في رمضان، ما الذي يحول بين المسلم والتقوى؟
June 07, 2018

في رمضان، ما الذي يحول بين المسلم والتقوى؟

في رمضان، ما الذي يحول بين المسلم والتقوى؟

يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وتهيَّأوا للعرض الأكبر". وفي شهر رمضان رُوي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله e: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». وهذان الأثران كافيان لأن يخاف المسلم نفسه، فحين تصفد الشياطين فإنَّه لا عذر لمسلم بالتقاعس فنفسه التي بين جنبيه هي عدوه. لذلك فإن المسلم الفطن يقف أمام نفسه ويحاسبها بالمعايير الدقيقة، كميزان الذهب يزن بالذَّر لأن الذر من الذهب ثمين. وإن أياماً معدودات في شهرٍ يخسر من لم تدركه فيها المغفرة - رغم تفتيح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار - لهي أثمن من الذهب.

فها هنا محاولة لوضع الإصبع على الجرح، لمعرفة ما يحول بيننا وبين أن نكون ممن قال فيهم ربنا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].

المتتبع لآيات القرآن الكريم، خاصة ما نزل منها في مكة، وإذ إنها تحل مشاكل بشرية وتعالج نفسيات المسلمين الأوائل، نجد أنها تعرضت لكل العقبات التي تحول بيننا كأفراد وبين تقوى الله سبحانه.

فقد حارب الإسلام الكسل وفتور الهمة فقال في سورة الشرح: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وقال في سورة العصر: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وحارب الميل للدنيا والانشغال بملذاتها عن ذكر الله، فقال سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45].. وحارب المادية والأنانية بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28] وقوله ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]

وهكذا فالقرآن لم يترك ثغرة في نفسية المسلم وشخصيته إلا عالجها فهو ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

إن حال رمضان هذه الأيام حيث غاب الإسلام عن الحياة، وحال المسلمين فيه يلخصه قول الله سبحانه: ﴿وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. فما يطرأ على المسلمين في هذا الشهر الفضيل من مظاهر البعد عن الله وشريعته، إنما هي أعراض مسبِّبُها أنظمة تحارب الإسلام بكل ما أوتيت من جهد. فإن الأمم كالوعاء إن ملأته فكراً أعطى فكراً، وإن مُلئَ بالسفاسف لم ينضح إلا سفاهة.

أنظمة تفتي فيها راقصة ويظهر فيها داعية للترويج للأطعمة والعطور بتبادل مقصود للأدوار، غايته التقليل من حرمات الله. أليس الله يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]... أنظمة تسخر كل مقدراتها من إعلاميين، "علماء"، مثقفين، ومناهج بل ومنابر الله فضلاً عن القوانين التي تشرعنها لتكريس النظم الغربية. بدءاً بفتاوى طاعة ولي الأمر، والمسلسلات والأفلام التي تكرس الأنانية واتباع الشهوات. وهذه النوعية من المسلسلات قد انتشرت في السنوات الأخيرة، تروج لنمط الحياة الغربية حيث امتلأت بقصص الفحش والزنا، والخروج عن طاعة الأب - الذي يظهر كعديم رحمة يكبت حرية ابنته - وتناول الخمور والمخدرات وتجعل من المجرمين أبطالاً في حبكات درامية وموسيقى تراجيدية تجذب المتابع للتعاطف مع فجورهم رغماً عنه.

فضلاً عن تكريس مفاهيم الوطنية والقومية التي تزرع في المسلم الأنانية وحب الذات والنظرة العنصرية لأخيه المسلم، كما يحصل في لبنان والأردن حيث تمارس العنصرية من الأنظمة بشكل ممنهج ضد مسلمي سوريا.

الدعايات التي تبثها السلطة الفلسطينية في المدارس لأسبوع الطفل المصرفي حيث يتم الترويج للربا بحجة تعويد الأطفال على تجميع المال لتأمين مستقبلهم، لا تشرعن للربا فحسب بل تزرع في أطفالنا النزعة المادية وحب الدنيا.

