، فعلام الخوف؟ ومن يستحق الخوف إلا هو؟ فالأرض جميعاً قبضته سبحانه، والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى، فمن يمنع ما أعطى ومن يعطي ما منع؟!
أما الشق الثاني للمسألة فهي عدم إدراك مفهوم الرزق إدراكاً صحيحاً، ذلك أن موضوع الرزق فيه أمران:
الأول: عقدي، وهو الإيمان بأن الله هو الرازق فعلاً، فهو سبحانه الذي يبسط الرزق ويقدِر، وهذه مسألة عقدية إيمانية، فمن ظنّ أن غير الله يرزقه فقد أشرك مع الله إله آخر، أي من ظن أن الحاكم أو مديره في العمل أو رب العمل هو الذي يرزقه فقد أشرك مع الله إله آخر، لأن الرب معناه الرازق، لذلك كانت العرب أيام الجاهلية تطلق على الذي يطعمهم وصفَ الربّ، فكان أحد سادات قريش -ويدعى عمرو بن لُحَيّ- يُطلق عليه لقب الرَب لأنه كان يطعم الناس، يحضّر لهم الخبز واللحم، وكان يلِتُّ العجين بيديه فسُمّي لذلك اللاتّ، لذلك أقاموا له صنماً سُمي على إسمه وهو (اللات) من أشهر أصنام الجاهلية آنذاك، لذلك أنزل الحق سبحانه تصحيحاً لمفهموم الربوبية عند العرب فقال في سورة قريش " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" أي أن المطعم الرازق ليس هو اللات ولا سادة قريش ولا أبو جهل ولا الوليد بن المغيرة بل رب البيت الذي تعبدون، فالرب ليس الذي يُطعم الطّعام، ويتحكم بأقوات الناس، بل هوربُّ الناسِ جميعاً ورازقهم، ومن ظن غير ذلك فقد أشرك مع الله الربوبية "سبحانه وتعالى عما يشركون" .
والثاني: هو السعي في طلب الرزق، فحكم السعي في الأصل هو الإباحة وقد يكون مندوباً أو فرضاً بحسب حال الساعي، فالذي تجب عليه نفقة أهله ولا يملكها كان السعي في حقه واجب، والذي يسعى للإنفاق في سبيل الله كان حكم السعي في حقه مندوباً. ومن سعى لطلب رزقه بالحلال أخذ رزقه المقسوم له ونال أجراً ورضي الله عنه، ومن سعى لطلب الرزق بالحرام أخد رزقه المقسوم له، وحمل وزراً وغضب الله عليه وهكذا أحكام السعي، ومن أراد التفصيل في ذلك فأدلته مبسوطة في كتب الفقه.
أما نحن اليوم فما أحوجنا أن نتدبر أيات الكتاب الكريم، نفهمها فهما عميقاً كما فهمها الصحابة رضوان الله عليهم، بل نعيش مع آيات الكتاب ليلاً فتُلينُ القلوب، نلتزم بها نهاراً فتحيي النفوس، علّها تحرك فينا الشوق إلى الجنة والخوف من العذاب. أنظر إلى ذلك الأعرابي الذي لقي الأصمعي في البصرة، قال الاصمعي: أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جَلفٌ جَاف على قعودٍ له متقلدا سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلّم وقال: مِمّن الرجل ؟ قلت من بني أصمع، قال: أنت الأصمعيّ ؟ قلت: نعم.
قال: ومن أين أقبلت ؟ قلت: من موضعٍ يُتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت: نعم، قال: فاتلُ عليّ منه شيئا، فقرأت (والذاريات ذروا) إلى قوله: (وفي السماء رزقكم) فقال: يا أصمعي حسبك ! ! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطّعها بجلدها، وقال: أعنِّي على توزيعها، ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحِل وولى نحو البادية وهو يقول: (وفي السماء زرقكم وما توعدون) فمقتُّ نفسي ولُمتُها، ثم حججت مع الرشيد، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالاعرابي وهو ناحلٌ مُصفر، فسلّمَ عليّ وأخذ بيدي وقال: أتل علي كلام الرحمن، وأجلسني من وراء المقام فقرأت (والذاريات) حتى وصلت إلى قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) فقال الاعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا، وقال: وهل غير هذا ؟ قلت: نعم، يقول الله تبارك وتعالى: (فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) قال فصاح الاعرابي وقال: يا سبحان الله ! من الذي أغضب الجليل حتى حَلَف ! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين ؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه. (من تفسير القرطبي).
وهذه الصحابية الجليلة التي انطلق زوجها إلى الجهاد فأراد بعض المنافقين أن يضعف عزيمتها ، ليحملوها على أن تثني زوجها عن الجهاد في سبيل الله ، فأجابتهم جواب المتيقن من إيمانه، قالت : (زوجي عرفته أكالاً ، ولم أعرفه رزاقاً ، فإذا ذهب الأكال بقي الرزاق..!!)، صحابي آخر أراد منافق أن يثنيه عن بذل روحه في سبيل الله ، فقال: (علينا أن نطيعه كما أمرنا ، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا..!!). سبحان الله !! كيف استطاع أولئك النفر أن يفهموا العقيدة هذا الفهم الراقي؟ وأن يدركوا حقيقتها إدراكا لا لُبس فيه، فهل نزل القرآن إليهم وحدهم؟ وهل خاطبهم بلغة لا نفهمها اليوم؟ لا شك أن السر في هذا الإيمان القوي هو دوام الإتصال مع القرآن الكريم، وتأمل آياته الكريمة وربطها بالعقيدة يومياً باستحضار آيات الجنة ونعيمها وآيات النار وجحيمها، ودوام التفكر في خلق الله ومحاولة ربط الأحداث اليومية بالحقائق القرآنية كحقيقة الأجل والمرض والغنى والفقر علنا نرتقي في إيماننا إلى مستوى أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مستوى على بن أبي طالب رضي الله عنه حين يقول: (لو انشقت السموات لكي ارى الجنة رأي العين ما زادني ذلك يقينا على يقيني) أو حين يقول واصفاً الرزق:
عليك بتقوى الله ان كنت غافلا يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فكيف تخاف الفقر والله رازقا فقد رزق الطير والحوت في البحرِ
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة ما أكل العصفور شيئا مع النسرِ

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.