ولا تستثنى المرأة المسلمة التي ينادون بضرورة مساواتها بالرجل من هذه الحرب، بل هي للمفارقة أشد المتضررين والأوفر حظاً!

ففضلاً عن الصورة النمطية للمرأة العصرية وإعلانات الجمال والموضة وشركات الأزياء، والمطابخ والأثاث... الخ. التي تستهدف المرأة، فقد تعرضت لكم هائل من السموم عبر الإعلام الرسمي وغير الرسمي على السواء، وجمعيات حقوق المرأة، لغسيل دماغ فيما يتعلق بالنجاح وتحقيق الذات. وهو ما تعرض له الرجل وإن كان بشكل أقل.

فصار مقياس النجاح في المجتمع هو ما نشغله من مناصب وما نكسبه من شهادات تقييمها حسب ما نحفظ أي ما نحصل من علامات لا علاقة لها بمنتوجنا الفكري وثروتنا العلمية وإفادتنا للمجتمع. وصار النجاح يقاس بميزان رقمي مبني على ربط قيمة الإنسان بما يمتلك من أموال (عقارات، رصيد بنكي، أحدث هاتف نقال، سيارات...). تقييم تكون المرأة التي ترعى أسرة وتربي جيلاً وتحمل الدعوة لمن حولها وتعلم نساء مجتمعها غير ذات أثر لأنها لم تحصل شهادة موقعة من الدولة ولم تشغل منصباً في مؤسسة رسمية!

نلوم الدولة والنظام ها هنا ونحملها المسؤولية، لكننا لا نعفي أنفسنا، فالنظام الشيطاني لا سلطان له على الذين يتقون ربهم ويعبدونه على بصيرة!

هذا على الجانب الروحي، أما في الجانب السياسي - إن افترضنا صحة الفصل بينهما - فإننا ننظر وتمتلئ قلوبنا غصة ونحن نشاهد جيوش المسلمين متقاعسين عن أداء الفرض الذي يسدون به ثغرهم كما أمرهم رسول الله بوصفهم أهل قوة ومنعة، بنصرة إخواننا المستضعفين.

أجل إن تقوى الله سبحانه واجب متعلق في حق كل مسلم، مهما كان منصبه. وإنه حق واجب وتاج الفروض بحق كل جندي وضابط في أي جيش من جيوش المسلمين أن يعمل لنصرة هذه الدماء المسلمة، أن يعمل لإزالة العروض التي تكبلهم عن إقامة شرع الله المعطل، أن يعملوا لتطبيق شريعة الله في الأرض وتنفيذ مهمة الاستخلاف التي وُجدنا على الأرض لأجلها.

نتيجة لإجرام هذه الأنظمة بحق المسلمين في العالم الإسلامي، حيث غابت تقوى الله عن الحكام جميعاً وتخاذل الكل عن نصرة الأمة، فإن رمضان لم يعد شهر التقوى والفتوحات بل صار شهر المعاصي والمنكرات، شهراً تُذل فيه الأمة من أقصاها إلى أقصاها. وفي الأقصى واستباحة حرماته من يهود أكبر دليل.

تركستان الشرقية وألاسكا يواجه المسلمون فيهما خيار الموت جوعاً في رمضان أو أكل لحم الخنزير. في ألمانيا وفرنسا يتعرض المسلمون لمضايقات وتضييق لصيامهم. وفي مصر تغلق المآذن ويقتل أهل سيناء. في المغرب غلاء أسعار يشغل الناس بلقمة العيش بدل أن يتفرغوا للعبادة.

رمضان يشكو إلى الله تقصير المسلمين وإجرام المتنفذين. وأحسبه لو نطق لقال قولة ابن الصديق المشهورة "اللهم إليك أشكو ضعف الأمين وخيانة القوي".

اللهم فهذا رمضان، وهذه أمتك يستغيثانك ولا مغيث سواك. اللهم آت نفوسنا تقواها أنت خير من زكَّاها، اللهم نصراً نكون شهوده وجنوده يعز به الإسلام وأهله ويذل به الكفر وأهله. يا خير من سُئل وأكرم من أجاب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو